________________________________________
179 – { ولكم في القصاص حياة } اي بقاء عظيم { يا أولي الألباب } ذوي العقول لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع { لعلكم تتقون } القتل مخافة القوة
(1/34)
________________________________________
180 – { كتب } فرض { عليكم إذا حضر أحدكم الموت } اي أسبابه { إن ترك خيرا } مالا { الوصية } مرفوع بكتب ومتعلق بإذا إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب إن اي فليوص { للوالدين والأقربين بالمعروف } بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغني { حقا } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله { على المتقين } الله وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث : [ ولا وصية لوارث ] رواه الترمذي
(1/34)
________________________________________
181 – { فمن بدله } اي الإيصاء من شاهد ووصي { بعد ما سمعه } علمه { فإنما إثمه } اي الايصاء المبدل { على الذين يبدلونه } فيه إقامة الظاهر مقام المضمر { إن الله سميع } لقول الموصي { عليم } بفعل الوصي فمجاز عليه
(1/35)
________________________________________
182 – { فمن خاف من موص } مخففا ومثقلا { جنفا } ميلا عن الحق خطأ { أو إثما } بأن تعمد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلا { فأصلح بينهم } بين الموصي والموصى له بالأمر بالعدل { فلا إثم عليه } في ذلك { إن الله غفور رحيم }
(1/35)
________________________________________
183 – { يا أيها الذين آمنوا كتب } فرض { عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } من الأمم { لعلكم تتقون } المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها
(1/35)
________________________________________
184 – { أياما } نصب بالصيام أو يصوموا مقدرا { معدودات } اي قلائل أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلا على المكلفين { فمن كان منكم } حين شهوده { مريضا أو على سفر } اي مسافرا سفر القسر وأجهده الصوم في الحالين فأفطر { فعدة } فعليه عدة ما أفطر { من أيام أخر } يصومها بدله { وعلى الذين } لا { يطيقونه } لكبر أو لا يرجى برؤه { فدية } هي { طعام مسكين } اي قدر ما يأكله في يومه وهو مد من غالب قوت البلد لكل يوم وفي قراءة بإضافة فدية وهي للبيان وقيل لا غير مقدرة وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ بتعيين الصوم بقوله من شهد منكم الشهر فليصمه قال ابن عباس إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما { فمن تطوع خيرا } بالزيادة على القد المذكور في الفدية { فهو } اي التطوع { خير له وأن تصوموا } مبتدأ خبره { خير لكم } من الإفطار والفدية { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم فافعلوه
(1/35)
________________________________________
185 – تلك الأيام { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه { هدى } حال هاديا من الظلالة { للناس وبينات } آيات واضحات { من الهدى } بما يهدي إلى الحق من الأحكام { و } من { الفرقان } بما يفرق بين الحق والباطل { فمن شهد } حضر { منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } تقدم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر لكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم عطف عليه { ولتكملوا } بالتخفيف والتشديد { العدة } اي عدة صوم رمضان { ولتكبروا الله } عند إكمالها { على ما هداكم } أرشدكم لمعالم دينه { ولعلكم تشكرون } الله على ذلك
(1/36)
________________________________________
186 – وسأل جماعة النبي صلى الله عليه و سلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزل : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } منهم بعلمي فأخبرهم بذلك { أجيب دعوة الداع إذا دعان } بإنالته ما سأل { فليستجيبوا لي } دعائي بالطاعة { وليؤمنوا } يداوموا على الإيمان { بي لعلهم يرشدون } يهتدون
(1/36)
________________________________________
187 – { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } بمعنى الإفضاء { إلى نسائكم } بالجماع نزل نسخا لما كان في صدر الإسلام على تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه { علم الله أنكم كنتم تختانون } تخونون { أنفسكم } بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه و سلم { فتاب عليكم } قبل توبتكم { وعفا عنكم فالآن } إذ أحل لكم { باشروهن } جامعوهن { وابتغوا } اطلبوا { ما كتب الله لكم } اي إباحه من الجماع أو قدره من الولد { وكلوا واشربوا } الليل كله { حتى يتبين } يظهر { لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } اي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف اي من الليل شبه ما يبدوا من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين ابيض واسود في الامتداد { ثم أتموا الصيام } من الفجر { إلى الليل } اي إلى دخوله بغروب الشمس { ولا تباشروهن } اي نساءكم { وأنتم عاكفون } مقيمون بنية الاعتكاف { في المساجد } متعلق بعاكفون نهي لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود { تلك } الأحكام المذكورة { حدود الله } حدها لعباده ليقفوا عندها { فلا تقربوها } أبلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى { كذلك } كما بين لكم ما ذكر { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } محارمه
(1/36)
________________________________________
188 – { ولا تأكلوا أموالكم بينكم } اي يأكل بعضكم مال بعض { بالباطل } الحرام شرعا كالسرقة والغصب { و } لا { تدلوا } تلقوا { بها } اي بحكومتها أو بالأموال رشوة { إلى الحكام لتأكلوا } بالتحاكم { فريقا } طائفة { من أموال الناس } متلبسين { بالإثم وأنتم تعلمون } أنكم مبطلون
(1/37)
________________________________________
189 – { يسألونك } يا محمد { عن الأهلة } جمع هلال لم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس { قل } لهم { هي مواقيت } جمع ميقات { للناس } يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نساءهم وصيامهم وإفطارهم { والحج } عطف على الناس اي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } في الإحرام بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه برا { ولكن البر } اي ذا البر { من اتقى } الله بترك مخالفته { وأتوا البيوت من أبوابها } في الإحرام { واتقوا الله لعلكم تفلحون } تفوزون
(1/37)
________________________________________
190 – ولما صد صلى الله عليه و سلم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل { وقاتلوا في سبيل الله } اي لإعلاء دينه { الذين يقاتلونكم } الكفار { ولا تعتدوا } عليهم بالابتداء بالقتال { إن الله لا يحب المعتدين } المتجاوزين ما حد لهم وهذا منسوخ بآية براءة أو بقوله :
(1/37)
________________________________________
191 – { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } اي من مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح { والفتنة } الشرك منهم { أشد } أعظم { من القتل } لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } اي في الحرم { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة { كذلك } القتل والإخراج { جزاء الكافرين }
(1/37)
________________________________________
192 – { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم
(1/38)
________________________________________
193 – { وقاتلوهم حتى لا تكون } توجد { فتنة } شرك { ويكون الدين } العبادة { لله } وحده لا يعبد سواه { فإن انتهوا } عن الشرك فلا تعتدوا عليهم دل على هذا { فلا عدوان } اعتداء بقتل أو غيره { إلا على الظالمين } ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه
(1/38)
________________________________________
194 – { الشهر الحرام } المحرم مقابل { بالشهر الحرام } فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله رد لاستعظام المسلمين ذلك { والحرمات } جمع حرمة ما يجب احترامه { قصاص } اي يقتص بمثلها إذا انتهكت { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابل به في الصورة { واتقوا الله } في الانتصار وترك الاعتداء { واعلموا أن الله مع المتقين } بالعون والنصر
(1/38)
________________________________________
195 – { وأنفقوا في سبيل الله } طاعته الجهاد وغيره { ولا تلقوا بأيديكم } اي أنفسكم والباء زائدة { إلى التهلكة } الهلاك و الإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم { وأحسنوا } بالنفقة وغيرها { إن الله يحب المحسنين } اي يثيبهم
(1/38)
________________________________________
196 – { وأتموا الحج والعمرة لله } أدوهما بحقوقهما { فإن أحصرتم } منعتم عن إتمامها بعدو { فما استيسر } تيسر { من الهدي } عليكم وهو شاة { ولا تحلقوا رؤوسكم } اي لا تتحللوا { حتى يبلغ الهدي } المذكور { محله } حيث يحل ذبحه وهو مكان الاحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق على ساكنيه ويحلق وبه يحصل التحلل { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } كقمل وصداع فحلق في الإحرام { ففدية } عليه { من صيام } ثلاثة أيام { أو صدقة } بثلاثة أصوع من غالب قوت البلد على ستة مساكين { أو نسك } اي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره { فإذا أمنتم } العدو بأن ذهب أو لم يكن { فمن تمتع } استمتع { بالعمرة } اي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام { إلى الحج } اي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره { فما استيسر } تيسر { من الهدي } عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر { فمن لم يجد } الهدي لفقده أو فقد ثمنه { فصيام } اي فعليه صيام { ثلاثة أيام في الحج } اي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على اصح قولي الشافعي { وسبعة إذا رجعتم } إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة { تلك عشرة كاملة } جملة تأكيد لما قبلها { ذلك } الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا والأهل كناية عن النفس وألحق بالتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف { واتقوا الله } فيما أمركم به وينهاكم عنه { واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن خالفه
(1/38)
________________________________________
197 – { الحج } وقته { أشهر معلومات } شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله { فمن فرض } على نفسه { فيهن الحج } بالإحرام به { فلا رفث } جماع فيه { ولا فسوق } معاص { ولا جدال } خصام { في الحج } وفي قراءة يفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي { وما تفعلوا من خير } كصدقة { يعلمه الله } فيجازيكم به ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكونون كلا على الناس : { وتزودوا } ما يبلغكم لسفركم { فإن خير الزاد التقوى } ما يتقى به سؤال الناس وغيره { واتقون يا أولي الألباب } ذوي العقول
(1/39)
________________________________________
198 – { ليس عليكم جناح } في { أن تبتغوا } تطلبوا { فضلا } رزقا { من ربكم } بالتجارة في الحج نزل ردا لكراهتهم ذلك { فإذا أفضتم } دفعتم { من عرفات } بعد الوقوف بها { فاذكروا الله } بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء { عند المشعر الحرام } هو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح وفي الحديث أنه صلى الله عليه و سلم وقف به يذكر الله ويدعوه حتى أسفر جدا رواه مسلم { واذكروه كما هداكم } لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل { وإن } مخففة { كنتم من قبله } قبل هداه { لمن الضالين }
(1/39)
________________________________________
199 – { ثم أفيضوا } يا قريش { من حيث أفاض الناس } اي من عرفة بأن تقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعا عن الوقوف معهم وثم للترتيب في الذكر { واستغفروا الله } من ذنوبكم { إن الله غفور } للمؤمنين { رحيم } بهم
(1/40)
________________________________________
200 – { فإذا قضيتم } أديتم { مناسككم } عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى { فاذكروا الله } بالتكبير والثناء { كذكركم آباءكم } كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة { أو أشد ذكرا } من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال من ذكر المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له { فمن الناس من يقول ربنا آتنا } نصيبنا { في الدنيا } فيؤتاه فيها { وما له في الآخرة من خلاق } نصيب
(1/40)
________________________________________
201 – { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة } نعمة { وفي الآخرة حسنة } هي الجنة { وقنا عذاب النار } بعدم دخولها وهذا بيان لما كان عليه المشركون ولحال المؤمنين والقصد به الحث على طلب خير الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله
(1/40)
________________________________________
202 – { أولئك لهم نصيب } ثواب { م } ن أجل { ما كسبوا } عملوا من الحج والدعاء { والله سريع الحساب } يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك
(1/40)
________________________________________
203 – { واذكروا الله } بالتكبير عند رمي الجمرات { في أيام معدودات } اي أيام التشريق الثلاثة { فمن تعجل } اي استعجل بالنفر من منى { في يومين } اي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره { فلا إثم عليه } بالتعجيل { ومن تأخر } بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره { فلا إثم عليه لمن اتقى } الله في حجه لأنه الحاج في لحقيقة { واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم
(1/40)
________________________________________
{ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده { ويشهد الله على ما في قلبه } انه موافق لقوله { وهو ألد الخصام } شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وهو الأخنس بن شريق كان منافقا حلو الكلام للنبي صلى الله عليه و سلم يحلف أنه مؤمن به ومحب له فيدني مجلسه فأكذبه الله في ذلك ومر بزرع وحمر لبعض المسمين فأحرقه وعقرها ليلا كما قال تعالى :
(1/40)
________________________________________
205 – { وإذا تولى } انصرف عنك { سعى } مشى { في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } من جملة الفساد { والله لا يحب الفساد } أي لا يرضى به
(1/41)
________________________________________
206 – { وإذا قيل له اتق الله } في فعلك { أخذته العزة } حملته الأنفة والحمية على العمل { بالإثم } الذي أمر باتقائه { فحسبه } كافيه { جهنم ولبئس المهاد } الفراش هي
(1/41)
________________________________________
207 – { ومن الناس من يشري } يبيع { نفسه } اي يبذلها في طاعة الله { ابتغاء } طلب { مرضاة الله } رضاه وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك بهم ماله { والله رؤوف بالعباد } حيث أرشدهم لما فيه رضاه
(1/41)
________________________________________
208 – ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم } بفتح السين وكسرها الإسلام { كافة } حال من السلم اي في جميع شرائعه { ولا تتبعوا خطوات } طرق { الشيطان } اي تزيينه بالتفريق { إنه لكم عدو مبين } بين العداوة
(1/41)
________________________________________
209 – { فإن زللتم } ملتم عن الدخول في جميعه { من بعد ما جاءتكم البينات } الحجج الظاهرة على أنه حق { فاعلموا أن الله عزيز } لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم { حكيم } في صنعه
(1/41)
________________________________________
210 – { هل } ما { ينظرون } ينتظر التاركون الدخول فيه { إلا أن يأتيهم الله } اي أمره كقوله أو يأتي أمر ربك اي عذابه { في ظلل } جمع ظلة { من الغمام } السحاب { والملائكة وقضي الأمر } تم أمر هلاكهم { وإلى الله ترجع الأمور } بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي كلا بعمله
(1/41)
________________________________________
211 – { سل } يا محمد { بني إسرائيل } تبكيتا { كم آتيناهم } كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعول آتينا ومميزها { من آية بينة } ظاهرة كفلق البحر وإنزال المن والسلوى فبدلوها كفرا { ومن يبدل نعمة الله } اي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية { من بعد ما جاءته } كفرا { فإن الله شديد العقاب } له
(1/41)
________________________________________
212 – { زين للذين كفروا } من أهل مكة { الحياة الدنيا } بالتمويه فأحبوها { و } هم { يسخرون من الذين آمنوا } لفقرهم كبلال وعمار وصهيب اي يستهزؤون بهم ويتعالون عليهم بالمال { والذين اتقوا } الشرك وهم هؤلاء { فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب } اي رزقا واسعا في الآخرة أوالدينا بان يملك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم
(1/42)
________________________________________
213 – { كان الناس أمة واحدة } على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض { فبعث الله النبيين } إليهم { مبشرين } من آمن بالجنة { ومنذرين } من كفر بالنار { وأنزل معهم الكتاب } بمعنى الكتب { بالحق } متعلق بأنزل { ليحكم } به { بين الناس فيما اختلفوا فيه } من الدين { وما اختلف فيه } أي الدين { إلا الذين أوتوه } اي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض { من بعد ما جاءتهم البينات } الحجج الظاهرة على التوحيد ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى { بغيا } من الكافرين { بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من } للبيان { الحق بإذنه } بإرادته { والله يهدي من يشاء } هدايته { إلى صراط مستقيم } طريق الحق
(1/42)
________________________________________
214 – ونزل في جهد أصاب المسلمين { أم } بل أ { حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما } لم { يأتكم مثل } شبه ما أتى { الذين خلوا من قبلكم } من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا { مستهم } جملة مستأنفة مبينة ما قبلها { البأساء } شدة الفقر { والضراء } المرض { وزلزلوا } أزعجوا بأنواع البلاء { حتى يقول } بالنصب والرفع اي قال { الرسول والذين آمنوا معه } استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم { متى } يأتي { نصر الله } الذي وعدناه فأجيبوا من قبل الله { ألا إن نصر الله قريب } إتيانه
(1/42)
________________________________________
215 – { يسألونك } يا محمد { ماذا ينفقون } اي الذي ينفقونه والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخا ذا مال فسأل صلى الله عليه و سلم عما ينفق وعلى من ينفق { قل } لهم { ما أنفقتم من خير } بيان لما شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله : { فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي هم أولى به { وما تفعلوا من خير } إنفاق أو غيره { فإن الله به عليم } فمجاز عليه
(1/42)
________________________________________
216 – { كتب } فرض { عليكم القتال } للكفار { وهو كره } مكروه { لكم } طبعا لمشقته { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر وفي تركه وإن أحببتموه شرا لأن في الذل والفقر وحرمان الأجر { والله يعلم } ما هو خير لكم { وأنتم لا تعلمون } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به
(1/43)
________________________________________
217 – وأرسل النبي صلى الله عليه و سلم أول سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل : { يسألونك عن الشهر الحرام } المحرم { قتال فيه } بدل اشتمال { قل } لهم { قتال فيه كبير } عظيم وزرا مبتدأ وخبر { وصد } مبتدأ منع للناس { عن سبيل الله } دينه { وكفر به } بالله { و } صد عن { المسجد الحرام } اي مكة { وإخراج أهله منه } وهم النبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنون وخبر المبتدأ { أكبر } أعظم وزرا { عند الله } من القتال فيه { والفتنة } الشرك منكم { أكبر من القتل } لكم فيه { ولا يزالون } اي الكفار { يقاتلونكم } أيها المؤمنون { حتى } كي { يردوكم عن دينكم } إلى الكفر { إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت } بطلت { أعمالهم } الصالحة { في الدنيا والآخرة } فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقيد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
(1/43)
________________________________________
218 – ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل { إن الذين آمنوا والذين هاجروا } فارقوا أوطانهم { وجاهدوا في سبيل الله } لإعلاء دينه { أولئك يرجون رحمة الله } ثوابه { والله غفور } للمؤمنين { رحيم } بهم
(1/43)
________________________________________
219 – { يسألونك عن الخمر والميسر } القمار ما حكمهما { قل } لهم { فيهما } اي في تعاطيهما { إثم كبير } عظيم وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش { ومنافع للناس } باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر { وإثمهما } اي ما ينشأ عنهما من المفاسد { أكبر } اعظم { من نفعهما } ولما نزلت شربها قوم وامتنع عنها آخرون إلى أن حرمتها آية المائدة { ويسألونك ماذا ينفقون } اي ما قدره { قل } أنفقوا { العفو } اي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو { كذلك } اي كما بين لكم ما ذكر { يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون }
(1/44)
________________________________________
220 – { في } أمر { الدنيا والآخرة } فتأخذون بالأصلح لكم فيهما { ويسألونك عن اليتامى } وما يلقونه من الحرج في شأنهم فإن واكلوهم يأثموا وإن عزلوا ما لهم من أموالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج { قل إصلاح لهم } في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم { خير } من ترك ذلك { وإن تخالطوهم } اي تخلطوا نفقتكم بنفقتهم { فإخوانكم } اي فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه اي فلكم ذلك { والله يعلم المفسد } لأموالهم بمخالطته { من المصلح } بها فيجازي كلا منهما { ولو شاء الله لأعنتكم } لضيق عليكم بتحريم المخالطة { إن الله عزيز } غالب على أمره { حكيم } في صنعه
(1/44)
________________________________________
221 – { ولا تنكحوا } تتزوجوا آيها المسلمون { المشركات } اي الكافرات { حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة } حرة لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة وترغيبه في نكاح حرة مشركة { ولو أعجبتكم } لجمالها ومالها وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآية { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } { ولا تنكحوا } تزوجوا { المشركين } اي الكفار المؤمنات { حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } لماله وجماله { أولئك } اي أهل الشرك { يدعون إلى النار } بدعائهم إلى العمل الموجب لها فلا تليق مناكحتهم { والله يدعو } على لسان رسله { إلى الجنة والمغفرة } اي العمل الموجب لها { بإذنه } بإرادته فتجب إجابته بتزويج أوليائه { ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } يتعظون
(1/44)
________________________________________
222 – { ويسألونك عن المحيض } اي الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه { قل هو أذى } قذر أو محله { فاعتزلوا النساء } أتركوا وطأهن { في المحيض } اي وقته أو مكانه { ولا تقربوهن } بالجماع { حتى يطهرن } بسكون الطاء وتشديدها والهاء وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء اي يغتسلن بعد انقطاعه { فإذا تطهرن فاتوهن } بالجماع { من حيث أمركم الله } بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تعدوه إلى غيره { إن الله يحب } يثيب ويكرم { التوابين } من الذنوب { ويحب المتطهرين } من الأقذار
(1/45)
________________________________________
223 – { نساؤكم حرث لكم } اي محل زرعكم الولد { فاتوا حرثكم } اي محله وهو القبل { أنى } كيف { شئتم } من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار ونزل ردا لقول اليهود : من أتى امرأته في قبلها اي من جهة دبرها جاء الولد أحول { وقدموا لأنفسكم } العمل الصالح كالتسمية عند الجماع { واتقوا الله } في أمره ونهيه { واعلموا أنكم ملاقوه } بالبعث فيجازيكم بأعمالكم { وبشر المؤمنين } الذين اتقوه بالجنة
(1/45)
________________________________________
224 – { ولا تجعلوا الله } اي الحلف به { عرضة } علة مانعة { لأيمانكم } اي نصبا بها بأن تكثروا الحلف به { أن } لا { تبروا وتتقوا } فتكره اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفر بخلافها على فعل البر ونحوه فهي طاعة { وتصلحوا بين الناس } المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك { والله سميع } لأقوالكم { عليم } بأحوالكم
(1/45)
________________________________________
225 – { لا يؤاخذكم الله باللغو } الكائن { في أيمانكم } وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف نحو والله وبلي والله فلا إثم عليه ولا كفارة { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } اي قصدته من الإيمان إذا حنثتم { والله غفور } لما كان من اللغو { حليم } بتأخير العقوبة عن مستحقها
(1/45)
________________________________________
226 – { للذين يؤلون من نسائهم } اي يحلفون أن لا يجامعوهن { تربص } إنتظار { أربعة أشهر فإن فاؤوا } رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء { فإن الله غفور } لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف { رحيم } بهم
(1/45)
________________________________________
227 – { وإن عزموا الطلاق } اي عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه { فإن الله سميع } لقولهم { عليم } بعزمهم المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أوالطلاق
(1/45)
________________________________________
228 – { والمطلقات يتربصن } اي لينتظرن { بأنفسهن } عن النكاح { ثلاثة قروء } تمضي من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان وهذا في المدخول بهن أما غيرهن فلا عدة عليهن لقوله : { فما لكم عليهن من عدة } وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق والإماء فعدتهن قرءان بالسنة { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من الولد والحيض { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن } أزواجهن { أحق بردهن } بمراجعتهن ولو أبين { في ذلك } اي في زمن التربص { إن أرادوا إصلاحا } بينهما لإضرار المرأة وهو تحريض على قصده لا شرط لجواز الرجعة وهذا في الطلاق الرجعي وأحق لا تفضيل فيه إذ لا حق لغيرهم من نكاحهن في العدة { ولهن } على الأزواج { مثل الذي } لهم { عليهن } من الحقوق { بالمعروف } شرعا من حسن العشرة وترك الإضرار ونحو ذلك { وللرجال عليهن درجة } فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما ساقوه من المهر والإنفاق { والله عزيز } في ملكه { حكيم } فيما دبره لخلقه
(1/46)
________________________________________
229 – { الطلاق } اي التطليق الذي يراجع بعده { مرتان } اي اثنان { فإمساك } اي فعليكم إمساكهن بعدة بأن تراجعوهن { بمعروف } من غير ضرار { أو تسريح } اي إرسالهن { بإحسان ولا يحل لكم } أيها الأزواج { أن تأخذوا مما آتيتموهن } من المهور { شيئا } إذا طلقتموهن { إلا أن يخافا } أي الزوجان { أ } ن { لا يقيما حدود الله } اي أن لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فألا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرئ بالفوقانية في الفعلين { فإن خفتم أ } ن { لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما } { فيما افتدت به } نفسها من المال ليطلقها اي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله { تلك } الأحكام المذكورة { حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون }
(1/46)
________________________________________
230 – { فإن طلقها } الزوج الثنتين { فلا تحل له من بعد } بعد الطلقة الثالثة { حتى تنكح } تتزوج { زوجا غيره } ويطأها كما في الحديث رواه الشيخان { فإن طلقها } اي الزوج الثاني { فلا جناح عليهما } اي الزوجة والزوج الأول { أن يتراجعا } إلى النكاح بعد انقضاء العدة { إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك } المذكورات { حدود الله يبينها لقوم يعلمون } يتدبرون
(1/47)
________________________________________
231 – { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } قاربن انقضاء عدتهن { فأمسكوهن } بأن تراجعوهن { بمعروف } من غير ضرار { أو سرحوهن بمعروف } أتركوهن حتى تنقضي عدتهن { ولا تمسكوهن } بالرجعة { ضرارا } مفعول لأجله { لتعتدوا } عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل الحبس { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } بتعريضها إلى عذاب الله { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } مهزوءا بها بمخالفتها { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإسلام { وما أنزل عليكم من الكتاب } القرآن { والحكمة } ما فيه من الأحكام { يعظكم به } بان تشكروها بالعمل به { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم } لا يخفى عليه شيء
(1/47)
________________________________________
232 – { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } انقضت عدتهن { فلا تعضلوهن } خطاب للأولياء اي تمنعوهن من { أن ينكحن أزواجهن } المطلقين لهن لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار كما رواه الحاكم { إذا تراضوا } اي الأزواج والنساء { بينهم بالمعروف } شرعا { ذلك } النهي عن العضل { يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } لأنه المنتفع به { ذلكم } اي ترك العضل { أزكى } خير { لكم وأطهر } لكم ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما { والله يعلم } ما فيه المصلحة { وأنتم لا تعلمون } ذلك فاتبعوا أوامره
(1/47)
________________________________________
233 – { والوالدات يرضعن } ليرضعن { أولادهن حولين } عامين { كاملين } صفة مؤكدة ذلك { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ولا زيادة عليه { وعلى المولود له } اي الأب { رزقهن } إطعام الوالدات { وكسوتهن } على الإرضاع إذا كن مطلقات { بالمعروف } بقدر طاقته { لا تكلف نفس إلا وسعها } طاقتها { لا تضار والدة بولدها } اي بسببه بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت { ولا } يضار { مولود له بولده } اي بسببه بأن يكلف فوق طاقته وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف { وعلى الوارث } اي وارث الأب وهو الصبي اي على وليه في ماله { مثل ذلك } الذي على الأب للوالدة من الرزق والكسوة { فإن أرادا } اي الولدان { فصالا } فطاما له قبل الحولين صادرا { عن تراض } اتفاق { منهما وتشاور } بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه { فلا جناح عليهما } في ذلك { وإن أردتم } خطاب للآباء { أن تسترضعوا أولادكم } مراضع غير الوالدات { فلا جناح عليكم } فيه { إذا سلمتم } إليهن { ما آتيتم } اي أردتم إيتاءه لهن من الأجرة { بالمعروف } بالجميل كطيب النفس { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه شيء منه
(1/47)
________________________________________
234 – { والذين يتوفون } يموتون { منكم ويذرون } يتركون { أزواجا يتربصن } اي ليتربصن { بأنفسهن } بعدهم عن النكاح { أربعة أشهر وعشرا } من الليالي وهذا في غير الحوامل أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق والأمة على النصف من ذلك بالسنة { فإذا بلغن أجلهن } انقضت مدة تربصهن { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهن } من التزين والتعرض للخطاب { بالمعروف } شرعا { والله بما تعملون خبير } عالم بباطنه كظاهره
(1/48)
________________________________________
235 – { ولا جناح عليكم فيما عرضتم } لوحتم { به من خطبة النساء } المتوفى عنهن أزواجهن في العدة كقول الإنسان : مثلا إنك لجميلة ومن يجد مثلك ورب راغب فيك { أو أكننتم } أضمرتم { في أنفسكم } من قصد نكاحهن { علم الله أنكم ستذكرونهن } بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض { ولكن لا تواعدوهن سرا } اي نكاحا { إلا } لكن { أن تقولوا قولا معروفا } اي ما عرف شرعا من التعريض فلكم ذلك { ولا تعزموا عقدة النكاح } اي على عقده { حتى يبلغ الكتاب } اي المكتوب من العدة { أجله } بأن ينتهي { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من العزم وغيره { فاحذروه } أن يعاقبكم إذا عزمتم { واعلموا أن الله غفور } لمن يحذره { حليم } بتأخير العقوبة عن مستحقها
(1/48)
________________________________________
236 – { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } وفي قراءة تماسوهن اي تجامعوهن { أو } لم { تفرضوا لهن فريضة } مهرا وما مصدرية ظرفية اي لا تبعة عليكم – في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر فطلقوهن { ومتعوهن } أعطوهن ما يتمتعن به { على الموسع } الغنى منكم { قدره وعلى المقتر } الضيق الرزق { قدره } يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة { متاعا } تمتيعا { بالمعروف } شرعا صفة متاعا { حقا } صفة ثانية أو مصدر مؤكدة { على المحسنين } المطيعين
(1/49)
________________________________________
237 – { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } يجب لهن ويرجع لكم النصف { إلا } لكن { أن يعفون } اي الزوجات فيتركنه { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } وهو الزوج فيترك لها الكل وعن ابن عباس : الولي إذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك { وأن تعفوا } مبتدأ خبره { أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم } اي أن يتفضل بعضكم على بعض { إن الله بما تعملون بصير } فيجازيكم به
(1/49)
________________________________________
238 – { حافظوا على الصلوات } الخمس بأدائها في أوقاتها { والصلاة الوسطى } هي العصر أو الصبح أو الظهر أو غيرها أقوال وأفردها بالذكر لفضلها { وقوموا لله } في الصلاة { قانتين } قيل مطيعين لقوله صلى الله عليه و سلم [ كل قنوت في القرآن فهو طاعة ] رواه احمد وغيره وقيل ساكتين لحديث زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الشيخان
(1/49)
________________________________________
239 – { فإن خفتم } من عدو أو سيل أو سبع { فرجالا } جمع راجل اي مشاة صلوا { أو ركبانا } جمع راكب اي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومئ بالركوع والسجود { فإذا أمنتم } من الخوف { فاذكروا الله } اي صلوا { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى مثل وما مصدريةأو موصولة
(1/49)
________________________________________
240 – { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } فليوصوا { وصية } وفي قراءة بالرفع اي عليهم { لأزواجهم } ويعطوهن { متاعا } ما يتمتعن به من النفقة والكسوة { إلى } تمام { الحول } حال اي غير مخرجات من مسكنهن { فإن خرجن } بأنفسهن { فلا جناح عليكم } يا أولياء الميت { في ما فعلن في أنفسهن من معروف } شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها { والله عزيز } في ملكه { حكيم } في صنعه والوصية المذكورة منسوجة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة لها عند الشافعي رحمه الله
(1/49)
________________________________________
241 – { وللمطلقات متاع } يعطينه { بالمعروف } بقدر الإمكان { حقا } نصب بفعله المقدر { على المتقين } الله تعالى كرره ليعم الممسوسة أيضا إذ الآية السابقة في غيرها
(1/50)
________________________________________
242 – { كذلك } كما يبين لكم ما ذكر { يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } تتدبرون
(1/50)
________________________________________
243 – { ألم تر } استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ينته علمك { إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف } أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا { حذر الموت } مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا { فقال لهم الله موتوا } فماتوا { ثم أحياهم } بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم { إن الله لذو فضل على الناس } ومنه إحياء هؤلاء { ولكن أكثر الناس } وهم الكفار { لا يشكرون } والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه
(1/50)
________________________________________
244 – { وقاتلوا في سبيل الله } اي لإعلاء دينه { واعلموا أن الله سميع } لأقوالكم { عليم } بأحوالكم فمجازيكم
(1/50)
________________________________________
245 – { من ذا الذي يقرض الله } بإنفاق ماله في سبيل الله { قرضا حسنا } بأن ينفقه لله عز و جل عن طيب قلب { فيضاعفه } وفي قراءة فيضعفه بالتشديد { له أضعافا كثيرة } من عشر إلى اكثر من سبعمائة كما سيأتي { والله يقبض } يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء { ويبسط } يوسعه لمن يشاء امتحانا { وإليه ترجعون } في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم
(1/50)
________________________________________
246 – { ألم تر إلى الملإ } الجماعة { من بني إسرائيل من بعد } موت { موسى } اي إلى قصتهم وخبرهم { إذ قالوا لنبي لهم } هو شمويل { ابعث } أقم { لنا ملكا نقاتل } معه { في سبيل الله } تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه { قال } النبي لهم { هل عسيتم } بالفتح والكسر { إن كتب عليكم القتال أ } ن { لا تقاتلوا } خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها { قالوا وما لنا أ } ن { لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } بسببهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت اي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا } عنه وجبنوا { إلا قليلا منهم } وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي { والله عليم بالظالمين } فمجازيهم وسأل النبي ربه إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت
(1/50)
________________________________________
247 – { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى } كيف { يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا { ولم يؤت سعة من المال } يستعين بها على إقامة الملك { قال } النبي لهم { إن الله اصطفاه } اختاره للملك { عليكم وزاده بسطة } سعة { في العلم والجسم } وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا { والله يؤتي ملكه من يشاء } إيتاءه لا اعتراض عليه { والله واسع } فضله { عليم } بمن هو أهل له
(1/51)
________________________________________
248 – { وقال لهم نبيهم } لما طلبوا منه آية على ملكه { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } الصندوق كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم واستمر إليهم فغلبهم العمالقة عليه وأخذوه وكانوا يستفتحون به على عدوهم ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال تعالى { فيه سكينة } طمأنينة لقلوبكم { من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } وهي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض من الألواح { تحمله الملائكة } حال من فاعل يأتيكم { إن في ذلك لآية لكم } على ملكه { إن كنتم مؤمنين } فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد فاختار من شبابهم سبعين ألفا
(1/51)
________________________________________
249 – { فلما فصل } خرج { طالوت بالجنود } من بيت المقدس وكان الحر شديدا وطلبوا منه الماء { قال إن الله مبتليكم } مختبركم { بنهر } ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين { فمن شرب منه } اي من ماءه { فليس مني } اي من أتباعي { ومن لم يطعمه } يذقه { فإنه مني إلا من اغترف غرفة } بالفتح والضم { بيده } فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني { فشربوا منه } لما وافوه بكثرة { إلا قليلا منهم } فاقتصروا على الغرفة روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } وهم الذين اقتصروا على الغرفة { قالوا } اي الذين شربوا { لا طاقة } قوة { لنا اليوم بجالوت وجنوده } اي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه { قال الذين يظنون } يوقنون { أنهم ملاقوا الله } بالبعث وهم الذين جاوزوه { كم } خبرية بمعنى كثير { من فئة } جماعة { قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } بإرادته { والله مع الصابرين } بالعون والنصر
(1/51)
________________________________________
250 – { ولما برزوا لجالوت وجنوده } اي ظهروا لقتالهم وتصافوا { قالوا ربنا أفرغ } أصبب { علينا صبرا وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا على الجهاد { وانصرنا على القوم الكافرين }
(1/52)
________________________________________
251 – { فهزموهم } كسروهم { بإذن الله } بإرادته { وقتل داود } وكان في عسكر طالوت { جالوت وآتاه } اي داود { الله الملك } في بني إسرائيل { والحكمة } النبوة بعد موت شمويل وطالوت ولم بجتمعا لأحد قبله { وعلمه مما يشاء } كصنعة الدروع ومنطق الطير { ولولا دفع الله الناس بعضهم } بدل بعض من الناس { ببعض لفسدت الأرض } بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد { ولكن الله ذو فضل على العالمين } فدفع بعضهم ببعض
(1/52)
________________________________________
252 – { تلك } هذه الآيات { آيات الله نتلوها } نقصها { عليك } يا محمد { بالحق } بالصدق { وإنك لمن المرسلين } التأكيد بأن وغيرها رد لقول الكفار له لست مرسلا
(1/52)
________________________________________
253 – { تلك } مبتدأ { الرسل } صفة أو والخبر { فضلنا بعضهم على بعض } بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره { منهم من كلم الله } كموسى { ورفع بعضهم } اي محمد صلى الله عليه و سلم { درجات } على غيره بعموم الدعوة وختم النبوة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات والمتكاثرة والخصائص العديدة { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه } قويناه { بروح القدس } جبريل يسير معه حيث سار { ولو شاء الله } هدى الناس جميعا { ما اقتتل الذين من بعدهم } بعد الرسل اي أممهم { من بعد ما جاءتهم البينات } لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا { ولكن اختلفوا } لمشيئته ذلك { فمنهم من آمن } ثبت على إيمانه { ومنهم من كفر } كالنصارى بعد المسيح { ولو شاء الله ما اقتتلوا } تأكيد { ولكن الله يفعل ما يريد } من توفيق من شاء وخذلان من شاء
(1/52)
________________________________________
254 – { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } زكاته { من قبل أن يأتي يوم لا بيع } فداء { فيه ولا خلة } صداقة تنفع { ولا شفاعة } بغير إذنه وهو يوم القيامة وفي قراءة برفع الثلاثة { والكافرون } بالله أو بما فرض عليهم { هم الظالمون } لوضعهم أمر الله في غير محله
(1/53)
________________________________________
255 – { الله لا إله } اي لا معبود بحق في الوجود { إلا هو الحي } الدائم بالبقاء { القيوم } المبالغ في القيام بتدبير خلقه { لا تأخذه سنة } نعاس { ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا { من ذا الذي } اي لا أحد { يشفع عنده إلا بإذنه } له فيها { يعلم ما بين أيديهم } اي الخلق { وما خلفهم } اي من أمر الدنيا والآخرة { ولا يحيطون بشيء من علمه } اي لا يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شاء } أن يعلمهم به منها بأخبار الرسل { وسع كرسيه السماوات والأرض } قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته لحديث : [ ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس ] { ولا يؤوده } يثقله { حفظهما } اي السماوات والأرض { وهو العلي } فوق خلقه بالقهر { العظيم } الكبير
(1/53)
________________________________________
256 – { لا إكراه في الدين } على الدخول فيه { قد تبين الرشد من الغي } اي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام { فمن يكفر بالطاغوت } الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع { ويؤمن بالله فقد استمسك } تمسك { بالعروة الوثقى } بالعقد المحكم { لا انفصام } انقطاع { لها والله سميع } لما يقال { عليم } بما يفعل
(1/53)
________________________________________
257 – { الله ولي } ناصر { الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات } الكفر { إلى النور } الإيمان { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله : يخرجهم من الظلمات أو في كل من آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
(1/53)
________________________________________
258 – { ألم تر إلى الذي حاج } جادل { إبراهيم في ربه } ل { أن آتاه الله الملك } اي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ { إذ } بد من حاج { قال إبراهيم } لما قال له من ربك الذي تدعونا اليه : { ربي الذي يحيي ويميت } اي يخلق الحياة والموت في الأجساد { قال } هو { أنا أحيي وأميت } بالقتل والعفو عنه ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فلما رآه غبيا { قال إبراهيم } منتقلا إلى حجة أوضح منها { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها } أنت { من المغرب فبهت الذي كفر } تحير ودهش { والله لا يهدي القوم الظالمين } بالكفر إلى محجة الاحتجاج
(1/54)
________________________________________
259 – { أو } رأيت { كالذي } الكاف زائدة { مر على قرية } وهي بيت المقدس راكبا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير وهو عزير { وهي خاوية } ساقطة { على عروشها } سقوفها لما خربها بختنصر { قال أنى } كيف { يحيي هذه الله بعد موتها } استعظاما لقدرته تعالى { فأماته الله } وألبثه { مائة عام ثم بعثه } أحياه ليريه كيفية ذلك { قال } تعالى له { كم لبثت } مكثت هنا { قال لبثت يوما أو بعض يوم } لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه يوم النوم { قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } التين { وشرابك } العصير { لم يتسنه } لم يتغير مع طول الزمان والهاء قيل أصل من سانهت وقيل للسكت من سانيت وفي قراءة بحذفها { وانظر إلى حمارك } كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض تلوح ! فعلنا ذلك لتعلم { ولنجعلك آية } على البعث { للناس وانظر إلى العظام } من حمارك { كيف ننشزها } نحييها بضم النون وقرئ بفتحها من أنشر ونشر – لغتان – وفي قراءة بضمها والزاي – نحركها ونرفعها – { ثم نكسوها لحما } فنظر إليه وقد تركبت وكسيت لحما ونفخ فيه الروح ونهق { فلما تبين له } ذلك بالمشاهدة { قال أعلم } علم مشاهدة { أن الله على كل شيء قدير } وفي قراءة – إعلم – أمر من الله له
(1/54)
________________________________________
260 – { و } اذكر { إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال } تعالى له { أولم تؤمن } بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه { قال بلى } آمنت { ولكن } سألتك { ليطمئن } يسكن { قلبي } بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال { قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك } بكسر الصاد وضمها أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن وريشهن { ثم اجعل على كل جبل } من جبال أرضك { منهن جزءا ثم ادعهن } إليك { يأتينك سعيا } سريعا { واعلم أن الله عزيز } لا يعجزه شيء { حكيم } في صنعه فأخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا وفعل بهن ما ذكر وأمسك رؤوسهن عنده ودعاهن فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت ثم أقبلت إلى رؤوسها
(1/54)
________________________________________
261 – { مثل } صفة نفقات { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } اي طاعته { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } فكذلك نفقاتهم تضاعف لسبعمائة ضعف { والله يضاعف } اكثر من ذلك { لمن يشاء والله واسع } فضله { عليم } بمن يستحق المضاعفة
(1/55)
________________________________________
262 – { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا } على المنفق عليه بقولهم مثلا : قد أحسنت إليه وجبرت حاله { ولا أذى } له بذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه { لهم أجرهم } ثواب إنفاقهم { عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } في الآخرة
(1/55)
________________________________________
263 – { قول معروف } كلام حسن ورد على السائل جميل { ومغفرة } له في إلحاحه { خير من صدقة يتبعها أذى } بالمن وتعيير له بالسؤال { والله غني } عن صدقة العباد { حليم } بتأخير العقوبة عن المان والمؤذي
(1/55)
________________________________________
264 – { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم } اي أجورها { بالمن والأذى } إبطالا { كالذي } اي كإبطال نفقة الذي { ينفق ماله رئاء الناس } مرائيا لهم { ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } هو المنافق { فمثله كمثل صفوان } حجر أملس { عليه تراب فأصابه وابل } مطر شديد { فتركه صلدا } صلبا أملس لا شيء عليه { لا يقدرون } استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس و جمع الضمير باعتبار معنى الذي { على شيء مما كسبوا } عملوا اي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له { والله لا يهدي القوم الكافرين }
(1/55)
________________________________________
265 – { ومثل } نفقات { الذين ينفقون أموالهم ابتغاء } طلب { مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم } اي تحقيقا للثواب عليه بخلاف المنافقين الذي لا يرجونه لإنكارهم له ومن ابتدائية { كمثل جنة } بستان { بربوة } بضم الراء وفتحها مكان مرتفع مستو { أصابها وابل فآتت } أعطت { أكلها } بضم الكاف وسكونها ثمرها { ضعفين } مثلي ما يثمر غيرها { فإن لم يصبها وابل فطل } مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها المعنى : تثمر وتزكو كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أم قلت { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم به
(1/56)
________________________________________
266 – { أيود } أيحب { أحدكم أن تكون له جنة } بستان { من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها } ثمر { من كل الثمرات و } قد { أصابه الكبر } فضعف من الكبر عن الكسب { وله ذرية ضعفاء } أولاد صغار لا يقدرون عليه { فأصابها إعصار } ريح شديدة { فيه نار فاحترقت } ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمان في ذهابها وعدم نفعها أحوج ما يكون ما إليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي وعن ابن عباس هو الرجل عمل بالطاعات ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله { كذلك } كما بين ما ذكر { يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } فتعتبرون
(1/56)
________________________________________
267 – { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا } اي زكوا { من طيبات } جياد { ما كسبتم } من المال { وم } ن طيبات { ما أخرجنا لكم من الأرض } من الحبوب والثمار { ولا تيمموا } تقصدوا { الخبيث } الرديء { منه } اي من المذكور { تنفقون } ه في الزكاة حال من ضمير تيمموا { ولستم بآخذيه } اي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم { إلا أن تغمضوا فيه } بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق الله { واعلموا أن الله غني } عن نفقاتكم { حميد } محمود على كل حال
(1/56)
________________________________________
268 – { الشيطان يعدكم الفقر } يخوفكم به إن تصدقتم فتمسكوا { ويأمركم بالفحشاء } البخل ومنع الزكاة { والله يعدكم } على الإنفاق { مغفرة منه } لذنوبكم { وفضلا } رزقا خلفا منه { والله واسع } فضله { عليم } بالمنفق
(1/56)
________________________________________
269 – { يؤتي الحكمة } اي العلم النافع المؤدي إلى العمل { من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } لمصيره إلى السعادة الأبدية { وما يذكر } فيه إدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ { إلا أولو الألباب } أصحاب العقول
(1/57)
________________________________________
270 – { وما أنفقتم من نفقة } أديتم من زكاة أو صدقة { أو نذرتم من نذر } فوفيتم به { فإن الله يعلمه } فيجازيكم عليه { وما للظالمين } بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الانفاق في غير محله من معاصي الله { من أنصار } مانعين لهم من عذابه
(1/57)
________________________________________
271 – { إن تبدوا } تظهروا { الصدقات } اي النوافل { فنعما هي } اي نعم شيئا إبداؤها { وإن تخفوها } تسروها { وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } من إبدائها وإيتائها الأغنياء أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلا يتهم وإيتاؤها الفقراء متعين { ويكفر } بالياء وبالنون مجزوما بالعطف على محل فهو ومرفوعا على الاستئناف { عنكم من } بعض { سيئاتكم والله بما تعملون خبير } عالم بباطنه كظاهره لا يخفى عليه شيء منه
(1/57)
________________________________________
272 – ولما منع صلى الله عليه ولسلم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل : { ليس عليك هداهم } اي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ { ولكن الله يهدي من يشاء } هدايته إلى الدخول فيه { وما تنفقوا من خير } مال { فلأنفسكم } لأن ثوابه لها { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } اي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } جزاؤه { وأنتم لا تظلمون } تنقصون منه شيئا والجملتان تأكيد للأولى
(1/57)
________________________________________
273 – { للفقراء } خبر مبتدأ محذوف اي الصدقات { الذين أحصروا في سبيل الله } اي حبسوا أنفسهم على الجهاد نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا { لا يستطيعون ضربا } سفرا { في الأرض } للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد { يحسبهم الجاهل } بحالهم { أغنياء من التعفف } اي لتعففهم عن السؤال وتركه { تعرفهم } يا مخاطب { بسيماهم } علامتهم من التواضع وأثر الجهد { لا يسألون الناس } شيئا فيلحفون { إلحافا } اي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } فمجاز عليه
(1/57)
________________________________________
274 – { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
(1/58)
________________________________________
275 – { الذين يأكلون الربا } اي يأخذونه وهو الزيادة في المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل { لا يقومون } من قبورهم { إلا } قياما { كما يقوم الذي يتخبطه } يصرعه { الشيطان من المس } الجنون متعلق بيقومون { ذلك } الذي نزل بهم { بأنهم } بسبب أنهم { قالوا إنما البيع مثل الربا } في الجواز وهذا من عكس التشبيه مبالغة فقال تعالى ردا عليهم : { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه } بلغه { موعظة } وعظ { من ربه فانتهى } عن أكله { فله ما سلف } قبل النهي اي لا يسترد منه { وأمره } في العفو عنه { إلى الله ومن عاد } إلى أكله مشبها له بالبيع في الحل { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
(1/58)
________________________________________
276 – { يمحق الله الربا } ينقصه ويذهب بركته { ويربي الصدقات } يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها { والله لا يحب كل كفار } بتحليل الربا { أثيم } فاجر بأكله اي يعاقبه
(1/58)
________________________________________
277 – { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
(1/58)
________________________________________
278 – { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا } اتركوا { ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } صادقين في إيمانكم فإن من شأن المؤمن امتثال أمر الله تعالى نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له من قبل
(1/58)
________________________________________
279 – { فإن لم تفعلوا } ما أمرتم به { فأذنوا } اعلموا { بحرب من الله ورسوله } لكم فيه تهديد شديد لهم ولما نزلت قالوا لا يد لنا بحربه { وإن تبتم } رجعتم عنه { فلكم رؤوس } أصول { أموالكم لا تظلمون } بزيادة { ولا تظلمون } بنقص
(1/58)
________________________________________
280 – { وإن كان } وقع غريم { ذو عسرة فنظرة } له اي عليكم تأخيره { إلى ميسرة } بفتح السين وضمها اي وقت يسر { وأن تصدقوا } بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد وبالتخفيف على حذفها اي تتصدقوا على المعسر بالإبراء { خير لكم إن كنتم تعلمون } أنه خير فافعلوه وفي الحديث [ من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ] رواه مسلم
(1/59)
________________________________________
281 – { واتقوا يوما ترجعون } بالبناء للمفعول تردون وللفاعل تصيرون { فيه إلى الله } هو يوم القيامة { ثم توفى } فيه { كل نفس } جزاء { ما كسبت } عملت من خير وشر { وهم لا يظلمون } بنقص حسنة أو زيادة سيئة
(1/59)
________________________________________
282 – { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم } تعاملتم { بدين } كسلم وقرض { إلى أجل مسمى } معلوم { فاكتبوه } استيثاقا ودفعا للنزاع { وليكتب } كتاب الدين { بينكم كاتب بالعدل } بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص { ولا يأب } يمتنع { كاتب } من { أن يكتب } إذ دعي إليها { كما علمه الله } اي فضله بالكتابة فلا يبخل بها والكاف متعلقة بيأب { فليكتب } تأكيد { وليملل } يمل الكاتب { الذي عليه الحق } الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه { وليتق الله ربه } في إملائه { ولا يبخس } ينقص { منه } اي الحق { شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها } مبذرا { أو ضعيفا } عن الإملاء لصغر أو كبر { أو لا يستطيع أن يمل هو } لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك { فليملل وليه } متولي أمره من والد ووصي وقيم ومترجم { بالعدل واستشهدوا } أشهدوا على الدين { شهيدين } شاهدين { من رجالكم } اي بالغي المسلمين الأحرار { فإن لم يكونا } اي الشهيدان { رجلين فرجل وامرأتان } يشهدون { ممن ترضون من الشهداء } لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل { أن تضل } تنسى { إحداهما } الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن { فتذكر } بالتخفيف والتشديد { إحداهما } الذاكرة { الأخرى } الناسية وجملة الإذكار محل العلة اي لتذكرإن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر أن شرطية ورفع تذكراستئناف جوابه { ولا يأب الشهداء إذا ما } زائدة { دعوا } إلى تحمل الشهادة وأدائها { ولا تسأموا } تملوا من { أن تكتبوه } اي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك { صغيرا } كان { أو كبيرا } قليلا أو كثيرا { إلى أجله } وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه { ذلكم } اي الكتب { أقسط } أعدل { عند الله وأقوم للشهادة } اي أعون على إقامتها لأنه يذكرها { وأدنى } اقرب إلى { أ } ن { لا ترتابوا } تشكوا في قدر الحق والأجل { إلا أن تكون } تقع { تجارة حاضرة } وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة { تديرونها بينكم } اي تقبضونها ولا أجل فيها { فليس عليكم جناح } في { أ } ن { لا تكتبوها } والمراد بها المتجر فيه { وأشهدوا إذا تبايعتم } عليه فإنه ادفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب { ولا يضار كاتب ولا شهيد } صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة { وإن تفعلوا } ما نهيتم عنه { فإنه فسوق } خروج عن الطاعة لا حق { بكم واتقوا الله } في أمره ونهيه { ويعلمكم الله } مصالح أموركم حال مقدرة آو مستأنف { والله بكل شيء عليم }
(1/59)
________________________________________
283 – { وإن كنتم على سفر } اي مسافرين وتداينتم { ولم تجدوا كاتبا فرهان } وفي قراءة فرهان جمع رهن { مقبوضة } تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقييد بما ذكر لأن التوثيق فيه اشد وافاد قوله مقبوضة اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله { فإن أمن بعضكم بعضا } اي الدائن المدين على حقه فلم يرتهن { فليؤد الذي اؤتمن } أي المدين { أمانته } دينه { وليتق الله ربه } في أدائه { ولا تكتموا الشهادة } إذا دعيتن لإقامتها { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } خص بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين { والله بما تعملون عليم } لا يخفى عليه شيء منه
(1/60)
________________________________________
284 – { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا } تظهروا { ما في أنفسكم } من السوء والعزم عليه { أو تخفوه } تسروه { يحاسبكم } يخبركم { به الله } يوم القيامة { فيغفر لمن يشاء } المغفرة له { ويعذب من يشاء } تعذيبه والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع اي فهو { والله على كل شيء قدير } ومنه محاسبتكم وجزاؤكم
(1/60)
________________________________________
285 – { آمن } صدق { الرسول } محمد صلى الله عليه و سلم { بما أنزل إليه من ربه } من القرآن { والمؤمنون } عطف عليه { كل } تنوينه عوض من المضاف إليه { آمن بالله وملائكته وكتبه } بالجمع والأفراد { ورسله } يقولون { لا نفرق بين أحد من رسله } فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى { وقالوا سمعنا } اي ما امرنا به سماع قبول { وأطعنا } نسألك { غفرانك ربنا وإليك المصير } المرجع بالبعث ولما نزلت الآية التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل :
(1/61)
________________________________________
286 – { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } اي ما تسعه قدرتها { لها ما كسبت } من الخير اي ثوابه { وعليها ما اكتسبت } من الشر اي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه قولوا { ربنا لا تؤاخذنا } بالعقاب { إن نسينا أو أخطأنا } تركنا الصواب لا عن عمد كما آخذت به من قبلنا وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث فسؤاله اعتراف بنعمة الله { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أمرا يثقل علينا حمله { كما حملته على الذين من قبلنا } اي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة } قوة { لنا به } من التكاليف والبلاء { واعف عنا } امسح ذنوبنا { واغفر لنا وارحمنا } في الرحمة زيادة على المغفرة { أنت مولانا } سيدنا ومتولي أمورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء وفي الحديث لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه و سلم قيل له عقب كل كلمة قد فعلت
(1/61)
________________________________________
سورة آل عمران
[ مدنية وآياتها مائتان أو إلا آية نزلت بعد الأنفال ]
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألم } الله اعلم بمراده بذلك
(1/62)
________________________________________
2 – { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }
(1/62)
________________________________________
3 – { نزل عليك } يا محمد { الكتاب } القرآن ملتبسا { بالحق } بالصدق في أخباره { مصدقا لما بين يديه } قبله من الكتب { وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل } اي قبل تنزيله { هدى } حال بمعنى هادين من الضلالة { للناس } ممن تبعهما وعبر فيهما بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضي للتكريم لانهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه { وأنزل الفرقان } بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها
(1/62)
________________________________________
4 – { إن الذين كفروا بآيات الله } القرآن وغيره { لهم عذاب شديد والله عزيز } غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده { ذو انتقام } عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد
(1/63)
________________________________________
5 – { إن الله لا يخفى عليه شيء } كائن { في الأرض ولا في السماء } لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما
(1/63)
________________________________________
6 – { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك { لا إله إلا هو العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه
(1/63)
________________________________________
7 – { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } واضحات الدلالة { هن أم الكتاب } أصله المعتمد عليه في الأحكام { وأخر متشابهات } لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله { أحكمت آياته } بمعنى أنه ليس فيه عيب ومتشابها في قوله { كتابا متشابها } بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق { فأما الذين في قلوبهم زيغ } ميل عن الحق { فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء } طلب { الفتنة } لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس { وابتغاء تأويله } تفسيره { وما يعلم تأويله } تفسيره { إلا الله } وحده { والراسخون } الثابتون المتمكنون { في العلم } مبتدأ خبره { يقولون آمنا به } اي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا وما يذكر } بإدغام التاء في الأصل في الذال اي يتعظ { إلا أولو الألباب } أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه :
(1/63)
________________________________________
8 – { ربنا لا تزغ قلوبنا } تملها عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك { بعد إذ هديتنا } أرشدتنا إليه { وهب لنا من لدنك } من عندك { رحمة } تثبيتا { إنك أنت الوهاب }
(1/63)
________________________________________
9 – يا { ربنا إنك جامع الناس } تجمعهم { ليوم } اي في يوم { لا ريب } لا شك { فيه } هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك { إن الله لا يخلف الميعاد } موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } إلى آخرها وقال : [ فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ] وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الاشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول : [ ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال وذكر منها أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ] الحديث
(1/63)
________________________________________
10 – { إن الذين كفروا لن تغني } تدفع { عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } اي عذابه { شيئا وأولئك هم وقود النار } بفتح الواو ما توقد به
(1/64)
________________________________________
11 – دأبهم { كدأب } كعادة { آل فرعون والذين من قبلهم } من الأمم كعاد وثمود { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله } أهلكهم { بذنوبهم } والجملة مفسرة لما قبلها { والله شديد العقاب } ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه و سلم اليهود بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا لا يغرنك أن قتلت نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال :
(1/64)
________________________________________
12 – { قل } يا محمد { للذين كفروا } من اليهود { ستغلبون } بالتاء والياء في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك { وتحشرون } بالوجهين في الآخرة { إلى جهنم } فتدخلونها { وبئس المهاد } الفراش هي
(1/64)
________________________________________
13 – { قد كان لكم آية } عبرة وذكر الفعل للفصل { في فئتين } فرقتين { التقتا } يوم بدر للقتال { فئة تقاتل في سبيل الله } اي طاعته وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة { وأخرى كافرة يرونهم } اي الكفار { مثليهم } اي المسلمين اي اكثر منهم وكانوا نحوألف { رأي العين } اي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم { والله يؤيد } يقوي { بنصره من يشاء إن في ذلك } المذكور { لعبرة لأولي الأبصار } لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون
(1/64)
________________________________________
14 – { زين للناس حب الشهوات } ما تشتهيه النفس وتدعو إليه زينها الله إبلاء أو الشيطان { من النساء والبنين والقناطير } الأموال الكثيرة { المقنطرة } المجمعة { من الذهب والفضة والخيل المسومة } الحسان { والأنعام } اي الإبل والبقر والغنم { والحرث } الزرع { ذلك } المذكور { متاع الحياة الدنيا } يتمتع به فيها ثم يفنى { والله عنده حسن المآب } المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره
(1/64)
________________________________________
15 – { قل } يا محمد لقومك { أؤنبئكم } أخبركم { بخير من ذلكم } المذكور من الشهوات استفهام تقرير { للذين اتقوا } الشرك { عند ربهم } خبر مبتدؤه { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين } اي مقدرين الخلود { فيها } إذا دخلوها { وأزواج مطهرة } من الحيض وغيره مما يستقذر { ورضوان } بكسر أوله وضمه لغتان اي رضا كثير { من الله والله بصير } عالم { بالعباد } فيجازي كلا منهم بعمله
(1/65)
________________________________________
16 – { الذين } نعت أو بدل من الذين قبله { يقولون } يا { ربنا إننا آمنا } صدقنا بك وبرسولك { فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }
(1/65)
________________________________________
17 – { الصابرين } على الطاعة وعن المعصية نعت { والصادقين } في الإيمان { والقانتين } المطيعين لله { والمنفقين } المتصدقين { والمستغفرين } الله بأن يقولوا اللهم اغفر لنا { بالأسحار } أواخر الليل خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم
(1/65)
________________________________________
18 – { شهد الله } بين لخلقه بالدلائل والآيات { أنه لا إله } اي لا معبود في الوجود بحق { إلا هو و } شهد بذلك { الملائكة } بالإقرار { وأولو العلم } من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ { قائما } بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة اي تفرد { بالقسط } بالعدل { لا إله إلا هو } كرره تأكيدا { العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه
(1/65)
________________________________________
19 – { إن الدين } المرضي { عند الله } هو { الإسلام } اي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح أن بدل من أنه الخ بدل اشتمال { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } اليهود والنصارى في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض { إلا من بعد ما جاءهم العلم } بالتوحيد { بغيا } من الكافرين { بينهم ومن يكفر بآيات الله } { فإن الله سريع الحساب } اي المجازاة له
(1/65)
________________________________________
20 – { فإن حاجوك } خاصمك الكفار يا محمد في الدين { فقل } لهم { أسلمت وجهي لله } إنقدت له أنا { ومن اتبعن } وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى { وقل للذين أوتوا الكتاب } اليهود والنصارى { والأميين } مشركي العرب { أأسلمتم } اي أسلموا { فإن أسلموا فقد اهتدوا } من الضلال { وإن تولوا } عن الإسلام { فإنما عليك البلاغ } اي التبليغ للرسالة { والله بصير بالعباد } فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال
(1/65)
________________________________________
21 – { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون } وفي قراءة يقاتلون { النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } بالعدل { من الناس } وهم اليهود روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم { فبشرهم } أعلمهم { بعذاب أليم } مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبرإن لشبه اسمها الموصول بالشرط
(1/66)
________________________________________
22 – { أولئك الذين حبطت } بطلت { أعمالهم } ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم { في الدنيا والآخرة } فلا اعتداد بها لعدم شرطها { وما لهم من ناصرين } مانعين من العذاب
(1/66)
________________________________________
23 – { ألم تر } تنظر { إلى الذين أوتوا نصيبا } حظا { من الكتاب } التوراة { يدعون } حال { إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } عن قبول حكمه نزل في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فحكم عليهما بالرجم فأبوا فجيء بالتوراة فوجد فيها فرجما فغضبوا
(1/66)
________________________________________
24 – { ذلك } التولي والأعراض { بأنهم قالوا } اي بسبب قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم { وغرهم في دينهم } متعلق بقوله { ما كانوا يفترون } من قولهم ذلك
(1/66)
________________________________________
25 – { فكيف } حالهم { إذا جمعناهم ليوم } اي في يوم { لا ريب } لا شك { فيه } هو يوم القيامة { ووفيت كل نفس } من أهل الكتاب وغيرهم جزاء { ما كسبت } عملت من خير وشر { وهم } اي الناس { لا يظلمون } بنقص حسنة أو زيادة سيئة
(1/66)
________________________________________
26 – ونزلت لما وعد صلى الله عليه و سلم أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون هيهات : { قل اللهم } يا الله { مالك الملك تؤتي } تعطي { الملك من تشاء } من خلقك { وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء } بإيتائه { وتذل من تشاء } بنزعه منه { بيدك } بقدرتك { الخير } اي والشر { إنك على كل شيء قدير }
(1/66)
________________________________________
27 – { تولج } تدخل { الليل في النهار وتولج النهار } تدخله { في الليل } فيزيد كل منهم بما نقص من الآخر { وتخرج الحي من الميت } كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة { وتخرج الميت } كالنطفة والبيضة { من الحي وترزق من تشاء بغير حساب } اي رزقا واسعا
(1/67)
________________________________________
28 – { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } يوالونهم { من دون } اي غير { المؤمنين ومن يفعل ذلك } اي يواليهم { فليس من } دين { الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة } مصدر تقيته اي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري فيمن هو في بلد ليس قويا فيها { ويحذركم } يخوفكم { الله نفسه } أن يغضب عليكم إن واليتموهم { وإلى الله المصير } المرجع فيجازيكم
(1/67)
________________________________________
29 – { قل } لهم { إن تخفوا ما في صدوركم } قلوبكم من موالاتهم { أو تبدوه } تظهروه { يعلمه الله و } هو { يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير } ومنه تعذيب من والاهم
(1/67)
________________________________________
30 – اذكر { يوم تجد كل نفس ما عملت } ه { من خير محضرا وما عملت } ه { من سوء } مبتدأ خبره { تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها { ويحذركم الله نفسه } كرر للتأكيد { والله رؤوف بالعباد }
(1/67)
________________________________________
31 – ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبا لله ليقربونا إليه { قل } لهم يا محمد { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } بمعنى يثيبكم { ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور } لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك { رحيم } به
(1/67)
________________________________________
32 – { قل } لهم { أطيعوا الله والرسول } فيما يأمركم به من التوحيد { فإن تولوا } أعرضوا عن الطاعة { فإن الله لا يحب الكافرين } فيه إقامة الظاهر مقام المضمر اي لا يحبهم بمعنى أنه يعاقبهم
(1/67)
________________________________________
33 – { إن الله اصطفى } اختار { آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران } بمعنى أنفسهما { على العالمين } يجعل الأنبياء من نسلهم
(1/67)
________________________________________
34 – { ذرية بعضها من } ولد { بعض } منهم { والله سميع عليم }
(1/67)
________________________________________
35 – اذكر { إذ قالت امرأة عمران } حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا { رب إني نذرت } أن اجعل { لك ما في بطني محررا } عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس { فتقبل مني إنك أنت السميع } للدعاء { العليم } بالنيات وهلك عمران وهي حامل
(1/68)
________________________________________
36 – { فلما وضعتها } ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاما إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان { قالت } معتذرة يا { رب إني وضعتها أنثى والله أعلم } اي عالم { بما وضعت } جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء { وليس الذكر } الذي طلبت { كالأنثى } التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه { وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها } أولادها { من الشيطان الرجيم } المطرود في الحديث [ ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ] رواه الشيخان
(1/68)
________________________________________
37 – { فتقبلها ربها } اي قبل مريم من أمها { بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا } أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أمها الأحبار سدنة بيت المقدس فقالت : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى { وكفلها زكريا } ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا والفاعل الله { كلما دخل عليها زكريا المحراب } الغرفة وهي أشرف المجالس { وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى } من أين { لك هذا قالت } وهي صغيرة { هو من عند الله } يأتيني به من الجنة { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } رزقا واسعا بلا تبعة
(1/68)
________________________________________
38 – { هنالك } اي لما رأى زكريا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادرعلى الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا { دعا زكريا ربه } لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل { قال رب هب لي من لدنك } من عندك { ذرية طيبة } ولدا صالحا { إنك سميع } مجيب { الدعاء }
(1/68)
________________________________________
39 – { فنادته الملائكة } اي جبريل { وهو قائم يصلي في المحراب } اي المسجد { أن } اي بأن وفي قراءة بالكسر بتقدير القول { الله يبشرك } مثقلا ومخففا { بيحيى مصدقا بكلمة } كائنة { من الله } اي بعيسى أنه روح الله وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة كن { وسيدا } متبوعا { وحصورا } ممنوعا من النساء { ونبيا من الصالحين } روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها
(1/69)
________________________________________
40 – { قال رب أنى } كيف { يكون لي غلام } ولد { وقد بلغني الكبر } اي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة { وامرأتي عاقر } بلغت ثمانية وتسعين سنة { قال } الأمر { كذلك } من خلق الله غلاما منكما { الله يفعل ما يشاء } لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به
(1/69)
________________________________________
41 – { قال رب اجعل لي آية } اي علامة على حمل امرأتي { قال آيتك } عليه { أ } ن { لا تكلم الناس } اي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر الله تعالى { ثلاثة أيام } اي بلياليها { إلا رمزا } إشارة { واذكر ربك كثيرا وسبح } صل { بالعشي والإبكار } أواخر النهار وأوائله
(1/69)
________________________________________
42 – { و } اذكر { إذ قالت الملائكة } اي جبريل { يا مريم إن الله اصطفاك } اختارك { وطهرك } من مسيس الرجال { واصطفاك على نساء العالمين } اي أهل زمانك
(1/69)
________________________________________
43 – { يا مريم اقنتي لربك } أطيعيه { واسجدي واركعي مع الراكعين } اي صلي مع المصلين
(1/69)
________________________________________
44 – { ذلك } المذكور من أمر زكريا ومريم { من أنباء الغيب } أخبار ما غاب عنك { نوحيه إليك } يا محمد { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم } في الماء يقترعون ليظهر لهم { أيهم يكفل } يربي { مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي
(1/69)
________________________________________
45 – اذكر { إذ قالت الملائكة } اي جبريل { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } اي ولد { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم { وجيها } ذا جاه { في الدنيا } بالنبوة { والآخرة } بالشفاعة والدرجات العلا { ومن المقربين } عند الله
(1/69)
________________________________________
46 – { ويكلم الناس في المهد } اي طفلا قبل وقت الكلام { وكهلا ومن الصالحين }
(1/70)
________________________________________
47 – { قالت رب أنى } كيف { يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } بتزوج ولا غيره { قال } الأمر { كذلك } من خلق ولد منك بلا أب { الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا } أراد خلقه { فإنما يقول له كن فيكون } اي فهو يكون
(1/70)
________________________________________
48 – { ولنعلمه } بالنون والياء { الكتاب } الخط { والحكمة والتوراة والإنجيل }
(1/70)
________________________________________
49 – { و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل } في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم : إني رسول الله إليكم { أني } اي بأني { قد جئتكم بآية } علامة على صدقي { من ربكم } هي { أني } وفي قراءة بالكسر استئنافا { أخلق } أصور { لكم من الطين كهيئة الطير } مثل صورته فالكاف اسم مفعول { فأنفخ فيه } الضمير للكاف { فيكون طيرا } وفي قراءة طائرا { بإذن الله } بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلفا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا { وأبرئ } اشفي { الأكمه } الذي ولد أعمى { والأبرص } وخصا بالذكر لانهما داءا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان { وأحيي الموتى بإذن الله } كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم وسام بن نوح ومات في الحال { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون } تخبئون { في بيوتكم } مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد { إن في ذلك } المذكور { لآية لكم إن كنتم مؤمنين }
(1/70)
________________________________________
50 – { و } جئتكم { مصدقا لما بين يدي } قبلي { من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فيها فأحل لهم من السمك والطير ما لا صيصة له وقيل أحل الجميع فبعض بمعنى كل { وجئتكم بآية من ربكم } كرره تأكيدا وليبني عليه { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته
(1/50)
________________________________________
51 – { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا } الذي آمركم به { صراط } طريق { مستقيم } فكذبوه ولم يؤمنوا به
(1/71)
________________________________________
52 – { فلما أحس } علم { عيسى منهم الكفر } وأرادوا قتله { قال من أنصاري } أعواني ذاهبا { إلى الله } لأنصر دينه { قال الحواريون نحن أنصار الله } أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض والخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب اي يبيضونها { آمنا } صدقنا { بالله واشهد } يا عيسى { بأنا مسلمون }
(1/71)
________________________________________
53 – { ربنا آمنا بما أنزلت } من الإنجيل { واتبعنا الرسول } عيسى { فاكتبنا مع الشاهدين } لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق
(1/71)
________________________________________
54 – قال تعالى : { ومكروا } اي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة { ومكر الله } بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفع عيسى إلى السماء { والله خير الماكرين } أعلمهم به
(1/71)
________________________________________
55 – اذكر { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك } قابضك { ورافعك إلي } من الدنيا من غير موت { ومطهرك } مبعدك { من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك } صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى { فوق الذين كفروا } بك وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف { إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين
(1/71)
________________________________________
56 – { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } بالقتل والسبي والجزية { والآخرة } بالنار { وما لهم من ناصرين } مانعين منه
(1/71)
________________________________________
57 – { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم } بالياء والنون { أجورهم والله لا يحب الظالمين } اي يعاقبهم روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة وعاشت أمه بعده ست سنين وروى الشيخان حديث [ أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ] وفي حديث مسلم أنه يمكث سبع سنين وفي حديث عن أبى داود الطيالسي أربعين سنة ويتوفى ويصلي عليه فيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده
(1/71)
________________________________________
58 – { ذلك } المذكور من أمرعيسى { نتلوه } نقصه { عليك } يا محمد { من الآيات } حال من الهاء في نتلوه وعامله ما في ذلك من معنى الإشارة { والذكر الحكيم } المحكم اي القرآن
(1/72)
________________________________________
59 – { إن مثل عيسى } شانه الغريب { عند الله كمثل آدم } كشأنه في خلقه من غير أب وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون اقطع للخصم واوقع في النفس { خلقه } اي آدم اي قالبه { من تراب ثم قال له كن } بشرا { فيكون } اي فكان وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان ________________________________________