صفحة : 541

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه يباع أن لا يشتريه وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة لأنهم تركوها لله عز وجل
باب العلة في القسم
قال الشافعي رحمه الله تعالى إذا تولى الرجل قسم الصدقة قسمها على ستة أسهم أسقط منها سهم المؤلفة قلوبهم إلا أن يجدهم في الحال التي وصفت يشخصون لمعونة على أخذ الصدقة فيعطيهم ولا سهم للعاملين فيها وأحب له ما أمرت به الوالي من تفريقها في أهل السهمان من أهل مصره كلهم ما كانوا موجودين فإن لم يوجد من صنف منهم إلا واحد أعطاه سهم ذلك الصنف كله إن استحقه وذلك أنى إن لم أعطه إياه فإنما أخرجه إلى غيره ممن له معه قسم فلم أجز أن أخرج عن صنف سموا شيئا ومنهم محتاج إليه قال وإن وجد من كل صنف منهم جماعة كثيرة وضاقت زكاته أحببت أن يفرقها في عامتهم بالغة ما بلغت فإن لم يفعل فأقل ما يكفيه أن يعطى منهم ثلاثة لأن أقل جماع أهل سهم ثلاثة إنما ذكرهم الله عز وجل بجماع فقراء ومساكين وكذلك ذكر من معهم فإن قسمه على اثنين وهو يجد ثالثا ضمن ثلث السهم وإن أعطاه واحدا ضمن ثلثي السهم لأنه لو ترك أهل صنف وهم موجودون ضمن سهمهم وهكذا هذا من أهل كل صنف فإن أخرجه من بلد إلى بلد غيره كرهت ذلك له ولم يبن لي أن أجعل عليه الإعادة من قبل أنه قد أعطاه أهله بالاسم وإن ترك موضع الجوار وإن كانت له قرابة من أهل السهمان ممن لا تلزمه النفقة عليه أعطاه منها وكان أحق بها من البعيد منه وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا أولاده ووالديه ولا يعطى ولد الولد صغيرا ولا كبيرا ولا زمنا ولا أبا ولا أما ولا جدا ولا جدة زمنى قال الربيع لا يعطى الرجل من زكاة ماله لا أبا ولا ابنا ولا جدا ولا جدة ولا أعلى منهم إذا كانوا فقراء من قبل أن نفقتهم تلزمه وهم أغنياء به وكذلك إن كانوا غير زمنى لا يغنيهم كسبهم فهم في حد الفقر لا يعطيهم من زكاته وتلزمه نفقتهم وإن كانوا غير زمنى مستغنين بحرفتهم لم تلزمه نفقتهم وكانوا في حد الأغنياء الذين لا يجوز أن يأخذوا من زكاة المال ولا يجوز له ولا لغيره أن يعطيهم من زكاة ماله شيئا وهذا عندي أشبه بمذهب الشافعي قال الشافعي ولا يعطى زوجته لأن نفقتها تلزمه وإنما قلت لا يعطي من تلزمه نفقتهم لأنهم أغنياء به في نفقاتهم


صفحة : 542

قال الشافعي وإن كانت امرأته أو ابن له بلغ فادان ثم زمن واحتاج أو أب له دائن أعطاهم من سهم الغارمين وكذلك من سهم ابن السبيل ويعطيهم بما عدا الفقر والمسكنة لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه فلا يكونون أغنياء عن هذا كما كانوا أغنياء عن الفقر والمسكنة بإنفاقه عليهم قال ويعطى أباه وجده وأمه وجدته وولده بالغين غير زمنى من صدقته إذا أرادوا سفرا لأنه لا تلزمه نفقتهم في حالاتهم تلك قال الشافعي رحمه الله تعالى ويعطى رجالهم أغنياء وفقراء إذا غزوا وهذا كله إذا كانوا من غير آل محمد صلى الله عليه وسلمقال الشافعي فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا قل أو كثر لا يحل لهم أن يأخذونا ولا يجزيء عمن يعطيهموها إذا عرفهم وإن كانوا محتاجين وغارمين ومن أهل السهمان وإن حبس عنهم الخمس وليس منعهم حقهم في الخمس يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة قال وآل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة المفروضة أهل الخمس وهم أهل الشعب وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب ولا يحرم على آل محمد صدقة التطوع إنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن كان يشرب من سقايات الناس بمكة والمدينة فقلت له أتشرب من الصدقة وهي لا تحل لك فقال إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة قال الشافعي وتصدق علي وفاطمة على بني هاشم وبني المطلب بأموالهما وذلك أن هذا تطوع وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة قال وإذا تولى العامل قسم الصدقات قسمها على ما وصفت وكان الأمر فيها عليه واسعا لأنه يجمع صدقات عامة فتكثر فلا يحل له أن يؤثر فيها أحدا على أحد علم مكانه فإن فعل على غير الاجتهاد خشيت عليه المأثم ولم يبن لي أن أضمنه إذا أعطاها أهلها وكذلك لو نقلها من بلد إلى بلد فيه أهل الأصناف لم يتبين لي أن أضمنه في الحالين قال ولو ضمنه رجل كان مذهبا والله أعلم قال فأما لو ترك العامل أهل صنف موجودين حيث يقسمها وهو يعرفهم وأعطى حظهم غيرهم ضمن لأن سهم هؤلاء بين في كتاب الله تبارك وتعالى وليس أن يعمهم ببين في النص وكذلك إذا قسمها الوالي لها فترك أهل سهم موجودين ضمن لما وصفت قال الشافعي الفقير الذي لا حرفة له ولا مال والمسكين الذي له الشيء ولا يقوم به
ID ‘ ‘ صمنا ستا ولبثنا عشرا وتريد الأيام ونقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب ولا

صفحة : 543

باب العلة في اجتماع أهل الصدقة
قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا كانت الصدقة ثمانية آلاف وأهل السهمان موجودين فكان فيهم فقير واحد يستغرق سهمه ومسكين واحد يستغرق سهمه وغارمون مائة يعجز السهم كله عن واحد منهم فسأل الغارمون أن يعطى الفقراء والمساكين ثلث سهم لأنه واحد وأقل ما يجزي عليه أن يعطى إذا وجدوا ثلاثة قيل ليس ذلك لكم لأنكم لا تستحقون من سهم الفقراء والمساكين شيئا أبدا ما كان منهم محتاج إليه والسهم مجموع مقتصر به عليهم ما احتاج إليه أحد منهم فإذا فضل منه فضل كنتم وغيركم من أهل السهمان فيه سواء وأنتم لا تستحقون إلا بما يستحق به واحد منهم وكذلك هذا في جميع أهل السهمان وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم عليهم ديون فأعطوا مبلغ غرمهم أو أقل منه فقالوا نحن فقراء غارمون فقد أعطينا بالغرم وأنتم ترونا أهل فقر قيل لهم إنما نعطيكم بأحد المعنيين ولو كان هذا على الأبتداء فقال أنا فقير غارم قيل له اختر بأي المعنيين شئت أعطيناك فإن شئت بمعنى الفقر وإن شئت بمعنى الغرم فأيهما اختار وهو أكثر له أعطيناه وإن اختار الذي هو أقل لعطائه أعطيناه وأيهما قال هو الأكثر أعطيناه به ولم نعطه بالآخر فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يده حقوقهم كما لهم أن يأخذوا مالا لو كان له وكذلك إن أعطيناه بمعنى الغرم فإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه فإن لم يفعل فأعطاه جاز كما يجوز في المكاتب أن يعطى من سهمه فإن قال ولم لا أعطى بمعنيين إذا كنت من أهلهما معا قيل الفقير المسكين والمسكين فقير بحال يجمعهما اسم ويفترق بهما اسم وقد فرق الله تعالى بينهما فلا يجوز أن يعطى ذلك المسكين فيعطى الفقير بالمسكنة مع الفقر والمسكين بالفقر والمسكنة ولا يجوز أن يعطى أحدهما إلا بأحد المعنيين وكذلك لا يجوز أن يعطى رجل ذو سهم إلا بأحد المعنيين ولو جاز هذا جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل وغاز ومؤلف وعامل فيعطى بهذه المعاني كلها فإن قال قائل فهل من دلالة تدل على أن اسم الفقر يلزم المسكين والمسكنة تلزم الفقير قيل نعم معنى الفقر معنى المسكنة ومعنى المسكنة معنى الفقر فإذا جمعا معا لم يجز إلا بأن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بديء به أشدهما وكذلك هو في اللسان والعرب تقول للرجل فقير مسكين ومسكين فقير وإنما المسكنة والفقر لا يكونان بحرفة ولا مال قسم الصدقات الثاني أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال فرض الله عز وجل

صفحة : 544

على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقا لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسع أهل الأموال حبسه عمن أمروا بدفعه إليه من أهله أو ولاته ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ففي هذه الآية دلالة على ما وصفت من أن ليس لأهل الأموال منع ما جعل الله عز وجل عليهم ولا لمن وليهم ترك ذلك لهم ولا عليهم أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن أبا بكر وعمر أخذا الصدقة مثناة ولكن كانا يبعثان عليها في الخصب والجدب والسمن والعجف ولا يضمنانها أهلها ولا يؤخرانها عن كل عام لأن أخذها في كل عام سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي رحمه اله تعالى ولم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها عاما لا يأخذها فيه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها لا تفرقوا بين ما جمع الله قال الشافعي هذا إنما هو فيما أخذ من المسلمين خاصة لأن الزكاة والطهور إنما هو للمسلمين والدعاء بالأجر والبركة قال الشافعي وإذا أخذ صدقة مسلم دعا له بالأجر والبركة كما قال الله عز وجل وصل عليهم أي ادع لهم فما أخذ من مسلم فهو زكاة والزكاة صدقة والصدقة زكاة وطهور أمرهما ومعناهما واحد وإن سميت مرة زكاة ومرة صدقة هما اسمان لها بمعنى واحد وقد تسمى العرب الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة وهذا بين في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لسان العرب قال الله عز وجل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة قال أبو بكر لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه لا تفرقوا بين ما جمع الله يعني والله أعلم قول الله عز وجل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واسم ما أخذ من الزكاة صدقة وقد سماها الله تعالى في القسم صدقة فقال إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية تقول إذا جاء المصدق يعني الذي يأخذ الماشية وتقول إذا جاء الساعي وإذا جاء العامل قال الشافعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ولا فيما دون خمس أواقي من الورق صدقة قال الشافعي والأغلب على أفواه العامة أن في التمر العشر وفي الماشية الصدقة وفي الورق الزكاة

صفحة : 545

وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة والعرب تقول له صدقة وزكاة ومعناهما عندهم معنى واحد فما أخذ من مسلم من صدقة ماله ناضا كان أو ماشية أو زرعا أو زكاة فطر أو خمس ركاز أو صدقة معدن أو غيره مما وجب عليه في ماله في كتاب أو سنة أو أمر أجمع عليه عوام المسلمين فمعناه واحد أنه زكاة والزكاة صدقة وقسمه واحد لا يختلف كما قسمه الله الصدقات ما فرض الله عز وجل على المسلمين فهي طهور قال الشافعي وقسم الفيء خلاف قسم هذا والفيء ما أخذ من مشرك تقوية أهل دين الله وهو موضوع في غير هذا الموضع قال يقسم ما أخذ من حق مسلم وجب في ماله بقسم الله في الصدقات سواء قليل ما أخذ منه وكثير وعشر ما كان أو خمس أو ربع عشر أو بعدد مختلف أن يستوي لأن اسم الصدقة يجمعه كله قال الله تبارك وتعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية فبين الله عز وجل لمن الصدقات ثم وكدها وشددها فقال (فريضة من الله والله عليم حكيم) فقسم كل ما أخذ من مسلم على قسم الله عز وجل وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه ولا تخرج صدقة قوم منهم عن بلدهم وفي بلدهم من يستحقها أخبرنا وكيع عن زكريا بن إسحق عن يحيى بن عبدالله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم أخبرنا يحيى ابن حسان الثقة من أصحابنا عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم نشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا قال نعم قال الشافعي والفقراء ههنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة لا بالاسم فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط وإنما يعطى ابن السبيل المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل ردت حصة من لم يوجد على من وجد كأن وجد فيهم فقراء ومساكين وغارمون ولم يوجد غيرهم فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم وبيان هذا في أسفل الكتاب فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم

صفحة : 546

وأسباب حاجاتهم مختلفة وكذلك أسباب استحقاقهم بمعان مختلفة يجمعها الحاجة ويفرق بينها صفاتها فإذا اجتمعوا فالقراء الزمني الضعفاء الذين لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة الذين لا تقع حرفتهم موقعا من حاجتهم ولا يسألون الناس والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفة تقع منه موقعا ولا تغنيه ولا عياله فإن طلب الصدقة بالمسكنة رجل جلد فعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغنى عياله بشيء إن كان له وبكسبه إذ لا عيال له فعلم الوالي أنه يغنى نفسه بكسبه غنى معروفا لم يعطه شيئا فإن قال السائل لها يعنى الصدقة الجلد لست مكتسبا أو أنا مكتسب لا يغنيني كسبي أو لا يغنى عيالي ولي عيال وليس عند الوالي يقين من أن ما قال على غير ما قال فالقول قوله ويعطيه الوالي أخبرنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عبدالله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه من الصدقة فصعد فيهما وصوب وقال إن شئتما ولاحظ فيها لغنى ولا لذي قوة مكتسب قال الشافعي رأي النبي صلى الله عليه وسلم جلدا وصحة يشبه الاكتساب وأعلمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا منها ولا يعلم أمكتسبان أم لا فقال إن شئتما بعد أن أعلمتكما أن لاحظ فيها لغنى ولا مكتسب فعلت أخبرنا إبراهيم ابن سعد عن أبيه عن ريحان بن يزيد قال سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول لا تصلح الصدقة لغنى ولا لذي مرة قوي قال الشافعي ورفع هذا الحديث عن سعد عن أبيه والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها وقسمها من أهلها كان أو غيرهم ممن أعان الوالي على جمعها وقبضها من العرفاء ومن لا غنى للوالي عنه ولا يصلحها إلا مكانه فأما رب الماشية يسوقها فليس من العاملين عليها وذلك يلزم رب الماشية وكذلك من أعان الوالي عليها ممن بالوالي الغنى عن معونته فليس من العاملين عليها الذين لهم فيها حق والخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي يلي قبض الصدقة وإن كانا من العاملين عليها القائمين بالأمر بأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق من قبل أنهما لا يليان أخذها أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم أن عمر شرب لبنا فأعجبه فقال للذي سقاه من أين لك هذا اللبن فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه فإذا بنعم من نعم الصدقة وهم يستقون فحلبوا لي من لبنها فجعلته في سقائي فهو هذا فأدخل عمر إصبعه فاستقاه

صفحة : 547

أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة غاز في سبيل الله والعامل عليها أو الغارم أو الرجل اشتراها بماله أو الرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغنى قال الشافعي والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه لا يزاد عليه وإن كان العامل موسرا إنما يأخذ على معنى الإجارة والمؤلفة قلوبهم في متقدم من الأخبار فضربان ضرب مسلمون مطاعون أشراف يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتهم ما يرون من نيات غيرهم فإذا كانوا هكذا فجاهدوا المشركين فأرى أن يعطوا من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهمانهم مع المسلمين إن كانت نازلة في المسلمين وذلك أن الله عز وجل جعل هذا السهم خالصا لنبيه فرده النبي صلى الله عليه وسلم في مصلحة المسلمين وقال صلى الله عليه وسلم مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم يعنى بالخمس حقه من الخمس وقوله مردود فيكم يعنى في مصلحتكم وأخبرني من لا أتهم عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين من الخمس قال الشافعي وهم مثل عيينة ولاأقرع وأصحابهما ولم يعط النبي صلى الله عليه وسلم عباس بن مرداس وكان شريفا عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه قال الشافعي لما أراد ما أراد القوم واحتمل أن يكون دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأي أن يعطيه من ماله حيث رأى لأنه له خالص ويحتمل أن يعطى على التقوية بالعطية ولا يرى أنه قد وضع من شرفه فإنه صلى الله عليه وسلم قد أعطى من خمس الخمس لنفل وغير النفل لأنه له وقد أعطى صفوان بن أمية قبل أن يسلم ولكنه قد أعار رسول الله صلى الله عليه وسلم أداة وسلاحا وقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال فيه بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في أول النهار فقال له رجل غلبت هوازن وقتل محمد فقال صفوان بفيك الحجر فوالله لرب من قريش أحب إلى من رب هوازن وأسلم قومه من قريش وكان كأنه لا يشك في إسلامه والله أعلم وهذا مثبت في كتاب قسم الفيء فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي صلى الله عليه

صفحة : 548

وسلم وهذا أحب إلى للاقتداء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قال قائل كان هذا السهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له أن يضع سهمه حيث رأى فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مرة وأعطى من سهمه بخيبر رجالا من المهاجرين والأنصار لأنه ماله يضعه حيث شاء فلا يعطى اليوم أحد على هذا من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحدا من خلفائه أعطى أحدا بعده وليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان ولو قال هذا أحد كان مذهبا والله أعلم وللمؤلفة قلوبهم في سهم الصدقات سهم والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي ابن حاتم جاء أبا بكر الصديق أحسبه بثلثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلى بلاء حسنا وليس في الخبر في إعطائه إياها من أين أعطاه إياها غير أن الذي يكاد أن يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار والله أعلم أنه أطعاه إياها من قسم المؤلفة فإما زاده ليرغبه فيما يصنع وإما أعطاه ليتألف به غيره من قومه ممن لا يثق منه بمثل ما يثق به من عدي بن حاتم فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة ولن ينزل إن شاء الله تعالى وذلك أن يكون فيها العدو بموضع شاط لا تناله الجيوش إلا بمؤنة ويكون العدو بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بنية فأرى أن يقوى بسهم سبيل الله من الصدقات وإما أن يكون لا يقاتلون إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة أو ما يكفيهم منه وكذلك إن كان العرب اشرافا ممتنعين غير ذي نية إن أعطوا من صدقاتهم هذين السهمين أو أحدهما إذا كانوا إن أعطوا أعانوا على المشركين فيما أعانوا على الصدقة وإن لم يعطوا لم يوثق بمعونتهم رأيت أن يعطوا بهذا المعنى إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه تبعد دارهم وتثقل مؤنتهم ويضعفون عنه فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمان أبي بكر مع امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد منهم سهم المؤلفة قلوبهم ورأيت أن يرد سهمهم على السهمان معه وذلك أنه لم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا أعطوا أحدا تألفا على الإسلام وقد أعز الله وله الحمد الإسلام عن أن يتألف الرجال عليه وقوله وفي الرقاب يعني المكاتبين والله أعلم ولا يشتري عبد فيعتق والغارمون كل من عليه دين كان له عرض يحتمل دينه أو لا يحتمله وإنما يعطى الغارمون إذا ادانوا في حمل دية أو أصابتهم جائحة أو كان دينهم في غير فسق ولا سرف ولا معصية فأما من ادان في معصية فلا أرى أن يعطى من سهم

صفحة : 549

سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو فلو امتنع قوم كما وصفت من أداء الصدقة فأعان عليهم قوم رأيت أن يعطى من أعان عليهم فإن لم يكن مما وصفت شيء رد سهم سبيل الله إلى السهمان معه وابن السبيل عندي ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده لا من يلزمهقال الشافعي رحمه الله تعالى ينبغي للساعي على الصدقات أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله فيكون فراغه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وأنسابهم وحالاتهم وما يحتاجون إليه ويحصى ما صار في يديه من الصدقات فيعزل من سهم العاملين بقدر ما يستحق بعمله ثم يقضى جميع ما بقى من السهمان كله عندهم كما أصف إن شاء الله تعالى اذا كان الفقراء عشرة والمساكين عشرين والغارمون خمسة وهؤلاء ثلاثة أصناف من أهل الصدقة وكان سهمانهم الثلاثة من جميع المال ثلاثة آلاف فإن كان الفقراء يغترقون سهمهم وهو ألف وهو ثلث المال فيكون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى حد الفقر إلى حد الغنى أعطوه كله وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى حد الغنى ثلاثة أو أربعة أو أقل أو أكثر أعطوا منه ما يخرجهم من اسم الفقر ويصيرون به إلى اسم الغنى ويقف الوالي ما بقى منه ثم يقسم على المساكين سهمهم وهو ألف هكذا وعلى الغارمين سهمهم وهو ألف هكذا فإن قال قائل كيف قلت لكل أهل صنف موجود سهمهم ثم استغنوا ببعض السهم فلم لا يسلم إليهم بقيته قال الشافعي قلته بأن الله تبارك وتعالى سماه لهم مع غيرهم بمعنى من المعاني وهو الفقر والمسكنة والغرم فإذا خرجوا من الفقر والمسكنة فصاروا إلى الغنى ومن الغرم فبرئت ذمتهم وصاروا غير غارمين فلا يكونون من أهله لأنهم ليسوا ممن يلزمه اسم من قسم الله غز وجل له بهذا الاسم ومعناه وهم خارجون من تلك الحال ممن قسم الله له ألا ترى أن أهل الصدقة الأغنياء لو سألوا بالفقر والمسكنة في الابتداء أن يعطوا منها لم يعطوا وقيل لستم ممن قسم الله له وكذلك لو سألوا بالغرم وليسوا غارمين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا من استثنى فإذا أعطيت الفقراء والمساكين فصاروا أغنياء فهم ممن لا تحل لهم وإذا لم تحل لهم كنت لو أعطيتهم أعطيتهم مالا يحل لهم ولا لي أن أعطيهم وإنما شرط الله عز وجل إعطاء أهل الفقر والمسكنة وليسوا منهم قال ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم وقيامهم وأمانتهم والمؤنة عليهم فيأخذ الساعي نفسه لنفسه بهذا المعنى ويعطى العريف ومن يجمع الناس عليه بقدر كفايته وكلفته وذلك خفيف لأنه في بلاده ويعطى ابن السبيل منهم

صفحة : 550

قدر ما يبلغه البلد الذي يريد في نفقته وحمولته إن كان البلد بعيدا وكان ضعيفا وإن كان البلد قريبا وكان جلدا الأغلب من مثله وكان غنيا بالمشي إليها أعطى مؤنته في نفقته بلا حمولة فإن كان يريد أن يذهب ويأتى أعطى ما يكفيه في ذهابه ورجوعه من النفقة فإن كان ذلك يأتى على السهم كله أعطيه كله إن لم يكن معه ابن سبيل غيره وإن كان يأتى على سهم من مائة سهم من سهم ابن السبيل لم يزد عليه فإن قال قائل لم أعطيت الفقراء والمساكين والغارمين حتى خرجوا من اسم الفقر والمسكنة والغرم ولم تعط العاملين وابن السبيل حتى يسقط عنهم الاسم الذي له أعطيتهم ويزول فليس للاسم أعطيتهم ولكن للمعنى وكان المعنى إذا زال زال الاسم ونسمى العاملين بمعنى الكفاية وكذلك ابن السبيل بمعنى البلاغ ولو أني أعطيت العامل وابن السبيل جميع السهمان وأمثالها لم يسقط عن العامل اسم العامل ما لم يعزل ولم يسقط عن ابن السبيل اسم ابن السبيل ما دام مجتازا أو كان يريد الاجتياز فأعطيتهما والفقراء والمساكين والغارمين بمعنى واحد غير مختلف وإن اختلفت أسماؤه كما اختلفت أسماؤهم والعامل إنما هو مدخل عليهم صار له حق معهم بمعنى كفاية وصلاح للمأخوذ منه والمأخوذ له فأعطى أجر مثله وبهذا في العامل مضت الآثار وعليه من أدركت ممن سمعت منه ببلدنا ومعنى ابن السبيل في أن يعطى ما يبلغه إن كان عاجزا عن سفره إلا بالمعونة عليه بمعنى العامل في بعض أمره ويعطى المكاتب ما بينه وبين أن يعتق قل ذلك أو كثر حتى يغترق السهم فإن دفع إليه فالظاهر عندنا على أنه حريص على أن لا يعجز وإن دفع إلى مالكه كان أحب إلي وأقرب من الاحتياط رد الفضل على أهل السهمان قال الشافعي رحمه الله تعالى إذا لم تكن مؤلفة ولا قوم من أهل الصدقة يريدون الجهاد فليس فيهم أهل سهم سبيل الله ولا سهم مؤلفة عزلت سهامهم وكذلك إن لم يكن ابن سبيل ولم يكن غارم وكذلك إن غابوا فأعطوا ما يبلغهم ويفضل عنهم أو عن أحد من أهل السهمان معهم شيء من المال عزل أيضا ما يفضل عن كلهم ثم أحصى ما بقى من أهل السهمان الذين لم يطعوا أو أعطوا فلم يستغنوا فابتديء قسم هذا المال عليهم كما ابتديء قسم الصدقات فجزيء على من بقى من أهل السهمان سواء كان بقى فقراء ومساكين لم يستغنوا وغارمون لم تقض كل ديونهم ولم يبق معهم من أهل السهمان الثمانية أحد غيرهم فيقسم جميع ما بقى من المال بينهم على ثلاثة أسهم فإن استغنى الغارمون بسهمهم وهو ثلث جميع المال أعيد فضل سهمهم على الفقراء

صفحة : 551

والمساكين فيقسم على أهل هذين القسمين حتى ينفد فإن قسم بينهم فاستغنى الفقراء ببعضه رد ما بقى على المساكين فيقسم على أهل هذين القسمين حتى ينفد فإن قسم بينهم فاستغنى الفقراء ببعضه رد ما بقى على المساكين حتى يستغنوا فإن قال كيف رددت ما يفضل من السهمان عن حاجة أهل الحاجة منهم ومنهم من لم يكن له سهم من أهل السهمان مثل المؤلفة وغيرهم إذا لم يكونوا على أهل السهمان معهم وأنت إذا اجتمعوا جعلت لأهل كل صنف منهم سهماقال الشافعي فإذا اجتمعوا كانوا شرعا في الحاجة وكل واحد منهم يطلب ما جعل الله له وهم ثمانية فلا يكون لي منع واحد منهم ما جعل الله له وذكر الله تبارك وتعالى لهم واحد لم يخصص أحدا منهم دون أحد فأقسم بينهم معا كما ذكرهم الله عز وجل معا وإنما منعني أن أعطي كل صنف منهم سهمه تاما وإن كان يغنيه أقل منه أن بينا والله تعالى أعلم أن في حكم الله عز وجل أنهم إنما يعطون بمعان سماها الله تعالى فإذا ذهبت تلك المعاني وصار الفقير والمسكين غنيا والغارم غير غارم فليسوا ممن قسم له ولو أعطيتهم كنت أعطيت من لم أومر به ولو جاز أن يعطوا بعد أن يصيروا إلى حد الغنى والخروج من الغرم جاز أن يعطاها أهل دارهم ويسهم للأغنياء فأحيلت عمن جعلت له إلى من لم تجعل له وليس لأحد إحالتها عما جعلها الله تعالى له ولا إعطاؤها من لم يجعلها الله له وإنما ردى ما فضل عن بعض أهل السهمان على من بقى ممن لم يستغن من أهل السهمان بأن الله تبارك وتعالى أوجب على أهل الغنى في أموالهم شيئا يؤخذ منهم لقوم بمعان فإذا ذهب بعض من سمى الله عز وجل أو استغنى فهذا مال لا مالك له من الأدميين بعينه يرد إليه كما يرد عطايا الآدميين ووصاياهم لو أوصى رجل لرجل فمات الموصى له قبل الموصي كانت الوصية راجعة إلى وارث الموصى فلما كان هذا المال مخالفا للمال يورث ههنا لم يكن أحد أولى عندنا به في قسم الله عز وجل وأقرب ممن سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال وهؤلاء من جملة من سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال ولم يبق مسلم يحتاج إلا وله حق سواه أما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقة وأما أهل صدقة أخرى فهو مقسوم لهم صدقتهم ولو كثرت لم يدخل عليهم غيرهم وواحد منهم يستحقها فكما كانوا لا يدخلون عليهم غيرهم فكذلك لا يدخلون على غيرهم ما كان من غيرهم من يستحق منها شيئا ولو استغنى أهل عمل ببعض ما قسم لهم ففضل عنهم فضل لرأيت أن ينقل الفضل عنهم إلى أقرب الناس بهم نسبا ودارا

صفحة : 552

ضيق السهمان وما ينبغي فيه عند القسم أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال وإذا ضاقت السهمان فكان الفقراء ألفا وكان سهمهم ألاف والغارمون ثلاثة وكان غرمهم ألفا وسهمهم ألفا فقال الفقراء إنما يغنينا مائة ألف وقد يخرج هؤلاء من الغرم ألف فاجمع سهمنا وسهمهم ثم اضرب لنا بمائة سهم من ألف ولهم سهم واحد كما يقسم هذا المال لو كان بيننا فوضى بمعنى واحد فليس ذلك لهم عندنا والله أعلم لأن الله عز وجل ذكر للغارمين سهما كما ذكر للفقراء سهما فنفض على الغارمين وإن اغترقوا السهم فهو لهم ولم يعطوا أكثر مما أعطوا وإن فضل عنهم فضل فلستم بأحق به من غيركم إن فضل معكم أهل سهمان ذكروا معكم ولكن ما فضل منهم أو من غيرهم يرد عليكم وعلى غيركم ممن لم يستغن من أهل السهمام معكم كما يبتدأ القسم بينكم وكذلك لو كنتم المستغنين والغرماء غير مستغنين لم ندخلهم عليكم إلا بعد غناكم ولم نجعلهم يخاصمونكم ما اغترق كل واحد منكم سهمه ولا قوت فيما يعطى الفقراء إلا ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنى قل ذلك أو كثر مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب لأنه يوم يعطى لا زكاة عليه فيه وقد يكون الرجل غنيا وليس له مال تجب فيه الزكاة وقد يكون الرجل فقيرا بكثرة العيال وله مال تجب فيه الزكاة وإنما الغنى والفقر ما عرف الناس بقدر حال الرجل والعرب قديما يتجاورون في بواديهم وقراهم بالنسب لخوفهم من غيرهم كان في الجاهلية يتجاورون لمينع بعضهم بعضا فإذا كانوا هكذا يوم يصدقون قسمت صدقاتهم على فقرائهم بالقرابة والجوار معا فإن كانوا أهل بادية وكان العامل الوالي يعمل فيهم على قبيلة أو قبيلتين وكان بعض أهل القبيلة يخالط القبيلة الأخرى التي ليس منها دون التي منها وجوارهم وخلطتهم أن يكونوا ينتجعون معا ويقيمون معا فضاقت السهمان قسمناها على الجوار دون النسب وكذلك إن خالطهم عجم غيرهم وهم معهم في القسم على الجوار فإن كانوا عند النجعة يفترقون مرة ويختلطون أخرى فأحب أن لو قسمها على النسب إذا استوت الحالات وكان النسب عندي أولى فإذا اختلفت الحالات فالجوار أولى من النسب وإن قال من تصدق لنا فقراء على غير هذا الماء وهم كما وصفت يختلطون في النجعة أحصوا معا ثم فض ذلك على الغائب والحاضر وإن كانوا بأطراف من باديتهم متباعدة فكان يكون بعضهم بالطرف وهو له ألزم قسم ذلك بينهم وكان الطرف الذي هو له ألزم كالدار لهم وهذا إذا كانوا معا أهل نجعة لا دار لهم يقرون بها فأما إن كانت لهم دار يكونون بها ألزم فإني أقسمها على الجوار أبدا وأهل الإراك والحمض من أهل البادية يلزمون منازلهم فأقسم بينهم

صفحة : 553

على الجوار في المنازل وإن جاورهم في منازلهم من ليس منهم قسم على جيرانهم القسم على الجوار إذا كان جوار وعلى النسب والجوار إذا كانا معا ولو كان لأهل البادية معدن قسم ما يخرج من المعدن على من يلزم قرية المعدن وإن كانوا غرباء دون ذوي نسب أهل المعدن إذا كانوا منه بعيدا وكذلك لو كان لهم زرع قسم زرعهم على جيران أهل الزرع دون ذوي النسب إذا كانوا بعيدا من موضع الزرع وزكاة أهل القرية تقسم على أهل السهمان من أهل القرية دون أهل النسب إذا لم يكن أهل النسب بالقرية وكانوا منها بعيدا وكذلك نخلهم وزكاة أموالهم ولا يخرج شيء من الصدقات من قرية إلى غيرها وفيها من يستحقها ولا من موضع إلى غيره وفيه من يستحقه وأولى الناس بالقسم أقربهم جوارا ممن أخذ المال منه وإن بعد نسبه إذا لم يكن معه ذو قرابة وإذا ولى الرجل إخراج زكاة ماله فكان له أهل قرابة ببلده الذي يقسمه به وجيران قسمه عليهم معا فإن ضاق فآثر قرابته فحسن عندي إذا كانوا من أهل السهمان معا قال الشافعي فأما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقات ما كانوا يأخذون من الفيء فلو أن رجلا كان في العطاء فضرب عليه البعث في الغزو وهو بقرية فيها صدقات لم يكن له أن يأخذ من الصدقات شيء فإن سقط من العطاء بأن قال لا أغزو واحتاج أعطى في الصدقة ومن كان من أهل الصدقات بالبادية والقرى ممن لا يغزو عدوا فليس من أهل الفيء فإن هاجر وأفرض وغزا صار من أهل الفيء وأخذ منه ولو احتاج وهو في الفيء لم يكن له أن يأخذ من الصدقات فإن خرج من الفيء وعاد إلى الصدقات فذلك له الاختلاف قال الشافعي رحمه الله قال بعض أصحابنا لا مؤلفة فيجعل سهم المؤلفة وسهم سبيل الله في الكراع والسلاح في ثغر المسلمين حيث يراه الوالي وقال بعضهم ابن السبيل من يقاسم الصدقات في البلد الذي به الصدقات من أهل الصدقات أو غيرهم وقال أيضا إنما قسم الصدقات دلالات فحيث كانت الكثرة أو الحاجة فهي أسعد به كأنه يذهب إلى أن السهمان لو كانت ألفا وكان غارم غرمه ألف ومساكين يغنيهم عشرة آلاف وفقراء مثلهم يغنيهم ما يغنيهم وابن السبيل مثلهم يغنيهم ما يغنيهم جعل للغارم سهم واحد من هؤلاء فكان أكثر المال في الذين معه لأنهم أكثر منه عددا وحاجة كأنه يذهب إلى أن المال فوضى بينهم فيقتسمونه على العدد والحاجة لا لكل صنف منهم سهم ومن أصحابنا من قال إذا أخذت صدقة قوم ببلد وكان آخرون ببلد مجدبين

صفحة : 554

فكان أهل السهمان من أهل البلد الذين أخذت صدقاتهم إن تركوا تماسكوا ولم يجهدوا جهد المجدبين الذين لا صدقة ببلادهم أولهم صدقة يسيرة لا تقع منهم موقعا نقلت إلى المجدبين إذا كانوا يخاف عليهم الموت هزلا إن لم ينقل إليهم كأنه يذهب أيضا إلى أن هذا المال مال من مال الله عز وجل قسمه لأهل السهمان لمعنى صلاح عباد الله فينظر إليهم الوالي فينقل هذه إلى هذه السهمان حيث كانوا على الاجتهاد قربوا أو بعدوا وأحسبه يقول وتنقل سهمان أهل الصدقات إلى أهل الفيء إن جهدوا وضاق الفيء عليهم وينقل الفيء إلى أهل الصدقات إن جهدوا وضاقت الصدقات على معنى إرادة صلاح عباد الله تعالى وإنما قلت بخلاف هذا القول لأن الله عز وجل جعل المال قسمين أحدهما قسم الصدقات التي هي طهور قسمها لثمانية أصناف ووكدها وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تؤخذ من أغنياء قوم وترد على فقرائهم لا فقراء غيرهم ولغيرهم فقراء فلم يجز عندي والله أعلم أن يكون فيها غير ما قلت من أن لا تنقل عن قوم إلى قوم وفيهم من يستحقها ولا يخرج سهم ذي سهم منهم إلى غيره وهو يستحقه وكيف يجوز أن يسمى الله عز وجل أصنافا فيكونوا موجودين معا فيعطى أحدهم سهمه وسهم غيره لو جاز هذا عندي جاز أن تجعل في سهم واحد فيمنع سبعة فرضا فرض لهم ويعطى واحد ما لم يفرض له والذي يقول هذا القول لا يخالفنا أن رجلا لو قال أوصي لفلان وفلان وفلان وأوصي بثلث ماله لفلان وفلان وفلان كانت الأرض أثلاثا بين فلان وفلان وفلان وكذلك الثلث ولا محالف علمته في أن رجلا لو قال ثلث مالي لفقراء بني فلان وغارم بني فلان رجل آخر وبني سبيل بني فلان رجل آخر أن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه وأن ليس لوصي ولا لوال أن يعطي أحد هؤلاء الثلث دون صاحبه وكذلك لا يكون جميع المال للفقراء دون الغارمين ولا للغارمين دون بني السبيل ولا صنف ممن سمى دون صنف منهم أفقر وأحوج من صنف ثم يعطيهموه دون غيرهم ممن سمى الموصي لأن الموصي أو المتصدق قد سمى أصنافا فلا يصرف مال صنف إلى غيره ولا يترك من سمى له لمن لم يسم له معه لأن كلا ذو حق لما سمى له فلا يصرف حق واحد إلى غيره ولا يصرف حقهم إلى غيرهم ممن لم يسم له فإذا كان هذا عندنا وعند قائل هذا القول فما أعطى الآدميون لا يجوز أن يمضى إلا على ما أعطوا فعطاء الله عز وجل أحق أن يجوز وأن يمضى على ما أعطي ولو جاز في أحد العطائين أن يصرف عمن أعطيه إلى من لم يطعه أو يصرف حق صنف أعطى إلى صنف أعطيه منهم كان في عطاء الآدميين

صفحة : 555

أجوز ولكنه لا يجوز في واحد منهما وإاذ قسم الله عز وجل الفيء فقال وأعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول الآية وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أربعة أخماسه لمن أوجف على الغنيمة للفارس من ذلك ثلاثة أسهم وللراجل سهم فلم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الفارس ذا الغناء العظيم على الفارس الذي ليس مثله ولم نعلم المسلمين إلا سووا بين الفارسين حتى قالوا لو كان فارس أعظم الناس غناء وآخر جبان سووا بينهما وكذلك قالوا في الرجالة أفرأيت لو عارضنا وإياهم معارض فقال إذا جعلت أربعة أخماس الغنيمة لمن حضر وإنما معنى الحضور للغناء عن المسلمين والنكاية في المشركين فلا أخرج الأربعة الأخماس لمن حضر ولكنني أحصى أهل الغناء ممن حضر فأعطى الرجل سهم مائة رجل أو أقل إذا كان يغنى مثل غنائهم أو أكثر وأترك الجبان وغير ذي النية الذي لم يغن فلا أعطيه أو أعطيه جزءا من مائة جزء من سهم رجل ذي غناء أو أكثر قليلا أو أقل قليلا بقدر غنائه هل الحجة عليه إلا أن يقال له لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما فكان مخرج الخبر منه عاما ولم نعلمه خص أهل الغناء بل أعطى من حضر على الحضور والحرية والإسلام فقط دون الغناء ومن خالفنا في قسم الصدقات لا يخالفنا في قسم ما أوجف عليه من الأربعة الأخماس فكيف جاز له أن يخالفنا في الصدقات وقد قسم الله عز وجل لهم أبين القسم فيعطى بعضا دون بعض وإذا كان لا يجوز عندنا ولا عنده في الموجفين لو أجوفوا وهم أهل ضعف لا غناء لهم على أهل ضعف من المشركين لا غناء عندهم وكان بإزائهم أهل غناء يقاتلون عدوا أهل شوكة شديدة أن يعطوا مما أوجف عليه الضعفاء من المسلمين من الضعاء من المشركين ولا يعطاه المسلمون ذوو الغناء الذين يقاتلون المشركين ذوي العدد والشوكة نظرا للاسلام وأهله حتى يعطى بالنظر ما أوجف عليه المسلمون الضعفاء على المشركين الضعفاء إلى المسلمين الأقوياء المقاتلين للشرك الأقوياء لأن عليه مؤنة عظيمة في قتالهم وهم أعظم غناء عن المسلمين ولكني أعطي كل موجف حقه فكيف جاز أن تنقل صدقات قوم يحتاجون إليها إلى غيرهم إن كانوا أحوج منهم أو يشركهم معهم أو ينقلها من صنف منهم إلى صنف والصنف الذين نقلها عنهم يحتاجون إلى حقهم أو رأيت لو قال قائل لقوم أهل يسر كثر أوجفوا على عدو أنتم أغنياء فآخذ ما أوجفتم عليه فأقسمه على أهل الصدقات المحتاجين إذا كان عام سنة لأن أهل الصدقات مسلمون من عيال الله تعالي وهذا مال من مال الله تعالى وأخاف إن حبست هذا عنهم وليس

صفحة : 556

يحضرني مال غيره أن يضر بهم ضررا شديدا وأخذه منكم لا يضر بكم هل تكون الحجة عليه إلا أن يقال له من قسم له أحق بما قسم ممن لم يقسم له وإن كان من لم يقسم له أحوج وهكذا ينبغي أن يقال في أهل الصدقات إنها بقسمة مقسومة لهم بينة القسم أو رأيت لو قال قائل في أهل المواريث الذين قسم الله تعالى لهم أو الذين جاء أثر بالقسم لهم أو فيهما معا إنما ورثوا بالقرابة والمصيبة بالميت فإن كان منهم أحد خيرا للميت في حياته ولتركته بعد وفاته وأفقر إلى ما ترك أوثر بميراثه لأن كلا ذو حق في حال هل تكون الحجة عليه إلا أن يقال لا تعدو ما قسم الله تبارك وتعالى فهكذا الحجة في قسم الصدقات قال الشافعي الحجة على من قال هذا القول أكثر من هذا وفيه كفاية وليست في قول من قال هذا شبهة ينبغي عندي أن يذهب إليها ذاهب لأنها عندي والله تعالى أعلم إبطال حق من جعل الله عز وجل له حقا وإباحة أن يأخذ الصدقات الوالي فينقلها إلى ذي قرابة له واحد أو صديق ببلد غير البلد الذي به الصدقات إذا كان من أهل السهمانقال الشافعي فاحتج محتج في نقل الصدقات بأن قال إن بعض من يقتدى به قال إن جعلت في صنف واحد أجزأ والذي قال هذا القول لا يكون قوله حجة تلزم وهو لو قال هذا لم يكن قال إن جعلت في صنف وأصناف موجودة ونحن نقول كما قال إذا لم يوجد من الأصناف إلا صنف أجزأ أن توضع فيه واحتج بأن قال إن طاوسا روى أن معاذ بن جبل قال لبعض أهل اليمن ائتوني بعرض ثياب آخذها منكم مكان الشعير والحنطة فإن أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة قال الشافعي صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ذمة اليمن على دينار كل واحد كل سنة فكان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ من الرجل دينار أو قيمته من المعافر كان ذلك إذا لم يوجد الدينا فلعل معاذا لو أعسروا بالدينار أخذ منهم الشعير والحنطة لأنه أكثر ما عندهم وإذا جاز أن يترك الدينار لغرض فلعله جاز عنده أن يأخذ منهم طعاما وغيره من العرض بقيمة الدنانير فأسرعوا إلى أن يعطوه من الطعام لكثرته عندهم يقول الثياب خير للمهاجرين بالمدينة وأهون عليكم لأنه لا مؤنة كثيرة في المحمل للثياب إلى المدينة والثياب بها أغلى ثمنا فإن قال قائل هذا تأويل لا يقبل إلا بدلالة عمن روى عنه فإنما قلناه بالدلائل عن معاذ وهو الذي رواه عنه هذا أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن معاذا قضى أيما رجل انتقل من

صفحة : 557

مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته قال الشافعي فبين في قصة معاذ أن هذا في المسلمين خاصة وذلك أن العشر والصدقة لا تكون إلا للمسلمين قال الشافعي وإذا رأى معاذ في الرجل المأخوذ منه الصدقة ينتقل بنفسه وأهله عن مخلاف عشيرته أن تكون صدقته وعشره إلى مخلاف عشيرته وذلك ينتقل بصدقة ماله الناض والماشية فيجعل معاذ صدقته وعشره لأهل مخلاف عشيرته لا لمن ينتقل إليه بقرابته دون أهل المخلاف الذي انتقل عنه وإن كان الأكثر أن مخلاف عشيرته لعشيرته وإنما خلطهم غيرهم وكانت العشيرة أكثر والآخر أنه رأى أن الصدقة إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تحول عنهم صدقته وعشره بتحوله وكانت لهم كما تثبت بدءا قال الشافعي وهذا يحتمل أن يكون عشره وصدقته التي هي بين ظهراني مخلاف عشيرته لا تتحول عنهم دون الناض الذي يتحول ومعاذ إذا حكم بهذا كان من أن ينقل صدقة المسلمين من أهل اليمن الذين هم أهل الصدقة إلي أهل المدينة الذين أكثرهم أهل الفيء أبعد وفيما روينا من هذا عن معاذ ما يدل على قولنا لا تنقل الصدقة من جيران المال المأخوذ منه الصدقة إلى غيرهم قال الشافعي وطاوس لو ثبت عن معاذ شيء لم يخالفه إن شاء الله تعالى وطاوس يحلف ما يحل بيع الصدقات قبل أن تقبض ولا بعد أن تقبض ولو كان ما ذهب إليه من احتج علينا بأن معاذا باع الحنطة والشعير الذي يؤخذ من المسلمين بالثياب كان بيع الصدقة قبل أن تقبض ولكنه عندنا إنما قال ائتوني بعرض من الثياب فإن قال قائل كان عدي بن حاتم جاء أبا بكر بصدقات والزبرقان بن بدر وهما وإن جاءا بما فضل عن أهله ما فقد نقلاها إلى المدينة فيحتمل أن يكون بالمدينة أقرب الناس نسبا ودارا ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيء من اليمن ويحتمل أن يكون من حولهم ارتد فلم يكن لهم حق في الصدقة ويكون بالمدينة أهل حق هم أقرب من غيرهم ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر ثم يأمر بردها إلى غير أهل المدينة وليس في ذلك عن أبي بكر خبر نصير إليه فإن قال قائل إنه بلغنا أن عمر كان يؤتى بنعم من نعم الصدقة قال الشافعي فبالمدينة صدقات النخل والزرع والناض والماشية وللمدينة ساكن من المهاجرين والأنصار وحلفائهما وأشجع وجهينة ومزينة بها وبأطرافها وغيرهم من قبائل العرب فعيال ساكن المدينة بالمدينة وعيال عشائرهم وجيرانهم وقد يكون عيال ساكن أطرافها بها وعيال جيرانهم

صفحة : 558

وعشائرهم فيؤتون بها ويكونون مجمعا لأهل السهمان كما تكون المياه والقرى مجمعا لأهل السهمان من العرب ولعلهم استغنوا فنقلها إلى أقرب الناس بهم دارا ونسبا وكان أقرب الناس بالمدينة دارا ونسبا فإن قال قائل فإن عمر كان يحمل على إبل كثيرة إلى الشام والعراق قيل له ليس من نعم الصدقة والله أعلم وإنما هي من نعم الجزية لأنه إنما يحمل على ما يحتمل من الإبل وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحدا أخبرنا مالك عن زيد بن اسلم أن عمر كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية أخبرنا بعض أصحابنا عن محمد ابن عبدالله بن مالك الدار عن يحيى بن عبدالله بن مالك عن أبيه أن سأله أرأيت الإبل التي كان يحمل عليها عمر الغزاة وعثمان بعده قال أخبرني أبي أنها إبل الجزية التي كان يبعث بها معاوية وعمرو بن العاص قلت وممن كانت تؤخذ قال من أهل جزية أهل المدينة تؤخذ من بنى تغلب على وجهها فبيعت فيبتاع بها إبل جلة فيبعث بها إلى عمر فيحمل عليها أخبرنا الثقة من أصحابنا عن عبدالله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال بعث عبدالملك بعض الجماعة بعطاء أهل المدينة وكتب إلى والي اليمامة أن يحمل من اليمامة إلى المدينة ألف ألف درهم يتم بها عطاءهم فلما قدم المال إلى المدينة أبو ان يأخذوه وقالوا أيطعمنا أوساخ الناس وما لا يصلح لنا أن نأخذه لا نأخذه أبدا فبلغ ذلك عبدالملك فرده وقال لا تزال في القوم بقية ما فعلوا هكذا قلت سعيد بن أبي هند ومن كان يومئذ يتكلم قال أولهم سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبدالرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبدالله في رجال كثيرة قال الشافعي وقولهم لا يصلح لنا أي لا يحل لنا أن نأخذ الصدقة ونحن أهل الفيء وليس لأهل الفيء في الصدقة حق ومن أن ينقل عن قوم إلى قوم غيرهم قال الشافعي وإذا أخذت الماشية في الصدقة وسمت وأدخلت الحظير ووسم الإبل والبقر في أفخاذها والغنم في أصول آذانها وميسم الصدقة مكتوب لله عز وجل وتوسم الإبل التي تؤخذ في الجزية ميسما مخالفا لميسم الصدقة فإن قال قائل ما دل على أن ميسم الصدقة مخالف لميسم الجزية قيل فإن الصدقة أداها مالكها لله وكتبت لله عز وجل على أن مالكها أخرجها لله عز وجل وإبل الجزية أديت صغارا لا أجر لصاحبها فيها أخبرنا مالك عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال لعمر إن في الظهر ناقة عمياء قال أمن نعم الجزية أم

صفحة : 559

من نعم الصدقة قال بل من نعم الجزية وقال له إن عليها ميسم الجزية وهذا يدل على فرق بين الميسمين أيضا وقال بعض الناس مثل قولنا أن كل ما أخذ من مسلم فسبيله سبيل الصدقات وقالوا سبيل الركاز سبيل الصدقات ورووا مثل ما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الركاز الخمس قال الشافعي والمعادن من الركاز وفي كل ما أصيب من دفن الجاهلية مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب فهو ركاز ولو أصابه غني أو فقير كان ركازا فيه الخمس قال الشافعي ثم عاد لما شدد فيه كله فأبطله فزعم أن الرجل إذا وجد ركازا فواسع فيما بينه وبين الله عز وجل أن يكتمه الوالي وللوالي أن يرده عليه بعد ما يأخذه منه ويدعه له قال الشافعي أو رأيت إذ زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الركاز والخمس وزعم أن كل ما أخذ من مسلم قسم على قسم الصدقات فقد أبطل الحق بالسنة في أخذه وحق الله عز وجل في قسمه والخمس إنما يجب عندنا وعنده في ماله لمساكين جلعه الله عز وجل لهم فكيف جاز للوالي أن يترك حقا أوجبه الله عز وجل في ماله وذلك الحق لمن قسمه الله عز وجل له أرأيت لو قال قائل هذا في عشر الطعام أو زكاة الذهب أو زكاة التجارة أو غير ذلك مما يؤخذ من المسلمين ما الحجة عليه أليس أن يقال إن الذي عليك في مالك إنما هو شيء وجب لغيرك فلا يحل للسلطان تركه لك ولا لك حبسه إن تركه لك السلطان عمن جعله الله تبارك وتعالى له قال الشافعي ولست أعلم من قال هذا في الركاز ولو جاز هذا في الركاز جاز في جميع من وجب عليه حق في ماله أن يحبسه وللسلطان أن يدعه له فيبطل حق من قسم الله عز وجل له من أهل السهمان الثمانية فقال إنا روينا عن الشعبي أن رجلا وجد أربعة آلاف فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لأقضين فيها قضاء بينا أما أربعة أخماس فلك وخمس للمسلمين ثم قال والخمس مردود عليك قال الشافعي وهذا الحديث ينقض بعضه بعضا إذ زعم أن عليا قال وخمس للمسلمين فكيف يجوز أن يكون الوالي يرى للمسلمين في مال رجل شيئا ثم يرده عليه أو يدعه له والواجب على الوالي أن لو منع رجل من المسلمين شيئا لهم في ماله أن يجاهده عليه قال الشافعي وهذا عن علي مستنكر وقد روى عن علي بإسناد موصول أنه قال أربعة أخماس

صفحة : 560

لك واقسم الخمس على فقراء أهلك وهذا الحديث أشبه بعلي لعل عليا علمه أمينا وعلم في أهله فقراء من أهل السهمان فأمره أن يقسمه فيهم قال الشافعي وهم مخالفون ما روى عن الشعبي من وجهين أحدهما أنهم يزعمون أن من كانت له مائتا درهم فليس للوالي أن يعطيه ولا له أن يأخذ شيئا من السهمان المقسومة بين من سمى الله عز وجل ولا من الصدقة تطوعا والذي زعموا أن عليا ترك له خمس ركازه وهذا رجل له أربعة آلاف درهم ولعله أن يكون له مال سواها ويزعمون أن الوالي إذا أخذ منه واجبا في ماله لم يكن للوالي أن يعود بما أخذ منه عليه ولا على أحد يعوله ويزعمون أن لو وليها هو دون الوالي لم يكن له حبسها ولا دفعها إلى أحد يعوله قال الشافعي والذي روي عن علي رضي الله تعالى عنه إعادتها عليه بعد أن أخذها منه أو تركها له قبل أن يأخذها منه وهذا إبطالها بكل وجه وخلاف ما يقولون وإذا صار له أن يكتمها وللوالي أن يردها عليه فليست بواجبة عليه وتركها لا تؤخذ منه وأخذها سواء وقد أبطل بهذا القول السنة في أن في الركاز الخمس وأبطل به حق من قسم الله عز وجل له من أهل السهمان الثمانية فإن قال لا يصلح هذا إلا في الركاز قيل فإذا قال قائل فإذا صلح في الركاز وهو من الصدقات صلح في كلها ولو جاز لك أن تخص بعضها دون بعض قلت يصلح في العشور وصدقات الماشية وقال غيري وغيرك يصلح في صدقة الرقة ولا يصلح في هذا فإن قال فإنما هو خمس وكذلك الحق فيه كما الحق في الزرع العشر وفي الرقة ربع العشر وفي الماشية مختلفة وهي مخالفة كل هذا وإنما يؤخذ من كل بقدر ما جعل فيه ويقسم كل حيث قسم الصدقات قال الشافعي ثم خالفنا بعض الناس فيما يعطى من الصدقات فقال لا يأخذ منها أحد له مال تجب فيه الزكاة ولا يعطى منها أحد مائتي درهم ولا شيء تجب فيه الزكاةقال الشافعي وإذا كان الرجل لا يكون له مائتا درهم ولا شيء تجب فيه الزكاة فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا إذا لم يكن محتاجا بضعف حرفة أو كثرة عيال وكان الرجل يكون له أكثر منها فيكون محتاجا بضعف الحرفة أو بغلبة العيال فكانت الحاجة إنما هي ما عرف الناس على قدر حال الطالب للزكاة وماله لا على قدر المال فقط فكيف إذا كان الرجل له مائة من العيال ومائتا درهم لا يعطى وهذا المحتاج البين الحاجة وآخر إن لم يكن له مائتا درهم ولا عيال له وليس بالغني أعطى والناس يعلمون أن هذا الذي أمر بإعطائه أقرب من الغنى والذي نهى عن إعطائه أبعد من الغني

صفحة : 561

ولم إذا كان الغارم يعطى ما يخرجه من الغرم ولا يعطى الفير ما يخرجه من الفقر وهو أن يقول إن أخرجه من الفقر إلى الغنى مائة درهم أو أقل لم يزد عليها فلم إذا لم يخرجه من الفقر إلى الغنى إلا مائتا درهم لا يعطاها وهو يوم يعطاها لا زكاة عليه فيها إنما الزكاة عليه فيها إذا حال عليها
كتاب الصيام الصغير
أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشهر تسع وعشرون لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين قال الشافعي رحمه الله تعالى وبهذا نقول فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط قال الشافعي أخربنا الدراوردي عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين أن رجلا شهد عند علي رضي الله تعالى عنه على رؤية هلال رمضان فصام وأحسبه قال وأمر الناس أن يصوموا وقال أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان قال الشافعي بعد لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان قال الشافعي وقد قال بعض أصحابنا لا أقبل عليه إلا شاهدين وهذا القياس على كل معيب استدل عليه ببينة وقال بعضهم جماعة قال الشافعي ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا شاهدين عدلين وأكثر فإن صام الناس بشهادة واحد أو اثنين أكملوا العدة ثلاثين إلا أن يروا الهلال أو تقوم بينة برؤيته فيفطروا وإن غم الشهران معا فصاموا ثلاثين فجاءتهم بينة بأن شعبان رئي قبل صومهم بيوم قضوا يوما لأنهم تركوا يوما من رمضان وإن غما فجاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أي ساعة جاءتهم البينة فإن جاءتهم البينة قبل الزوال صلوا صلاة العيد وإن كان بعد الزوال لم يصلوا صلاة العيد وهذا قول من أحفظ عنه من أصحابنا قال الشافعي فخالفه في هذا بعض الناس فقال فيه قبل الزوال قولنا وقال بعد الزوال يخرج بهم الإمام من الغد ولا يصلى بهم في يومهم ذلك قال الشافعي فقيل بعص من يحتج بهذا القول إذا كانت صلاة العبد عندنا وعندك سنة لا تقضى إن تركت وغمك وقت فكيف أمرت بها أن تعمل في غيره وأنت إذا مضى الوقت تعمل

صفحة : 562

في وقت لم تؤمر بأن تعمل مثل المزدلفة إذا مرت ليلتها لم تؤمر بالمبيت فيها والجمار إذا مضت أيامها لم تؤمر برميها وأمرت بالفدية فيما فيه فدية من ذلك ومثل الرمل إذا مضت الأطواف الثلاثة فلا ينبغي أن تأمر به في الأربعة البواقي لأنه مضى وقته وليس منه بدل بكفارة وإذا أمرت بالعيد في غير وقته فكيف لم تأمر به بعد الظهر من يومه والصلاة تحل في يومه وأمرت بها من العد ويوم الفطر أقرب من وقت الفطر من غده قال فإنا من غد تصلى في مثل وقته قيل له أو ليس تقول في كل ما فات مما يقضي من المكتوبات يقضي إذا ذكر فكيف خالفت بين هذا وبين ذلك فإن كانت علتك الوقت فما تقول فيه إن تركته من غده أتصليه بعد غده في ذلك الوقت قال لا قيل فقد تركت علتك في أن تصلي في مثل ذلك الوقت فما حجتك فيه قال روينا فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا قد سمعناه ولكنه ليس مما يثبت عندنا والله أعلم وأنت تضعف ما هو أقوى منه وإذا زعمت أنه ثابت فكيف يقضى في غده ولم تنهه أن يقضى بعده فينبغي أن تقول يقضى بعد أيام وإن طالت الأيام قال الشافعي وأنا أحب أن أذكر فيه شيئا وإن لم يكن ثابتا وكان يجوز أن يفعل تطوعا أن يفعل من الغد وبعد الغد إن لم يفعل من الغد لأنه تطوع وأن يفعل المرء ما ليس عليه أحب إلى من أن يدع ما عليه وإن لم يكن الحديث ثابتا فإذا كان يجوز أن يفعل بالتطوع فهذا خير إراده الله به أرجو أن يأجره الله عليه بالنية في عمله قال الشافعي بعد لا يصلي إذا زالت الشمس من يوم الفطر قال الشافعي أخبرنا مالك أنه بلغه أن الهلال في زمن عثمان بن عفان بعشي فلم يفطر عثمان حتى غابت الشمس قال الشافعي وهكذا نقول إذا لم ير الهلال ولم يشهد عليه أنه رئى ليلا لم يفطر الناس برؤية الهلال في النهار كان ذلك قبل الزوال أو بعده وهو والله أعلم هلال الليلة التي تستقيل وقال بعض الناس فيه إذا رئي بعد الزوال قولنا وإذا رئي قبل الزوال أفطروا وقالوا إنما اتبعنا فيه أثرا رويناه وليس بقياس فقلنا الأثر أحق أن يتبع من القياس فإن كان ثابتا فهو أولى أن يؤخذ به قال الشافعي اذا رأى الرجل هلال رمضان وحده يصوم لا يسعه غير ذلك وإن رأى هلال شوال فيفطر إلا أن يدخله شك أو يخاف أن يتهم على الاستخفاف بالصوم
ID ‘ ‘ يتوقف فيه إلا جاهل غبي.

صفحة : 563

باب الدخول في الصيام والخلاف فيه
قال الشافعي رحمه الله فقال بعض أصحابنا لا يجزي صوم رمضان إلا بنية كما لا تجزي الصلاة إلا بنية واحتج فيه بأن ابن عمر قال لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر قال الشافعي وهكذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال الشافعي فكان هذا والله أعلم على شهر رمضان خاصة وعلى ما أوجب المرء على نفسه من نر أو وجب عليه من صوم فأما التطوع فلا بأس أن ينوي الصوم قبل الزوال ما لم يأكل ولم يشرب فخالف في هذا القول بعض الناس فقال معنى قول ابن عمر هذا على النافلة فلا يجوز في النافلة من الصوم ويجوز في شهر رمضان وخالف في هذا الآثار قال الشافعي وقيل لقائل هذا القول لم زعمت أن صوم رمضان يجزي بغير نية ولا يجزي صوم النذر ولا صوم الكفارات إلا بنية وكذلك عندك لا تجزي الصلاة المكتوبة ولا نذر الصلاة ولا التيمم إلا بنية قال لأن صوم النذر والكفارات بغير وقت متى عمله أجزأ عنه والصلاة والنية للتيمم بوقت قيل له ما تقول فيمن قال لله على أن أصوم شهرا من هذه السنة فأمهل حتى إذا كان آخر شهر منها فصامه لا ينوي به النذر قال لا يجزئه قيل قد وقت السنة ولم يبق منها إلا هذا الشهر فصار إن لم يصمه يخرج من الوقت وقيل له ما تقول إن ترك الظهر حتى لا يبقى عليه من وقتها إلا ما يكملها فيه ثم صلى أربعا كفرض الصلاة لا ينوى الظهر قال لا يجزئه لأنه لم ينو الظهرقال الشافعي لا أعلم بين رمضان وبين هذا فرقا وقد اعتل بالوقت فأوجدنا الوقت في المكتوبة محدودا ومحصورا يفوت إن ترك العمل فيه فأوجدناه ذلك في النذر ثم أوجدناه في الوقتين المحصورين كلاهما عملا كعمل المكتوبة وعمل النذر وليس في الوقتين فضل للمكتوبة والنذر لأنه لم يبق للمكتوبة والنذر موضع إلا هذا الوقت الذي عملهما فيه لأنه عملهما في آخر الوقت فزعم أنهما لا يجزيان إذا لم ينو بهما المكتوبة والنذر فلو كانت العلة أن الوقت محصور انبغى أن يزعم ههنا أن المكتوبة والنذر يجزيان إذا كان وقتهما محصورا كما يجزي رمضان إذا كان وقته محصورا قال الشافعي رحمه الله فمن قال لا يجزي رمضان إلا بنية فلو اشتبهت عليه الشهور وهو أسير فصام شهر رمضان ينوي به التطوع لم يجزه وكان عليه أن يأتى بالبدل منه ومن قال يجزي بغير نية فقد أجزأ عنه غير أن قائل هذا القول قد أخطأ قوله عندي والله أعلم فزعم أن رجلا لو أصبح

صفحة : 564

يرى أنه يوم من شعبان فلم يأكل ولم يشرب ولم ينو الإفطار فعلم أنه من رمضان قبل نصف النهار فأمسك عن الطعام أجزأ عنه من شهر رمضان وهذا يشبه قوله الأول ثم قال وإن علم بعد نصف النهار فأمسك ونوى الصيام لم يجزه وكان عليه أن يأتى بيوم مكانه وهذا خلاف قوله الأول قال الشافعي وإنما قال ذلك فيما علمت بالرأي وكذلك قال فيه أصحابنا والله أعلم بالرأي فيما علمت ولكن معهم قياس فصح فيه لمن خالفه قول أصحابنا والله أعلم وهذا فيما أرى أحسن وأولى أن يقال به إذا كان قياسا
باب ما يفطر الصائم والسحور والخلاف فيه
قال الشافعي رحمه الله تعالى الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم حين يتبين الفجر الآخر معترضا في الأفق قال الشافعي وكذلك بغلنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تغيب الشمس وكذلك قال الله عز وجل ثم أتموا الصيام إلى الليل قال الشافعي فإن أكل فيما بين هذين الوقتين أو شرب عامدا للأكل والشرب ذاكرا للصوم فعليه القضاء قال الشافعي أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أخيه خال بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفطر في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال عمر الخطب يسير قال الشافعي كأنه يريد بذلك والله أعلم قضاء يوم مكانه قال الشافعي وأستحب التأني بالسحور ما لم يكن في وقت مقارب يخاف أن يكون الفجر طلع فإني أحب قطعه في ذلك الوقت فإن طلع الفجر وفي فيه شيء قد أدخله ومضعه لفظه لأن إدخاله فاه لا يصنع شيئا إنما يفطر بإدخاله جوفه فإن ازدرده بعد الفجر قضى يوما مكانه والذي لا يقضى فيه من ذلك الشيء يبقى بين أسنانه في بعض فيه مما يدخله الريق لا يمتنع منه فإن ذلك عندي خفيف فلا يقض فأما كل ما عد إدخاله مما يقدر على لفظه فيفطره عندي والله أعلم وقال بعد نفطره بما بين أسنانه إذا كان يقدر على طرحه قال الربيع إلا أن يغلبه ولا قال الشافعي وأحب تعجيل الفطر وترك تأخيره وإنما أكره تأخيره إذا عمد ذلك كأنه يرى

صفحة : 565

الفضل فيه قال الشافعي أخبرنا مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن ابن عوف أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران الليل أسود ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان قال الشافعي كأنهما يريان تأخير ذلك واسعا لا أنهما يعمدان الفضل لتركه بعد أن أبيح لهما وصارا مفطرين بغير أكل ولا شرب لأن الصوم لا يصلح في الليل ولا يكون به صاحبه صائما وإن نواه قال الشافعي فقال بعض أصحابنا لا بأس أن يحتجم الصائم ولا يفطره ذلك قال الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك قال الشافعي وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه لم ير أباه قط احتجم وهو صائم قال الشافعي وهذا فتيا كثير ممن لقيت من الفقهاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفطر الحاجم والمحجوم وروي عنه أنه احتجم صائما قال الشافعي ولا أعلم واحدا منهما ثابتا ولو ثبت واحد منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت به فكانت الحجة في قوله ولو ترك رجل الحجامة صائما للتوقي كان أحب إلى ولو احتجم لم أره يفطره قال الشافعي من تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه وبهذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال الشافعي ومن أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه ولا قضاء عليه وكذلك بلغنا عن أبي هريرة وقد قيل إن أبا هريرة قد رفعه من حديث رجل ليس بحافظ قال الشافعي وقد قال بعض أصحابنا يقضى ولسنا نأخذ بقوله وقال بعض الناس بمثل قولنا لا يقضي والحجة عليهم في الكلام في الصلاة ساهيا وتفريقه بين العمد والنسيان في الصوم حجة عليهم في الصلاة بل الكلام في الصلاة ناسيا أثبت وأولى لأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف فرق بين العمد والنسيان في الصوم وإنما فرق بينهما بأن أبا هريرة لم ير على من أكل ناسيا لصومه قضاء فرأي أبي هريرة حجة فرق بها بين العمد والنسيان وهو عندنا حجة ثم ترك رواية

صفحة : 566

أبي هريرة وابن عمر وعمران بن حصين وطلحة بن عبيدالله وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ذي اليدين وفيه ما دل على الفرق بين العمد والنسيان في الصلاة فهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب مما جاء عن غيره فترك الأوجب والأثبت وأخذ بالذي هو أضعف عنده وعاب غيره إذا زعم أن العمد في الصوم والنسيان سواء ثم قال بما عاب في الصلاة فزعم أن العمد والنسيان سواء ثم لم يقم بذلك قال الشافعي من احتلم في رمضان اغتسل ولم يقض وكذلك من أصاب أهله ثم طلع الجفر قبل أن يغتسل ثم أتم صومه قال الشافعي وإن طلع الفجر وهو مجامع فأخرجه من ساعته أتم صومه لأنه لا يقدر على الخروج من الجماع إلا بهذا وإن ثبت شيئا آخر أو حركه لغير إخراج وقد بان له الفجر كفر قال الشافعي أخبرنا مالك عن عبدالله ابن عبدالرحمن بن معمر عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة رضي الله عنهاأن رجلا قال لرسو الله صلى الله عليه وسلم وهي تسمع إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل ثم أصوم ذلك اليوم فقال الرجل إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال والله إني لأرجو أن أكون أخشا كم لله وأعلمكم بما أتقى قال الشافعي وقد جاء هذا من غير هذا الوجه وهو قول العامة عندما وفي أكثر البلدان فإن ذهب ذاهب إلى أنه جنب من جماع في رمضان فإن الجماع كان وهو مباح والجنابة باقية بمعنى متقدم والغسل ليس من الصوم بسبيل وإن وجب بالجماع فهو غير الجماع قال الشافعي وهذا حجة لنا على من قال في المطلقة لزوجها عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وقد قال الله تبارك وتعالى ثلاثة قروء والقرء عنده الحيضة فما بال الغسل وإن وجب بالحيض فهو غير الحيض فلو كان حكمه إذا وجب به حكم الحيض كان حكم الغسل إذا وجب بالجماع حكم الجماع فأفطر وكفر من أصبح جنبا قال الشافعي فإن قال فقد روي فيه شيء فهذا أثبت من تلك الرواية لعل تلك الرواية كانت بأن سمع صاحبها من أصبح جنبا أفطر على معنى إذا كان الجماع بعد الفجر أو عمل فيه بعد

صفحة : 567

الفجر كما وصفنا قال الشافعي ومن حركت القبلة شهوته كرهتها له وإن فعلها لم ينقض صومه ومن لم تحرك شهوته فلا بأس له بالقبلة وملك النفس في الحالين عنها أفضل لأنه منع شهوة يرجى من الله تعالى ثوابها قال الشافعي وإنما قلنا لا ينقض صومه لأن القبلة لو كانت تنقض صومه لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرخص ابن عباس وغيره فيها كما لا يرخصون فيما يفطر ولا ينظرون في ذلك إلى شهوة فعلها الصائم لها ولا غير شهوة قال الشافعي أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم تضحك قال الشافعي أخبرنا مالك أن عائشة كانت إذا ذكرت ذلك قالت وأيكم أملك لأربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال لم أر القبلة تدعو إلى خير قال الشافعي أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب قال الشافعي وهذا عندي والله أعلم على ما وصفت ليس اختلافا منهم ولكن على الاحتياط لئلا يشتهي فيجامع وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به
ID ‘ ‘ والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب – الحذف كما حكاه

الكسائي وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه والزمخشري فينبغي أن

يتوقف فيه إذ ليس في كلامه تصريح بنقله نعم: جواز الوجهين قد ثبت من كلام سيبويه كما

سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب.

وطعن بعضهم في حكاية الكسائي ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث بمثله

ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي وكل منهم إمام وتوجيهها: أنه لما ثبت

جواز: سرت خمسا وأنت تريد الأيام والليالي جميعا كما سبق من كلام سيبويه وكما دلت

عليه الآية الكريمة وما ذاك إلا لتغليب الليالي على الأيام وجعل الأيام تابعة لليالي أجري عليها

هذا الحكم عند إرادة الأيام وحدها كقولك: سرت خمسا وأنت تريد الأيام. أو: صمت

صفحة : 568

باب الجماع في رمضان والخلاف فيه
قال الشافعي رحمه الله تعالى أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا قال إني لا أجد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال خذ هذا فتصدق به فقال يا سرول الله ما أجد أحدا أحوج مني فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قل كله قال الشافعي أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلك الأبعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم وما ذاك قال أصبت أهلي في رمضان وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تهدي بدنة قال لا قال فاجلس فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال خذ هذا فتصدق به فقال ما أجد أحدا أحوج مني قال فكله وصم يوما مكان ما أصبت قال عطاء فسألت سعيدا كم في ذلك العرق قال ما بين خمسة عشر صاعا إلى عشرين قال الشافعي وفي حديث غير هذا فأطعمه أهلك قال الشافعي فبهذا كله نأخذ يعتق فإن لم يقدر صام شهرين متتابعين فإن لم يقدر أطعم ستين مسكيناقال الشافعي وقول النبي صلى الله عليه وسلم كله واطعمه أهلك يحتمل معاني منها أنه لما كان في الوقت الذي أصاب أهله فيه ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأن قال له في شيء أتى به كفر به فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه قال كله وأطعمه أهلك جعل له التمليك حينئذ ويحتمل أن يكون ملكه فلما ملكه وهو محتاج كان إنما يكون عليه الكفارة إذا كان عنده فضل فلم يكن عنده فضل فكان له أكله هو وأهله ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينا عليه متى أطاقها أو شيئا منها وإن كان ذلك ليس في الخبر وكان هذا أحب إلينا وأقرب من الاحتياط ويحتمل أن كان لا يقدر على شيء من الكفارات فكان لغيره أن يكفر عنه وأن يكون لغيره أن يضعه عليه وعلى أهله إن كانوا محتاجين ويجزي عنهم ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر في حاله تلك على الكفارة أن تكون الكفارة ساقطة عنه إذا كان مغلوبا كما تسقط الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا والله أعلم ويحتمل إذا كفر

صفحة : 569

أن تكون الكفارة بدلا من الصيام ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة ولكل وجهة قال وأحب أن يكفر متى قدر وأن يصوم مع الكفارة قال الشافعي وفي الحديث ما يبين أن الكفارة مد لا مدين قال الشافعي وقال بعض الناس مدين وهذا خلاف الحديث والله أعلم قال الشافعي وإن جامع يوما فكفر ثم جامع يوما فكفر وكذلك إن لم يكفر فلكل يوم كفارة لأن فرض كل يوم غير فرض الماضيقال الشافعي وقال بعض الناس إن كفر ثم عاد بعد الكفارة كفر وإن لم يفكر حتى يعود فكفارة واحدة ورمضان كله واحد قال الشافعي فقيل لقائل هذا القول ليس في هذا خبر بما قلت والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا جامع مرة بكفارة وفي ذلك ما دل عندنا والله أعلم على أنه لو جامع يوما آخر أمر بكفارة لأن كل يوم مفروض عليه فإلى أي شيء ذهبت قال ألا ترى أنه لو جامع في الحج مرارا كانت عليه كفارة واحدة قلنا وأي شيء الحج من الصوم الحج شريعة والصوم أخرى قد يباح في الحج الأكل والشرب ويحرم في الصوم ويباح في الصوم اللبس والصيد والطيب ويحرم في الحجقال الشافعي والحج إحرام واحد ولا يخرج أحد منه إلا بكماله وكل يوم من شهر رمضان كماله بنفسه ونقصه فيه ألا ترى أنه يصوم اليوم من شهر رمضان ثم يفطر وقد كمل اليوم وخرج من صومه ثم يدخل في آخر فلو أفسده لم يفسد الذي قبله والحج متى أفسد عندهم قبل الزوال من يوم عرفة فسد كله وإن كان قد مضى كثير من عمله مع أن هذا القول خطأ من غير وجه الذي يقيسه بالحج يزعم أن المجامع في الحج تختلف أحكامه فيكون عليه شاة قبل عرفة ويفسد حجه وبدنة إذا جامع بعد الزوال ولا يفسد حجه وهذا عنده في الصوم لا يختلف في أول النهار وآخره إنما عليه رقبة فيهما ويفسد صومه فيفرق بينهما في كل واحدة منهما ويفرق بينهما في الكفارتين ويزعم أنه لو جامع يوما ثم كفر ثم جامع يوما آخر ثم كفر وهو لو كفر عنده في الحج عن الجماع ثم عاد لجماع آخر لم يعد الكفارة فإذا قيل له لم ذلك قال الحج واحد وأيام رمضان متفرقة قلت فكيف تقيس أحدهما بالأخر وهو يجامع في الحج فيفسده ثم يكون عليه أن يعمل عمل الحج وهو فاسد وليس هكذا الصوم ولا الصلاة قال الشافعي فإن قال قائل منهم فأقيسه بالكفارة قلنا هو من الكفارة أبعد الحانث يحنث غير عامد للحنث فيكفر ويحنث عامدا فلا يفكر عندك وأنت إذا جامع عامدا كفر وإذا جامع غير

صفحة : 570

عامد لم يكفر فكيف قسته بالكفارة والمفكر لا يفسد عملا يخرج منه ولا يعمل بعد الفساد شيئا يقضيه إنما يخرج به عندك من كذبة حلف عليها وهذا يخرة من صوم ويعود في مثل الذي خرج منه قال الشافعي ولو جامع صبية لم تبلغ أو أتى بهيمة فكفارة واحدة ولو جامع بالغة كانت كفارة لا يزاد عليها على الرجل وإذا كفر أجزأ عنه وعن امرأته وكذلك في الحج والعمرة وبهذا مضت السنة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل تكفر المرأة وأنه لم يقل في الخبر في الذي جامع في الحج تكفر المرأة قال الشافعي فإن قال قائل فما بال الحد عليها في الجماع ولا تكون الكفارة عليها قيل الحد لايشبه الكفارة ألا ترى أن الحد يختلف في الحر والعبد والثيب والبكر ولا يختلف الجماع عامدا في رمضان مع افتراقهما في غير ذلك فإن مذهبنا ومنا ندعي إذا فرقت الأخبار بين الشيء أن يفرق بينه كما فرقت قال الشافعي وإن جامع في قضاء رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أفسد صومه ولا كفارة عليه ولكن يقضي يوما مكان يومه الذي جامع فيه قال الشافعي وهكذا قال بعض الناس وهذا كان عندنا أولى أن يكفر لأن البدل في رمضان يقوم مقامه فإذا اقتصر بالكفارة على رمضان لأنها جاءت فيه في الجماع ولم يقس عليه البدل منه فكيف قاس عليه الطعام والشراب ولم تأت فيه كفارة قال الشافعي وإن جامع ناسيا لصومه لم يكفر وإن جامع على شبهة مثل أن يأكل ناسيا فيحسب أنه قد أفطر فيجامع على هذه الشبهة فلا كفارة عليه في مثل هذا قال الشافعي وهذا أيضا من الحجة عليهم في السهو في الصلاة إذا زعموا أن من جامع على شبهة سقطت عنه الكفارة فمن تكلم وهو يرى أن الكلام في الصلاة كان له مباحا أولى أن يسقط عنه فساد صلاته قال الشافعي وإن نظر فأنزل من غير لمس ولا تلذذ بها فصومه تام لا تجب الكفارة في رمضان إلا بما يجب به الحد أن يلتقي الختانان فأما ما دون ذلك فإنه لا يجب به الكفارة ولا تجب الكفارة في فطر في غير جماع ولا طعام ولا شراب ولا غيره وقال بعض الناس تجب إن أكل أو شرب كما تجب بالجماع

صفحة : 571

قال الشافعي فقيل لمن يقول هذا القول السنة جاءت في المجامع فمن قال لكم في الطعام والشراب قال قلناه قياسا على الجماع فقلنا أو يشبه الأكل والشرب الجماع فتقيسهما عليه قال نعم في وجه من أنهما محرمان يفطران فقيل لهم فكل ما وجدتموه محرما في الصوم يفطر قضيتم فيه بالكفارة قال نعم قيل فما تقول فيمن أكل طيبا أو دواء قال لا كفارة عليه قلنا ولم قال هذا لا يغذو الجسد قلنا إنما قست هذا بالجماع لأنه محرم يفطر وهذا عندنا وعندك محرم يفطر قال هذا لا يغذو الجسد قلنا وما أدراك أن هذا لا يغذو البدن وأنت تقول إن ازدرد من الفاكهة شيئا صحيحا فطره ولم يكفر وقد يغذو هذا البدن فيما نرى وقلنا قد صرت من الفقه رلى الطب فإن كنت صرت إلى قياس ما يغذو فالجماع يقص البدن وهو إخراج شيء ينقص البدن وليس بإدخال شيء فكيف قسته بما يزيد في البدن والجماع ينقصه وما يشبعه والجماع يجيع فكيف زعمت أن الحقنة والسعوط يفطران وهما لا يغذوان وإن اعتلك الغذاء ولا كفارة فيهما عندك كان يلزمك أن تنظر كل ما حكمت له بحكم الفطر أن تحكم فيه بالكفارة إن أردت القياس أخبرنا مالك بن أنس عن نافع ابن عمر أنه قال من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء قال الشافعي وهكذا نقول نحن وأنتم فقد وجدنا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرى على رجل إن أفطر من أمر عمده القضاء ولا يرى عليه الكفارة فيه وبهذا قلت لا كفارة إلا في جماع ورأيت الجماع لا يشبه شيئا سواه رأيت حده مباينا لحدود سواه ورأيت من رأيت من الفقهاء مجتمعين على أن المحرم إذا أصاب أهله أفسد حجه ومضى فيه وجاء بالبدل منه وقد يحرم عليه في الحج الصيد والطيب واللبس فأي ذلك فعله لم يفسد حجه غير الجماع ورأيت من جامع وجب عليه الغسل وليس كذلك من صنع ما هو أقذر منه فبهذا فرقنا بين الجماع وغيره قال الشافعي إن تلذذ بامرأته حتى نزل أفسد صومه وكان عليه قضاؤه وما تلذذ به دون ذلك كرهته ولا يفسد والله أعلم وإن أتى امرأته في دبرها فيبة أو فغيبة أو تلوط أفسد وكفر مع الإثم بالله في المحرم الذي أتى مع إفساد الصوم وقال بعض الناس في هذا كله لا كفارة عليه ولا يعيد صوما إلا أن ينزل فيقضى ولا يكفر قال الشافعي فخالفه بعض أصحابه في اللوطي ومن أتى امرأته في بدرها فقال يفسد وقال هذا

صفحة : 572

جماع وإن كان غير وجه الجماع المباح ووافقه في الآتى للبهيمة قال وكل جماع غير أن في هذا معصية لله عز وجل من وجهين فلو كان أحدهما يزاد عليه زيد على الآتي ما حرم الله من وجهين قال الشافعي ولا يفسد الكحل وإن تنخمه فالنخامة تجيء من الرأس باستنزاله والعين متصلة بالرأس ولا يصل إلى الرأس والجوف علمي ولا أعلم أحدا كره الكحل على أنه يفطر قال الشافعي ولا أكره الدهن وإن استنقع فيه أو في ماء فلا بأس وأكره العلك أنه يجلب الريق وإن مضغه فلا يفطره وبذلك إن تمضمض واستنشق ولا يستبلغ في الاستنشاق لئلا يذهب في رأسه وإن ذهب في رأسه لم يفطره فإن استيقن أنه قد وصل إلى الرأس أو الجوف من المضمضة وهو عامد ذاكر لصومه فطره قال الربيع وقد قال الشافعي مرة لا شيء عليه قال الربيع وهو أحب إلى وذلك أنه مغلوب قال الشافعي ولا أكره السواك بالعود الرطب واليابس وغيره بكره وأكرهه بالعشى لما أحب من خلوف فم الصائم وإن فعل لم يفطره وما داوى به قرحه من رطب أو يابس فخلص إلى جوفه فطره إذا داوى وهو ذاكر لصومه عامد لإدخاله في جوفه وقال بعض الناس يفطره الرطب ولا يفطره اليابس قال الشافعي فإن كان أنزل الدواء إذا وصل إلى الجوف بمنزلة المأكول أو المشروب فالرطب واليابس من المأكول عندهم سواء وإن كان لا ينزله إذا لم يكن من سبيل الأكل ولا الشرب بمنزلة واحد منهما فينبغي أن يقول لا يفطران فأما أن يقول يفطر أحدهما ولا يفطر الآخر فهذا خطأ قال الشافعي وأحب له أن ينزه صيامه عن اللغط والمشاتمة وإن شوتم أن يقول أنا صائم وإن شاتم لم يفطره قال الشافعي وإن قدم مسافر في بعض اليوم وقد كان فيه مفطرا وكانت امرأته حائضا فطهرت فجامعها لم أر بأسا وكذلك إن أكلا أو شربا وذلك أنهما غير صائمين وقال بعض الناس هما غير صائمين ولا كفارة عليهما إن فعلا أكره ذلك لأن الناس في المصر صيام قال الشافعي إما أن يكونا صائمين فلا يجوز لهما أن يفعلا أؤ يكونا غير صائمين فإنما يحرم هذا على الصائم قال الشافعي ولو توفى ذلك لئلا يراه أحد فيظن أنه أفطر في رمضان من غير علة كان أحب

صفحة : 573

إلى قال الشافعي ولو اشتبهت الشهور على أسير فتحرى شهر رمضان فوافقه أو ما بعده من الشهور فصام شهرا أو ثلاثين يوما أجزأه ولو صام ما قبله فقد قال قائل لا يجزيه إلا أن يصيبه أو شهرا بعده فيكون كالقضاء له وهذا مذهب ولو ذهب ذاهب إلى أنه إذا لم يعرفه بعينه فتأخاه أجزأه قبل كان أو بعد كان هذا مذهبا وذلك أنه قد يتأخى القبلة فإذا علم بعد كمال الصلاة أنه قد أخطأها أجزأت عنه ويجزي ذلك عنه في خطأ عرفة والفطر وإنما كلف الناس في المغيب الظاهر والأسير إذا اشتبهت عليه الشهور فهو مثل المغيب عنه والله أعلم قال الربيع وآخر قول الشافعي أنه لا يجزيه إذا صامه على الشك حتى يصيبه بعينه أو شهرا بعده وآخر قوله في القبلة كذلك لا يجزيه وكذلك لا يجزيه إذا تأخى وإن أصاب القبلة فعليه الإعادة إذا كان تأخيه بلا دلالة وأما عرفة ويوم الفطر والأضحى فيجزيه لأن هذا أمر إنما يفعله باجتماع العامة عليه والصوم والصلاة شيء يفعله في ذات نفسه خاصة قال الشافعي ولو أصبح يوم الشك لا ينوى الصوم ولم يأكل ولم يشرب حتى علم أنه من شهر رمضان فأتم صومه رأيت إعادة صومه وسواء رأى ذلك قبل الزوال أو بعده إذا أصبح لا ينوى صيامه من شهر رمضان قال الشافعي وأرى والله أعلم كذلك لو أصبح ينوى صومه تطوعا لم يجزه من رمضان ولا أرى رمضان يجزيه إلا بإرادته والله أعلم ولا أعلم بينه وبين نذر الصلاة وغير ذلك مما لا يجزى إلا بنية فرقا قال الشافعي ولو أن مقيما نوى الصيام قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرا لم يفطر يومه ذلك لأنه قد دخل في الصوم مقيما قال الربيع وفي كتاب غير هذا من كتبه إلا أن يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أفطر بالكديد أنه نوى صيم ذلك اليوم وهو مقيم قال الشافعي ولو نواه من الليل ثم خرج قبل الفجر كان كأن لم يدخل في الصوم حتى سافر وكان له إن شاء أن يتم فيصوم وإن شاء أن يفطر قال الشافعي وإذا تأخى الرجل القبلة بلا دلائل فلما أصبح علم أنه أصاب القبلة كانت عليه الإعادة لأنه صلى حين صلى على الشك قال الشافعي وقد نهى عن صيام السفر وإنما نهى عنه عندنا والله أعلم على الرفق بالناس لا

صفحة : 574

على التحريم ولا على أنه لا يجزي وقد يسمع بعض الناس النهى ولا يسمع ما يدل على معنى النهي فيقول بالنهى جملة قال الشافعي والدليل على ما قلت لك أنه رخصة في السفر أن مالكا أخبرنا عن هشام بن عروة عن أبيه عان عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله أصوم في السفر وكان كثير الصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم وإن شئت فأفطر أخبرنا مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم قال الشافعي وهذا دليل على ما وصفت فإن قال إنسان فإنه قد سمى الذين صاموا العصاة فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصيام في السفر للتقوي للعدو وذلك أنه كان محاربا عام نهى عن الصيام في السفر فأبى قوم إلا الصيام فسمى بعض من سمع النهي العصاة إذ تركوا الفطر الذي أمروا به وقد يمكن أن يكون قد قيل لهم ذلك على أنهم تركوا قبول الرخصة ورغبوا عنها وهذا مكروه عندنا إنما نقول يفطر أو يصوم وهو يعلم أن ذلك واسع له فإذا جاز ذلك فالصوم أحب إلينا لمن قوى عليه قال الشافعي فإن قيل فقد روى ليس من البر الصيام في السفر قيل ليس هذا بخلاف حديث هشام بن عروة ولكنه كما وصفت إذا رأى الصيام برا والفطر مأتما وغير بر رغبة عن الرخصة في السفر قال الشافعي وإذا أدرك المسافر الفجر قبل أن يصل إلى بلده أو البلد الذي ينوى المقام به وهو ينوى الصوم أجزأه وإن أزمع الفطر ثم أزمع الصوم بعد الفجر لم يجزه في حضر كان أو في سفر وإن سافر فلم يصم حتى مات فليس عليه قضاء ما أفطر لأنه كان له أن يفطر وإنما عليه القضاء إذا لزمه أن يصوم وهو مقيم فترك الصوم فهو حينئذ يلزم بالقضاء ويكفر عنه بعد موته وكذلك المريض لا يصح حتى يموت فلا صوم عليه ولا كفارة
ID ‘ ‘ خمسا إذ لا يمكن إرادة الليالي في الصوم وصار اليوم كأنه مندرج تحت اسم الليلة وجزء منها

فيدل عليه باسمها سواء أريدت حقيقة ذلك الاسم من الليلة واليوم تابع لها أم لم ترد واقتصر

على إرادة ما يتبعها وهو اليوم.

صفحة : 575

باب صيام التطوع
قال الشافعي والمتطوع بالصوم مخالف للذي عليه الصوم من شهر رمضان وغيره الذين يجب عليهم الصوم لا يجزيهم عندي إلا إجماع الصوم قبل الفجر والذي يتطوع بالصوم ما لم يأكل ولم يشرب وإن أصبح يجزيه الصوم وإن أفطر المتطوع من غير عذر كرهته له ولا قضاء عليه وخالفنا في هذا بعض الناس فقال عليه القضاء وإذا دخل في شيء فقد أوجبه على نفسه واحتج بحديث الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة وحفصة أن يقضيا يوما مكان يومهما الذي أفطرتا فيه قال الشافعي فقيل له ليس بثابت إنما حدثه الزهري عن رجل لا نعرفه ولو كان ثابتا كان يحتمل أن يكون إنما أمرهما على معنى إن شاءتا والله أعلم كما أمر عمر أن يقضى نذرا نذره في الجاهلية وهو على معنى إن شاء قال فما دل على معنى ما قلت فإن الظاهر من الخبر ليس فيه ما قلت قال الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا خبأنا لك حيسا فقال أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه قال الشافعي فقلت له لو كان على المتطوع القضاء إذا خرج من الصوم لم يكن له الخروج منه من غير عذر وذلك أن الخروج حينئذ منه لا يجوز وكيف يجوز لأحد أن يخرج من عمل عليه تمامه من غير عذر إذا كان عليه أن يعود فيه لم يكن له أن يخرج منه قال الشافعي والاعتكاف وكل عمل له قبل أن يدخل فيه أن لا يدخل فيه فله الخروج قبل إكماله وأحب إلى لو أتمه إلا الحج والعمرة فقط فإن قال قائل فكيف أمرته إذا أفسد الحج والعمرة أن يعود فيهما فيقضيهما مرتين دون الأعمال قلنا لا يشبه الحج والعمرة الصوم ولا الصلاة ولا ما سواهما ألا ترى أنه لا يختلف أحد في أنه يمضى في الحج والعمرة على الفساد كما يمضى فيهما قبل الفساد ويكفر ويعود فيهما ولا يختلف أحد في أنه إذا أفسد الصلاة لم يمض فيها ولم يجز له أن يصليها فاسدة بلا وضوء وهكذا الصوم إذا أفسد لم يمض فيه أو لا ترى أنه يكفر في الحج والعمرة متطوعا كان أو واجبا عليه كفارة واحدة ولا يكفر في الصلاة على كل حال ولا في الاعتكاف ولا في التطوع في الصوم وقد روى الذين يقولون بخلافنا في هذا عن ابن عمر أنه صلى

صفحة : 576

باب أحكام من أفطر في رمضان
قال الشافعي رحمه الله تعالى من أفطر أياما من رمضان من عذر مرض أو سفر قضاهن في أي وقت ما شاء في ذي الحجة أو غيرها وبينه وبين أن يأتى عليه رمضان آخر متفرقات أو مجتمعات وذلك أن الله عز وجل يقول فعدة من أيام أخر ولم يذكرهن متتابعات وقد بلغنا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحصيت العدة فصمهن كيف شئت قال وصوم كفارة اليمين متتابع والله أعلم فإن مرض أو سافر المفطر من رمضان فلم يصح ولم يقدر حتى يأتى عليه رمضان آخر قضاهن ولا كفارة وإن فرط وهو يمكنه أن يصوم حتى يأتى رمضان آخر صام الرمضان الذي جاء عليه وقضاهن وكفر عن كل يوم بمد حنطة قال الشافعي والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما لم تفطرا فإن خافتا على ولديهما أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم بمد حنطة وصامتا إذا أمنتا على ولديهما قال الشافعي وإن كانتا لا تقدران على الصوم فهذا مثل المرض أفطرتا وقضتا بلا كفارة إنما تكفران بالأثر وبأنهما لم تفطرا لأنفسهما إنما أفطرتا لغيرهما فذلك فرق بينهما وبين المريض لا يكفر والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يتصدق عن كل يوم بمد حنطة خبرا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقياسا على من لم يطق الحج أن يحج عنه غيره وليس عمل غيره عنه عمله نفسه كما ليس الكفارة كعمله قال الشافعي والحال التي يترك بها الكبير الصوم أن يكون يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك المريض والحامل قال الشافعي وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر والحامل إذا خافت على ولدها أفطرت وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها الإضرار البين فأما ما كان من ذلك محتملا فلا يفطر صاحبه والصوم قد يزيد عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينتقص بعض اللبن ولكنه نقصان محتمل فإذا تفاحش أفطرتا قال الشافعي فكأنه يتأول إذا لم يطق الصوم الفدية والله أعلم فإن قال قائل فكيف يسقط عنه فرض الصلاة إذا لم يطقها ولا يسقط فرض الصوم قيل ليس يسقط فرض الصلاة في حال تفعل فيها الصلاة ولكنه يصلى كما يطيق قائما أو قاعدا أو مضطجعا فيكون بعض هذا بدلا من بعض وليس شيء غير الصلاة بدلا من الصلاة ولا الصلاة بدلا من شيء فالصوم لا يجزي فيه إلا

صفحة : 577

إكماله ولا يتغير بتغير حال صاحبه ويزال عن وقته بالسفر والمرض لأنه لا نقص فيه كما يكون بعض الصلاة قصرا وبعضها قاعدا وقد يكون بدلا من الطعام في الكفارة ويكون الطعام بدلا منه قال الشافعي ومن مرض فلم يصح حتى مات فلا قضاء عليه إنما القضاء إذا صح ثم فرط ومن مات وقد فرط في القضاء أطعم عنه مكان كل يوم مسكين مدا من طعام قال الشافعي ومن نذر أن يصوم سنة صامها وأفطر الأيام التي نهى عن صومها وهي يوم الفطر والأضجى وأيام منى وقضاها ومن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان صامه وإن قدم فلان وقد مضى من النهار شيء أو كان يوم فطر قضاه وإن قدم ليلا فأحب إلى أن يصوم الغد بالنية لصوم يوم النذر وإن لم يفعل لم أره واجبا قال الشافعي ومن نذر أن يصوم يوم الجمعة فوافق يوم فطر أفطر وقضاه ومن نوى أن يصوم يوم الفطر لم يصمه ولم يقضه لأنه ليس له صومه وكذلك لو أن امرأة نذرت أن تصوم أيام حيضها لم تصمه ولم تقضه لأنه ليس لها أن تصومها قال الربيع وقدقال الشافعي مرة من نذر صوم يوم يقدم فلان فوافق يوم عيد لم يكن عليه شيء ومن نذر صوم يوم يقدم فيه فلان فقدم في بعض النهار لم يكن عليه شيء
ID ‘ ‘ ونقل أبو حيان أنه يقال: صمت خمسة وأنه فصيح. وهذا إن صح لا يعارض قول سيبويه

والزمخشري لأنهما إنما قالا فيما يمكن إرادة الليالي والأيام جميعا ولا شك أنه عند إراتهما تغلب

الليالي فيضعف التذكير وأما عند إرادة المذكر فقط فالتذكير وإثبات الهاء هو الأصل والحذف

ورد في الحديث وحكاه الكسائي فالوجهان فيه فصيحان بخلاف القسم الأول فإن الحذف فيه

أفصح هذا إن ثبت: صمنا خمسة كما ادعاه أبو حيان ولعله أخذه من ابن عصفور فإن

ثبت ذلك صريحا من كلام غيره وإلا فليتوقف فيه.

وقال شيخنا ابو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط المعدود أو

ثبوت الهاء في (ستة) مع ثبوت الأيام هو المحفوظ الفصيح وورد في بعض الطرق المتقدمة

للدراوردي وحفص بن غياث ثبوت الهاء في: (ستة من شوال) مع سقوط الأيام وهو غريب

غير صحيح ولا فصيح. انتهى ما قاله وذكر ذلك في فضل إتباع رمضان بست من شوال

وجمع فيه طرق الحديث الوارد فيها فرواه من نيف وستين طريقا ليس فيها ثبوت التاء مع

سقوط المعدود إلا من الطريقين اللذين ذكرهما وهو غلط من بعض الرواة الذين لا يتقنون لفظ

صفحة : 578

كتاب الاعتكاف
أخبرنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي والاعتكاف سنة فمن أوجب على نفسه اعتكاف شهر فإنه يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس ويخرج منه إذا غربت الشمس آخر الشهر قال ولا بأس بالاشتراط في الاعتكاف الواجب وذلك أن يقول إن عرض لي عارض كان لي الخروج ولا بأس أن يعتكف ولا ينوي أياما ولا وجوب اعتكاف متى شاء انصرف والاعتكاف في المسجد الجامع أحب إلينا وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة وإذا أوجب على نفسه اعتكافا في مسجد فانهدم المسجد اعتكف في موضع منه فإن لم يقدر خرج من الاعتكاف وإذا بنى المسجد رجع فبنى على اعتكافه ويخرج المعتكف لحاجته إلى البول والغائط إلى بيته إن شاء أو غيره ولا يمكث بعد فراغه من حاجته ولا بأس أن يسأل عن المريض إذا دخل منزله ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويجالس العلماء ويتحدث بما أحب ما لم يكن إثما ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال قال ولا يعود المريض ولا يشهد الجنازة إذا كان اعتكافا واجبا ولا بأس أن يعتكف المؤذن ويصعد المنارة كانت داخلة المسجد أو خارجة منه وأكره له الأذن للوالي بالصلاة ولا بأس أن يقضى وإن كانت عنده شهادة فدعى إليها فإن يلزمه أن يجيب فإن أجاب يقضى الاعتكاف وإن أكل المعتكف في بيته فلا شيء عليه وإذا مرض الذي أوجب على نفسه الاعتكاف خرج فإذا برىء رجع فبنى على مامضى من اعتكافه فإن مكث بعد برئه شيئا من غير عذر استقبل الاعتكاف وإذا خرج المعتكف لغير حاجة انتقض اعتكافه وإذا أفطر المعتكف أو وطيء استأنف اعتكافه إذا كان اعتكافا واجبا بصوم وكذلك المرأة إذا كانت معتكفة قال وإذا جعل لله عليه شهرا ولم يسم شهرا بعينه ولم يقل متتابعا اعتكف متى شاء وأحب إلى أن يكون متتابعا ولا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد لا تفسده قبلة ولا مباشرة ولا نظرة أنزل أو لم ينزل وكذلك المرأة كان هذا في المسجد أو في غيره وإذا قال لله علي أن أعتكف شهرا بالنهار فله أن يعتكف النهار دون الليل وكذلك لو قال لله على أن لا أكلم فلانا شهرا بالنهار وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بعينه فذهب الشهر وهو لا يعلم فعليه أن يعتكف شهرا سواه وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر فاعتكفه إلا يوما فعليه قضاء ذلك اليوم وإذا اعتكف الرجل اعتكافا واجبا فأخرجه السلطان أو غيره مكرها فلا شيء عليه متى خلا بنى على اعتكافه وكذلك إذا أخرجه بحد أو دين فحبسه فإذا خرج رجع فبنى وإذا سكر

صفحة : 579

المعتكف ليلا أو نهارا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتديء إذا كان واجبا وإذا خرج المعتكف لحاجة فلقيه غريم له فلا بأس أن يوكل به وإذا كان المعتكف الذي عليه الدين يحبسه الطالب عن الاعتكاف فإذا خلاه رجع فبنى وإذا خاف المعتكف من الوالي خرج فإذا أمن بنى والاعتكاف الواجب أن يقول لله على أن أعتكف كذا وكذا والاعتكاف الذي ليس بواجب أن يعتكف ولا ينوي شيئا فإن نوى المعتكف يوما فدخل نصف النهار في الاعتكاف اعتكف إلى مثله وإذا جعل لله عليه اعتكاف يوم دخل قبل الفجر إلى غروب الشمس وإذا جعل لله عليه اعتكاف يومين دخل قبل الفجر فيعتكف يوما وليلة ويوما إلا أن يكون له نية النهار دون الليل وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بصوم ثم مات قبل أن يقضيه فإنه يطعم عنه مكان كل يوم مدا فإن كان جعل على نفسه وهو مريض فمات قبل أن يصح فلا شيء عليه فإن كان صح أقل من شهر ثم مات أطعم عنه بعدد ما صح من الأيام كل يوم مدا قال الربيع إذا مات وقد كان عليه أن يعتكف ويصوم أطعم عنه وإذا لم يمكنه فلا شيء عليه ولا بأس أن يعتكف الرجل الليلة وكذلك لا بأس أن يعتكف يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق والاعتكاف يكون بغير صوم فإذا قال لله علي أن أعتكف يوم يقدم فلان فلان في أول النهار أو آخره اعتكف ما بقى من النهار وإن قدم وهو مريض أو محبوس فإنه إذا صح أو خرج من الحبس قضاه وإن قدم ليلا فلا شيء عليه وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر سماه فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه قال وإذا أحرم المعتكف بالحج وهو معتكف أتم اعتكافه فإن خاف فوات الحج مضى لحجه فإن كان اعتكافه متتابعا فإذا قدم من الحج استأنف وإن كان غير متتابع بنى والاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه وكذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما عظم من المساجد وكثر أهله فهو أفضل والمرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاءوا لأنهم لا جمعة عليهم وإذا جعلت المرأة على نفسها اعتكفا فلزوجها منعها منه وكذلك لسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم فإذا أذن لهم ثم أراد منعهم قبل تمام ذلك فذلك له وليس لسيد المكاتب منعه من الاعتكاف وإذا جعل العبد المعتق نصفه عليه اعتكافا أياما فله أن يعتكف يوما ويخدم يوما حتى يتم اعتكافه وإذا جن المعتكف فأقام سنين ثم أفاق بنى والأعمى والمقعد في الاعتكاف كالصحيح ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة ما بدا لهما من الثياب ويأكلا ما بدا لهما من الطعام ويتطيبا لما بدا لهما من الطيب ولا بأس أن ينام في المسجد ولا بأس بوضع المائدة في المسجد

صفحة : 580

وغسل اليدين في المسجد في الطست ولو نسى المعتكف فخرج ثم رجع لم يفسد اعتكافه ولا بأس أن يخرج المعتكف رأسه من المسجد إلى بعض أهله فيغسله فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بأس أن ينكح المعتكف نفسه وينكح غيره وإذا مات عن المعتكفة زوجها خرجت وإذا قضت عدتها رجعت فبنت وقد قيل ليس لها أن تخرج فإن فعلت ابتدأت والله أعلم
كتاب الحج

باب فرض الحج على من وجب عليه الحج
أخربنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب الله تعلى ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الله عز وجل الحج في غير موضع من كتابه فحكى أنه قال لإبراهيم عليه السلام وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق وقال تبارك تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام مع ما ذكر به الحج قال الشافعي والآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه قال الله جل ذكره ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين وقال وأتموا الحج والعمرة لله وهذه الآية موضوعة بتفسيرها في العمرة قال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيننة عن ابن أبي نجيح عن عكرمة قال لما نزلت ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الآية قالت اليهود فنحن مسملون فقال الله تعالى لنبيه فحجهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حجوا فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا قال الله جل ثناؤه ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين قال عكرمة من كفر من أهل الملل فإن الله غنى عن العالمين وما أشبه ما قال عكرمة بما قال والله أعلم لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله والكفر بآية من كتاب الله كفر أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن أبن جريج قال قال مجاهد في قول الله عز وجل ومن كفر قال هو ما إن حج لم يره برا وإن جلس لم يره إثما كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج قال الشافعي ومن كفر بآية من كتبا الله كان كافرا وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد وما قال

صفحة : 581

عكرمة فيه أوضح وإن كان هذا واضحا قال الشافعي فعم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلا فإن قال قائل فلم لا يكون غير البالغ إذا وجد إليه سبيلا ممن عليه فرض الحج قيل الاستدلال بالكتاب والسنة قال الله جل ذكره وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم يعنى الذين أمرهم بالاستئذان من البالغين فأخبر أنهم إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا قال الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فلم يأمر بدفع المال إليهم بالرشد حتى يجتمع البلوغ معه وفرض الله الجهاد في كتابه ثم أكد اليقين فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبدالله بن عمر حريصا على أن يجاهد وأبوه حريص على جهاده وهو ابن أربع عشرة سنة فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد ثم أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغ خمس عشرة سنة عام الخندق ورسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله ما أنزل جملا من إرادته جل شأنه فاستدللنا بأن الفرائض والحدود إنما تجب على البالغين وصنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد مع ابن عمر ببضعة عشر رجلا كلهم في مثل سنه قال الشافعي فالحج واجب على البالغ العاقل والفرائض كلها وإن كان سفيها وكذلك الحدود فإذا حج بالغا عاقلا أجزأ عنه ولم يكن عليه أن يعود لحجة أخرى إذا صار رشيدا وكذلك المرأة البالغة قال وفرض الحج زائل عمن بلغ مغلوبا على عقله لأن الفرائض على من عقلها وذلك أن الله عز وجل خاطب بالفرائض من فرضها عليه في غير آية من كتابه ولا يخاطب إلا من يعقل المخاطبة وكذلك الحدود ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك على ما دل عليه كتاب الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القلم على ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ فإن كان يجن ويفيق فعليه الحج فإذا حج مفيقا أجزأ عنه وإن حج في حال جنونه لم يجز عنه الحج وعلى ولي السفيه البالغ أن يتكارى له ويمونه في حجه لأنه واجب عليه ولا يضيع السفيه من الفرائض شيئا وكذلك ولي السفيهة البالغة قال الشافعي ولو حج غلام قبل بلوغ الحلم واستكمال خمس عشرة سنة ثم عاش بعدها بالغا لم يحج لم تقض الحجة التي حج قبل البلوغ عنه حجة الإسلام وذلك أنه حجها قبل أن تجب عليه وكان في معنى من صلى فريضة قبل وقتها الذي تجب عليه فيه في هذا الموضع فيكون بها

صفحة : 582

متطوعا كما يكون بالصلاة متطوعا ولم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج ولو أذن لممولك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعا لا يجزي عنه من حجة الإسلام إن عتق ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج بعد ما ثبتت عليه فريضة الحج قال ولو حج كافر بالغ ثم أسلم لم تجز عنه حجة الإسلام لأنه لا يكتب له عمل يؤدي فرضا في بدنه حتى يصير إلى الإيمان بالله ورسوله فإذا أسلم وجب عليه الحج قال وكان في الحج مؤنة في المال وكان العبد لا مال له لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع فدل ذلك على أن لا مال للعبد وإن ما ملك فإنما هو ملك للسيد وكان المسلمون لا يورثون العبد من ولده ولا والده ولا غيرهم شيئا فكان هذا عندنا من أقاويلهم استدلالا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا يملك إلا لسيده وكان سيده غير الوارث وكان المسلمون لا يجعلون على سيده الإذن له إلى الحج فكان العبد ممن لا يستطيع إليه سبيلا فدل هذا على أن العبيد خارجون من فرض الحج بخروجهم من استطاعة الحج وخارج من الفرض لو أذن له سيده ولو أذن له سيده وحج لم تجز عنه فإن قال قائل فكيف لا تجزي عنه قلت لأنها لا تلزمه وأنها لا تجزي عمن لم تلزمه قال ومثل ماذا قلت مثل مصلى المكتوبة قبل وقتها وصائم شهر رمضان قبل إهلاله لا يجزيء عن واحد منهما إلا في وقته لأنه عمل على البدن والعمل على البدن لا يجزي إلا في الوقت والكبير الفاني القادر يلزمه ذلك في نفسه وفي غيره وليس هكذا المملوك ولا غير البالغ من الأحرار فلو حجا لم تجز عنهما حجة الإسلام إذا بلغ هذا وعتق هذا وأمكنهما الحج
ID ‘ ‘ الحديث.

وذكر الواحدي وغيره من المفسرين أن سقوط التاء من قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن أربعة

أشهر وعشرا) لتغليب الليالي على الأيام. انتهى.

هذا كله في الأيام والليالي أما إذا كان المعدود مذكرا أو مؤنثا غيرها فلا وجه إلا مطابقة

القاعدة الأصلية من إثبات التاء في المذكر وحذفها في المؤنث ذكرت المعدود أو حذفته قال

تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون

خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) وقال تعالى: (ما يكون م

ثلاثة إلا رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) و قال تعالى: (عليها تسعة عشر) وقال تعالى:

صفحة : 583

باب تفريع حج الصبي والمملوك
قال الشافعي رحمه الله تعالى ليس على الصبي حج حتى يبلغ الغلام الحلم والجارية المحيض في أي سن ما بلغاها أو استكملا خمس عشرة سنة فإذا بلغا استكمال خمس عشرة سنة أو بلغا المحيض أو الحلم وجب عليهما الحج قال وحسن أن يحجا صغيرين لا يعقلان ودون البالغين يعقلان يجردان للاحرام ويجتنبان ما يجتنب الكبير فإذا أطاقا عمل شيء أو كانا إذا أمرا به عملاه عن أنفسهما ما كان فإن لم يكونا يطيقانه عمل عنهما وسواء في ذلك الصلاة التي تجب بالطواف أو غيرها من عمل الحج فإن قال قائل أفتصلى عنهما المكتوبة قيل لا فإن قال فما فرق بين المكتوبة وبين الصلاة التي وجبت بالطواف قيل تلك عمل من عمل الحج وجبت به كوجوب الطواف والوقوف به والرمى وليست بفرض على غير حاج فتؤدى كما يؤدى غيرها فإن قال قائل فهل من فرق غير هذا قيل نعم الحائض تحج وتعتمر فتقضى ركعتى الطواف لا بد منهما ولا تقضى المكتوبة التي مرت في أيام حيضها قال والحج في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للمرء أن يحج عن غيره وفي ذلك أن عمله عنه يجزيء كما أجزأ عمله عن نفسه فمن علم هذا علم أنه مضطر إلى أن يقول لا يبقى من عمل الحج عنه شيئا فلو جاز أن يبقى من عمل الحج صلاة جاز أن يبقى طواف ورمى ووقوف ولكنه يأتى بالكمال عمن عمل عنه كما كان على المعمول عنه أن يأتى بالكمال عن نفسه قال ولا أعلم أحدا ممن سمعت منه في هذا شيئا خالف فيه ما وصفت وقد حكى لي عن قائل أنه قال يعمل عنه غير الصلاة وأصل قول القائل هذا أنه لا يحج أحد عن أحد إلا في بعض الأحوال دون بعض فكيف جاز أن يأمر بالحج في حال لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فيه ويتركها حيث أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وكيف إذا ترك أصل قوله في حال يحج المرء فيها عن غيره أو يعمل فيها شيئا من عمل الحج عن غيره لم يجعل الصلاة التي تجب بالحج مما أمر بعمله في الحج غير الصلاة فإن قال قائل فما الحجة أن للصبي حجا ولم يكتب عليه فرضه قيل إن الله بفضل نعمته أناب الناس عن الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم أعمالهم فقال ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء فلما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى فإن قال قائل ما على ما وصفت فقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين أنهم يدخولون الجنة فالحجة فيه عن رسول الله صلى الله عليه

صفحة : 584

وسلم قال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قفل فلما كان بالروحاء لقى ركبا فسلم عليهم فقال من القوم فقالوا مسلمون فمن القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر أخبرنا مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي في محفتها فقيل لها هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت ألهذا حج قال نعم ولك أجر قال الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم إيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه وإن عتق قبل أن يموت فليحجج وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضى عنه حجه وإن بلغ فليحجج أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء قال وتقضى حجة العبد عنه حتى يعتق فإذا عتق وجبت عليه من غير أن تكون واجبة عليه قال الشافعي هذا كما قال عطاء في العبد إن شاء الله ومن لم يبلغ وقد بين معنى قوله ومعنى قول ابن عباس عندنا هكذا وقوله فإذا عتق فليحجج يدل على أنها لو أجزأت عنه حجة الإسلام لم يأمره بأن يحج إذا عتق ويدل على أنه لا يراها واجبة عليه في عبوديته وذلك أنه وغيره من أهل الإسلام لا يرون فرض الحج على أحد إلا مرة لأن الله عز وجل يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فذكره مرة ولم يردد ذكره مرة أخرى قال الشافعي أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج أنه قال لعطاء أرأيت إن حج العبد تطوعا يأذن له سيده بحج لا أجر نفسه ولا حج به أهله يخدمهم قال سمعنا أنه إذا عتق حج لا بد أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن ابن طاوس أن أباه كان يقول تقضى حجة الصغير عنه حتى يعقل فإذا عقل وجبت عليه حجة لا بد منها والعبد كذلك أيضا قالا وأخبرنا ابن جريج أن قولهم هذا هذا عن ابن عباس قال الشافعي وقولهم إذا عقل الصبي إذا احتلم والله أعلم ويروي عن عمر في الصبي والمملوك

صفحة : 585

مثل معنى هذا القول فيجتمع المملوك وغير البالغين والعبد في هذا المعنى ويتفرقان فيما أصاب كل واحد منهما في حجه الإذن للعبد قال الشافعي إذا أذن الرجل لعبده بالحج فأحرم فليس له منعه أن يتم على إحرامه وله بيعه وليس لمبتاعه منعه أن يتم إحرامه ولمبتاعه الخيار إذا كان لم يعلم بإحرامه لأنه محول بيته وبين حبسه لمنفعته إلى أن ينقضى إحرامه وكذلك الأمة وكذلك الصبيان إذا أذن لهما أبوهما فأحرما لم يكن له حبسهما قال ولو أصاب العبد امرأته فبطل حجه لم يكن لسيده حبسه وذلك لأنه مأمور بأن يمضي في حج فاسد مضيه في حج صحيح ولو أذن له في الحج فأحرم فمنعه مرض لم يكن له حبسه إذا صح عن أن يحل بطواف وإن أذن له في حج فلم يحرم كان له منعه ما لم يحرم قال وإن أذن له أن يتمتع أو يقرن فأعطاه دما للمتعه أو القران لم يجز عنه لأن العبد لا يملك شيئا فإذا ملكه شيئا فإنما ملكه للسيد فلا يجزي عنه ما لا يكون له مالكا بحال وعليه فيما لزمه الصوم ما كان مملوكا فإن لم يصم حتى عتق ووجد ففيها قولان أحدهما أن يكفر كفارة الحر الواجد والثاني لا يكفر إلا بالصوم لأنه لم يكن له ولا عليه في الوقت الذي أصاب فيه شيء إلا الصوم ولو أذن له في الحج فأفسده كان على سيده أن يدعه يتم عليه ولم يكن له على سيده أن يدعه يقضيه فإن قضاه أجزأ عنه من القضاء وعليه إذا عتق حجة الإسلام ولو لم يأذن للعبد سيده بالحج فأحرم به كان أحب إلى أن يدعه يتمه فإن لم يفعل فله حبسه وفيها قولان أحدهما أن عليه إذا حبسه سيده عن إتمام حجه شاة يقومها دراهم ثم يقوم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما ثم يحل والقول الثاني يحل ولا شيء عليه حتى يعتق فيكون عليه شاة ولو أذن السيد لعبده فتمتع فمات العبد أخبرنا سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال إذا أذنت لعبدك فتمتع فمات فاغرم عنه فإن قال قائل فهل يجوز أن يفرق بين ما يجزي العبد حيا من إعطاء سيده عنه وما يجزيه ميتا فنعم أما ما أعطاه حيا فلا يكون له إخراجه من ملكه عنه حيا حتى يكون المعطى عنه مالكا له والعبد لا يكون مالكا وهكذا ما أعطى عن الحر بإذنه أو وهبه للحر فأعطاه الحر عن نفسه قد ملك الحر في الحالين ولو أعطى عن حر بعد موته أو عبد لم يكن الموتى يملكون شيئا أبدا ألا ترى أن من وهب لهم أو أوصى أو تصدق عليهم لم يجز وإنما أجزنا أن يتصدق عنهم بالخبر عن رسول