جامعة الأزهر
كلية أصول الدين والدعوة
حولية الكلية
العدد السابع عشر

اختلاف المفسرين
أسبابه وضوابطه

إعداد
أحمد محمد الشرقاوي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد بكلية أصول الدين والدعوة
جامعة الأزهر
بحث محكم وصالح للنشر بالحولية
العدد السابع عشر
1425 هـ – 2004 م

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة حق نسأله تعالى أن يثبتنا عليها في الحياة وعند الممات ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه رحمة لجميع الكائنات ، وأرسله بالهدي ودين الحق ليظهره علي سائر الديانات ، وأنزل عليه آيات بينات ، وبراهين نيرات ، عصمة ونجاة ، ودستورا للحياة ، من سار علي دربه فاز بالجنات ومن أعرض عنه وسار وراء الأهواء والضلالات مُـني بالحسرات وطُرح في الدركات 0
وبعد فالقرآن الكريم هو الحجة البالغة والمعجزة الخالدة معين لا ينضب وعطاء متجدد ونهر فياض وبحر لا ساحل له ، لا عزة ولا كرامة إلا لمن استمسك به قال تعالى فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَي صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {43} وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ {44} سورة الزخرف
كتاب عزيز : عزيز لأنه نزل من عند العزيز ، عزيز لأنه سبيل العزة لكل من آمن به ، عزيز لا مثيل له ولا شبيه فهو كتاب فريد 0
عزيز : بعيد عن أيدي العابثين التي امتدت إلى الكتب السابقة بالتحريف والتبديل ، بعيد عن أي تناقض أو اضطراب قال تعالى  وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ {41} لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  سورة فصلت{42} وقال جل وعلا أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا  النساء {82}
فلو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه ، لكن المتأمل في قصصه وأمثاله وحكمه وأحكامه وما فيه من الوعد والوعيد مع التكرار والتنوع في العرض والتفنن في الأساليب لا يجد فيه أدني اختلاف أو تفاوت .
ومصداق هذا أيضا قوله عز وجل في سورة الزمر اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَي ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَي اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23} يشبه بعضه بعضا في كونه على أعلى رتبة في الفصاحة والبيان وروعة النظم وجمال الأساليب وسمو المقاصد ورفعة المعاني .
هذا وإن دراسة اختلاف المفسرين ومعرفة أسبابه وأنواعه وضوابطه من الأمور الضرورية التي لا غني عنها ؛ لمعرفة كيف نتعامل مع كتب التفسير ، سيما ما ورد فيها من أقوال متعددة متنوعة ، ومعرفة كيف نميز بين الاختلاف المحمود وبين الاختلاف المذموم ، وكيف نرد على أعداء ديننا الذين جعلوا من الاختلاف ذريعة للطعن في كتاب الله تعالى بل وجعلوا من الأقوال الشاذة والروايات الواهية ملمزا ومُدَّخلا لمطاعنهم وأباطيلهم .
ومن أدعياء الإسلام من بات يوجه الافتراءات إلي المفسرين جميعا دون تفريق بين المحققين منهم وحاطبي الليالي : الذين يجمعون وينقلون دون تمييز بين الغث والسمين ، بين الصحيح والسقيم ولا بين مفسري أهل السنة والجماعة ومفسري الفرق الضالة الذين حمّلوا النصوص ما لا تحتمل ، يلوون الكلم عن مواضعه بكل تعسف وتكلف وإعراض وعناد وإصرار واستكبار ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .

وفي هذا البحث نتناول معنى الاختلاف والفرق بينه وبين الخلاف وأنواع الاختلاف وأسبابه مع ذكر أمثلة لكل نوع ، وبيان القواعد والضوابط التي نتعامل من خلالها مع أنواع الاختلاف .
والأسباب التي ذكرتها والأمثلة التي أوردتها ما هي إلا بيان وإيضاح وليس علي سبيل الحصر والاستقصاء وإنما أوردتها لنتعرف من خلالها علي طبيعة هذا الاختلاف وحدوده ومعالمه .
وفي هذا البحث تناولت مفهوم الاختلاف المذموم ” اختلاف التضاد ” وذكرت أسبابه وأوردت نماذج له ، وبينت ضوابط التعامل معه ، ثم عقبت ذلك ببيان أسباب الاختلاف المحمود اختلاف التنوع وذكر أمثلته وضوابطه .

وبعد فهذا البحث المتواضع ما هو إلا خطوة على هذا الطريق الذي أقامنا الله عليه أسأل الله تعالى أن ينفع به وأن أنتفع من توجيهات أساتذتي وزملائي ، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم .

أحمد محمد الشرقاوي سالم
أستاذ مساعد بجامعة الأزهر
القصيم عنيزة 1425هـ
Sharkawe2000@yahoo.com
sharkawe@alquran.org.sa

اختلاف المفسرين
مفهومه
الاختلاف لغة ضد الاتفاق
والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله .
ولقد ذكر بعض العلماء فروقا بين الاختلاف والخلاف ؛ منها أن الخلاف أعم من الضد لأن كل ضدين مختلفين ، وليس كل مختلفين ضدين .
والاختلاف يستند إلي دليل ، أما الخلاف فإنه لا يستند إلي دليل .
وفي الاختلاف يكون الطريق مختلفا والمقصود واحدا ، أما الخلاف فكلاهما مختلف .
وقال بعضهم : الاختلاف يستعمل في قول بُني علي دليل ، والخلاف فيما لا دليل عليه

والذي أراه أن الاختلاف قد يراد به اختلاف التنوع وقد يراد به اختلاف التضاد وكذلك الخلاف قد يرد لأحد المعنيين .
من ذلك قول الشاعر
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلافا له حظ من النظر

أنواعه
الاختلاف في التفسير: نوعان : اختلاف تنوع وهو الاختلاف المحمود ، واختلاف تضاد وهو المذموم
وفيما يلي بيان ذلك :
أولا : الاختلاف المذموم
وقد جاء تعريفه في الإتقان بأنه ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر ( ) .
فهو اختلاف التضاد لأنه فيما لا مجال فيه للاختلاف وذلك كاختلاف الفرق الضالة المنحرفة عن أهل السنة والجماعة حيث فسروا القرآن بما يتوافق مع أهوائهم ومعتقداتهم الفاسدة ، مخالفين بذلك ما ورد في تفاسير أهل السنة والجماعة ، وهنا لا بد من الترجيح بين الآراء لبيان الحق .
• من ذلك ما هو شائع في تفاسير الفرق الضالة كالمعتزلة والرافضة وغيرهم .
• ومنه أن يعتقد المفسر رأيا مخالفا لرأي أهل السنة والجماعة ، فيفسر القرآن الكريم وفقا لهذا الرأي ويصرف اللفظ عن مراده : من ذلك تفسير بعض المعتزلة لقوله تعالى  وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  حيث يري المعتزلة استحالة الرؤية في الآخرة ، وبناء علي رأيهم الباطل فإنهم يؤولون الآيات بتعسف وتكلف ، وينكرون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تخالف أهواءهم ؛ ففسر بعضهم ( إلى ) بمعنى ( نِـعَـم ) جمع نعمة ، حتى يصرفون اللفظ عن معناه الظاهر الذي يفيد تنعم المؤمنين برؤية رب العالمين في الآخرة . ، ، فأول بعضهم المعنى تأويلا غريبا فقالوا { إلى ربها ناظرة }أي مترقبة ومنتظرة ، كما تقول أنا إلي فلان ناظر ما يصنع بي .

• أيضا من أسبابه اعتماد بعض المفسرين علي الموضوعات والإسرائيليات التي تخالف العقل والنقل واعتبارها أصلا في التفسير مما يتناقض مع الصحيح الوارد في تفسير الآيات .
• ومنه أيضا اعتماد بعضهم علي مجرد معرفته باللغة والمسارعة إلي تفسير القرآن بظاهر العربية دون الرجوع إلي أصول التفسير وأدواته مما يؤدي إلي كثرة الغلط .
• وذلك كمن فسر قوله تعالى  وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها  بأن المراد به أن الناقة كانت مبصرة والصحيح في تفسير الآية : ” وآتينا ثمود الناقة ” آية مبصرة أي حجة باهرة ومعجزة ظاهرة بدليل السياق قال تعالى  وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا {59} سورة الإسراء .
• ومنها ترك بعضهم للمعنى الظاهر وتعويلهم علي معانٍ لا أصل لها وليس لها أدنى صلة بالآيات كما فعل ابن عربي في تفسيره لقوله تعالى { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا {8} سورة المزمل } قال “واذكر اسم ربك الذي هو أنت أي اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله ” وفي هذا القول من الضلال والزيغ ما لا يخفي
• وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به فيحمل النص ما لا يحتمل ويتعسف ويتكلف في ذلك .
مثاله : من يرمز إلى القلب القاسي بفرعون ، فيقول قال الله تعالى في سورة النازعات  اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَي {24}  ويشير إلي قلبه ويوميء إلى أنه المراد بفرعون وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الحسنة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وإثارة له وهو ممنوع لمخالفته لظواهر النصوص ومقاصدها .
• ومن ذلك أيضا ما ورد في تفسير سهل التستري في تفسير قوله تعالى وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ  {35} البقرة} حيث نفى المعنى الأصيل الذي يدل عليه ظاهر النص وأثبت معنى آخر ليس في النص أي دلالة عليه فقال : ” لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة ، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لغيره ” .
• ومن أسباب الخلاف أيضا أن يكون اللفظ دالا على أكثر من معنى في الحقيقة فهو مشترك لفظي ، فيصرفه المفسر عن المعنى الذي يدل عليه السياق إلى معنى آخر لا يتناسب مع السياق : وذلك كتفسير الكتاب في قوله تعالى  مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَي رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ {38} سورة الأنعام علي أنه القرآن الكريم علما بأن السياق في اللوح المحفوظ  وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَي رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ {38} سورة الأنعام .
و بدليل قوله تعالى في نفس السورة وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {59}}
• ومن أسباب الخلاف أيضا : الخطأ في معرفة اشتقاق الكلمة : وذلك كتفسير بعضهم لقوله تعالى  يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً {71} سورة الإسراء } قالوا ينادي علي كل إنسان باسم أمه . والصواب أنه الإمام وليس الأم .
قال الزمخشري في تفسيره : “بإمامهم بمن ائتموا به من نبي أومقدم في الدين أو كتاب أو دين … ومن بدع التفاسير : أن الإمام جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم مراعاة لحق عيسى عليه السلام وليت شعري أيهما أبدع ؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته ‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍؟ ‍ ” .
• أيضا من أسباب الخلاف : ترك المعنى الظاهر إلى معنى آخر لا علاقة له بالآية من قريب أو من بعيد ، وليس له أصل صحيح في لغة العرب : من ذلك تفسير الضحك بالحيض فقد ذهب بعض العلماء إلى أن معنى ( فضحكت ) أي: ( فحاضت ) 0
• قال تعالى في سورة هود  وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ {71} قال القرطبي: [ قال مجاهد وعكرمة: حاضت وكانت آيسة ، تحقيقا للبشارة وأنشد علي ذلك اللغويون :
* وإني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا
وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوف اللقـــــا
والعرب تقول ضحكت الأرنب إذا حاضت ، وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت ، وقال الجمهور: الضحك المعروف ، وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم وأنكر الفراء ذلك وقال لم أسمعه من ثقة ، وإنما هو كناية ]
*وقال الإمام أحمد بن المنير وهو يرد علي من زعم أن ضحكها بمعنى حيضها : [000 ويبعد هذا التأويل أنها قالت بعد { قَالَتْ يَا وَيْلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ {72} قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ {73} فلو كان حيضها قبل بشارتها لما تعجبت إذ لا عجب في حمل من تحيض والحيض في العادة علامة على إمكان الحمل ]
والرأي المختار في تفسير ( فضحكت ) هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين : أن الضحك هنا علي حقيقته ، وسببه الفرح والتعجب ، فرحت حين سمعت الملائكة الكرام يخبرون إبراهيم  بأمر نجاة لوط  ومن آمن معه وهلاك المكذبين به المعرضين عن دعوته وتعجبت من حال الهالكين ، كيف يتمادون في الضلال ويصرون علي الانحلال مع قرب هلاكهم ؛ فالأولي بهم أن يتوبوا إلي الله قبل فوات الأوان 0 .

ثانيا : الاختلاف المحمود
أما الاختلاف المحمود : فهو اختلاف التنوع أو التلازم وهو كما عرفه السيوطي في الإتقان : هو ما يوافق الجانبين كاختلاف وجوه القراءة …. ( ) وهذا النوع من الاختلاف مفيد في فهم المعنى وفيه إثراء له .
وله أسباب عديدة : نذكرها ونورد أمثلة عليها ونبين الضوابط والقواعد التي نتعامل بها .

فنقول وبالله التوفيق :

• أسبابه :
1. اختلاف التعبير :
كأن يعبر كل مفسر عن المعنى الواحد بعبارات شتى تدور كلها حول هذا المعنى ، أو تكتمل بها صورته ويستقر المعنى في الأذهان ، أو أن يفسر بعضهم اللفظ بمعان متنوعة لكنها تدور في محور واحد:وبعض المفسرين قد يفسر المعنى بمثال عليه أو بلازمه .
• مثال ذلك تفسيرهم لقوله تعالى في سورة الأنعام وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ {70} فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أن تبسل} قال: تفضح. وفي قوله {أبسلوا} قال: فضحوا.وعنه في قوله {أن تبسل} قال: تسلم. وفي قوله {أبسلوا بما كسبوا} قال: أسلموا بجرائرهم.
وسأله نافع بن الأزرق : فقال له: أخبرني عن قوله عز وجل ( أن تبسل نفس ) ؟ قال: يعني أن تحبس نفسه بما كسبت في النار. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهيرا وهو يقول:
وفارقتك برهان لا فكاك له يوم الوداع وقلبي مبسل علقا .
وعن قتادة في قوله {أن تبسل نفس} قال: تؤخذ فتحبس .
فكل هذه المعاني الرهن والحبس والفضيحة متلازمة لا تناقض بينها .

• ومن الأمثلة أيضا :اختلافهم في معنى قوله تعالى في سورة الروم  فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ {15} فعن الضحاك رضي الله عنه قال {في روضة يحبرون}: في جنة يكرمون.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال {يحبرون} : يكرمون .وعن مجاهد رضي الله عنه قال: ينعمون.وعن يحيي بن أبي كثير قال: {في روضة يحبرون} أي لذة السماع في الجنة. وعن الأوزاعي قال {في روضة يحبرون} هو السماع ( ).
وكل هذه المعاني بيان لما هم فيه من السعادة والحبور والتنعم فكلها تدور حول معنى واحد وكلها متنوعة لا تناقض بينها حيث يسهل الجمع بينها .

• ومثال ذلك أيضا : ما نقله السيوطي في الدر المنثور ” عن مجاهد في قوله {وبشر المخبتين} قال: المطمئنين ، وعن عمرو بن أوس {وبشر المخبتين} قال: المخبتون، الذين لا يظلمون الناس، واذا ظلموا لم ينتصروا. وعن الضحاك رضي الله عنه {وبشر المخبتين} قال: المتواضعين.وعن السدي رضي الله عنه {وبشر المخبتين} قال: الوجلين. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا رأي الربيع بن خثيم قال: {وبشر المخبتين} وقال له: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.‏
وكل هذه الصفات والأحوال مجتمعة في المخبتين
• ومثال ذلك أيضا : تفسيرهم للصراط المستقيم فقال بعضهم: ” وفي المراد بالصراط هاهنا أربعة أقوال أحدها : أنه كتاب الله روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا .
والثاني أنه دين الإسلام قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن و أبو العالية .
والثالث أنه الطريق الهادي إلي دين الله رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد .
والرابع أنه طريق الجنة نقل عن ابن عباس أيضا .”
ولا تعارض بين هذه المعاني فكلها تدور في فلك واحد ؛ فالصراط المستقيم هو طريق الإسلام والكتاب هو المنهاج له وهو طريق الهدى والفوز بالجنة .
• ومثال ذلك أيضا تفسيرهم لقوله تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ  .
قال ابن كثير :” وقال مجاهد في قوله (لما يحييكم ) قال : الحق ، وقال قتادة😦 لما يحييكم ) قال هو هذا القرآن فيه النجاة والتقاة والحياة وقال السدي : ” في الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر ” ، وعن عروة بن الزبير ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل وقواكم بها بعد الضعف ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم .
• وكل هذه المعاني محتملة فالإسلام حياة القلوب وفي القرآن حياة للنفوس ، وبالجهاد تحيا البشرية آمنة مطمئنة ، وبه حماية ودفاع وحقن لأرواح الأبرياء وصد للمعتدين ، فلا سبيل إلي حياة عزيزة أبية إلا بالإسلام والقرآن والجهاد والعلم .

2. أن يفسر بعضهم المعنى ببيان بعض ما يندرج تحته من أنواع ، أو يفسره بذكر مثال له :
• من ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى في سورة النساء  الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَي النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَي بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ عن قتادة :{فالصالحات قاتنات} أي مطيعات لله ولأزواجهن {حافظات للغيب} قال: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن. وعن مجاهد {حافظات للغيب} للأزواج ، وعن السدي {حافظات للغيب بما حفظ الله} يقول تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله ، وعن السدي قال: حافظات لأزواجهن في أنفسهن بما استحفظهن الله ، وعن مقاتل قال: حافظات لفروجهن لغيب أزواجهن، حافظات بحفظ الله لا يخنّ أزواجهن بالغيب ، وعن عطاء قال: حافظات للأزواج بما حفظ الله يقول: حفظهن الله، وعن مجاهد {حافظات للغيب} قال: يحفظن علي أزواجهن ما غابوا عنهن من شأنهن .
ولا شك أن الحفظ هنا ليس قاصرا علي حفظ المال وحده أو حفظ الفرج ، ولكنه يشمل حفظ الأزواج في غيابهم ، وحفظهم من باب أولى في حضورهم ، وحفظ الأسرار الزوجية ، وحفظ الأولاد بحسن التربية وغير ذلك .
• ومن ذلك أيضا اختلافهم في معنى الحرج في قوله تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } : قال الشوكاني : ” وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله فقيل هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين ، وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة وكذا في الفطر والأضحى ، وقيل المعنى أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجا بتكليف ما يشق عليهم ولكن كلفهم بما يقدرون عليه ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل وقيل المراد بذلك أنه جعل لهم من الذنب مخرجا بفتح باب التوبة وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة والأرش أو القصاص في الجنايات ورد المال أو مثله أو قيمته في الغصب ونحوه ، والظاهر أن الآية أعم من هذا كله فقد حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف علي عباده إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم أو بالتخفيف وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها ”
*قاعدة مهمة : إذا دارت الأقوال حول معنى واحد فإنه يجمع بينها وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “الأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه …فإنَّ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح ” .

3. الاختلاف في عودة الضمير :
• وذلك أيضا من أسباب اختلاف المفسرين ومثاله : ما ورد في تفسير قوله تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {23} سورة يوسف
روى الطبري في تفسيره عن السدي وعن ابن أبي نجيح: وابن إسحاق وعن مجاهد: {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} قال: سيدي. يعني: زوج المرأة
وقال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط ” والضمير في ( إنه ربي) الأصح أن يعود إلي الله تعالى ، أي إن الله ربي أحسن مثواي إذ نجاني من الجب وأقامني في أحسن مقام000 ”
*والذي أرجحه هو : أن الضمير عائد إلى لفظ الجلالة ، كما ذكر ذلك أبو حيان وغيره وذلك لأن مراعاة يوسف  لحقوق الله تعالى وصونه لنعمه : يتضمن مراعاة حقوق العباد ، وقوله تعالى { إنه لا يفلح الظالمون } : الذين يسلبون حقوق الآخرين ، ويفرطون في العهود ، ويخونون الأمانات وينتهكون الحرمات ومراعاة حق الله عز وجل مقدم على مراعاة حق العباد 0
• ومن ذلك أيضا اختلافهم في عودة الضمير في قوله تعالى مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُسورة فاطر 10
فقيل يرجع إلي المولى عز وجل فهو الذي يرفع العمل الصالح ، وقيل يرجع إلى العمل الصالح والمعنى : والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، وقيل يرجع إلى الكلم الطيب فهو الذي يرفع العمل الصالح .
وأقول كلاهما ينهض بصاحبه ، والله عز وجل هو الذي يرفع ويقبل .
قال الإمام الشوكاني : ” ومعنى ” والعمل الصالح يرفعه ” أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب كما قال الحسن وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح وقيل إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب ومفعوله العمل الصالح ، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان ، وقيل إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى الله عز وجل ، والمعنى أن الله يرفع العمل الصالح علي الكلم الطيب لأن العمل يحقق الكلام وقيل والعمل الصالح يرفع صاحبه وهو الذي أراد العزة وقال قتادة المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه أي يقبله فيكون قوله ” والعمل الصالح ^ علي هذا مبتدأ خبره يرفعه وكذا علي قول من قال يرفع صاحبه ” .
وهذه المعاني كلها تدور حول محور واحد فالعمل الصالح ينهض بالكلم الطيب وهو ثمرة له وبرهان عليه والكلم الطيب يرفع العمل الصالح فهو أساسه وقوامه ، والله تعالى هو الذي يرفع ويتقبل الطيب من القول والصالح من العمل .

4. أن يكون اللفظ مشتركا في اللغة
من أسباب الاختلاف أيضا : أن يكون اللفظ مشتركا في اللغة له أكثر من استعمال علي الحقيقة فيحمل علي أحد الاستعمالات :
• مثل لفظة القرء يراد بها الحيض كما يراد بها الطهر قال تعالى  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ …) الخ الآية {228}سورة البقرة
قال الشوكاني : ” قال أبو عمرو بن العلاء : من العرب من يسمي الحيض قرءا ومنهم من يسمي الطهر قرءا ومنهم من يجمعهما جميعا فيسمي الحيض مع الطهر قرءا ، وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل الوقت يقال هبت الرياح لقرئها ولقارئها أي لوقتها ومنه قول الشاعر
كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح

فيقال للحيض قرء وللطهر قرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم وقد أطلقته العرب تارة على الأطهار وتارة على الحيض … والحاصل أن القروء في لغة العرب مشترك بين الحيض والطهر ولأجل هذا الاشتراك اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية فقال أهل الكوفة هي الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسي ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وأحمد بن حنبل وقال أهل الحجاز هي الأطهار وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي رضي الله عنهم …”
• ومن ذلك أيضا اختلافهم في معنى كلمة ” قسورة ” الواردة في تفسير قوله تعالى في سورة المدثرفَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ {49} كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ {50} فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ {51}
قيل المراد بها الرمي ، وقيل المراد بها الأسد : فعن أبي موسي الأشعري في قوله: {فرت من قسورة} قال: هم الرماة رجال القنص ، وورد عن ابن عباس نحوه ، وعن عكرمة {كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} قال: وحشية فرت من رماتها. وعن قتادة قال: القسورة النبل ، وعن ابن عباس في قوله: {من قسورة} قال: هو بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة قسورة ، وعن أبي هريرة في قوله: {فرت من قسورة} قال: الأسد.
قواعد مهمة
• قال الزركشي : ” وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي ، فإن كان أحد المعنيين أظهر وجب الحمل عليه إلا أن يقوم دليل علي أن المراد هو الخفي ، وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية فالحمل علي الشرعية أولى إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية كما في قوله تعالى {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } ولو كان في أحدهما عرفية والآخر لغوية فالحمل على العرفية أولى لأن الشرع ألزم ، فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه وإن لم يظهر له شيء فهل يتخير في الحمل علي أيهما شاء أو يأخذ بالأشد حكما أو بالأخف ؟ أقوال ، وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة إلا إن دل دليل علي إرادة أحدهما .” .

5. اختلاف القراءات
• فاختلاف القراءات المتواترة فيه ثراء للمعنى وتوضيح له وتقرير .
• ومثال ذلك: ما ورد من قراءات في تفسير قوله تعالى  وقالت هيت لك  حيث لجأت امرأة العزيز إلي التصريح بعد أن استفرغت جميع أساليب التلميح ووسائل الإغراء فقالت بعبارة سافرة ( هيت لك )
و( هيت ) اسم فعل أمر بمعنى هلم وأقبل وفي قراءة ( هئتُ لك ) أي حسنت هيأتي من أجلك .
* فرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح التاء ، ( هِيتَ ) وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء ( هَيْتُ ) وقرأ الباقون بفتح الهاء وسكون التاء ( هَيتْ ) ، وقرأ هشام – كما روي عنه إبراهيم بن عباد – هِئتُ لك بكسر الهاء وضم التاء أي تهيأت لك ، ومدار القراءات حول معنى واحد وهو : هلم وأقبل فلقد تهيأت لك .
• ومثال ذلك أيضا اختلاف المفسرين في تفسير قوله تعالى فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أنثى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ  ؛ ومرجع اختلافهم إلي اختلاف أوجه القراءات المتواترة في – التاء – من ( وضعتُْ )
فقراءة ابن عامر، وأبي بكر الكوفي ، وعاصم بن أبي النجود ، ويعقوب بضم التاء ( وضعتُ ) ، وقراءة ابن كثير ، ونافع ، وأبي عمرو ، والكسائي وحمزة وعاصم في رواية حفص بسكون التاء ( وضعتْ )
وعلي الأول : فالتاء تاء الفاعل ، وهي تاء المتكلمة أي بما وضعتُ 0
وعلي الثاني : فالتاء تاء التأنيث أي بما وضعتْ هي 0
والقراءتان متواترتان .
أما عن توجيههما ، فعلى النحو التالي :
أولا : القراءة الأولى (والله أعلم بما وضعتُ) : من تمام كلام امرأة عمران قالته اعتذارا إلى ربها ؛ لعجزها عن الوفاء بنذرها ، أو قالته تسلية لنفسها ، لبيان أن لله في ذلك حكمة يعلمها ، فالله  يدبر أحوال الخلق وفق قدرته وإرادته وعلمه وحكمته ، ولعل هذه الأنثى عند الله خير من الذكر ؛ لأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه ، كما قال   وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون 
*ويمكن توجيه القراءة علي : أنها فوضت العلم إلى الله فقالت ( والله أعلم بما وضعتُ ) 0
لأن قولها ( إني وضعتها أنثى ) للاعتذار ، لا للإعلام ، فالله سبحانه لا تخفى عليه خافية 0
ولقد توجه الإشكال إلي هذه القراءة بأنها لو كانت حكاية لكلام أم مريم وتمام خطابها لكان الأولى أن تقول ( رب إني وضعتها أنثى ، وأنت أعلم بما وضعتُ ) ؟ ويمكن الإجابة علي هذا الإشكال بأن جملة ( والله أعلم بما وضعتُ ) التفات من الخطاب إلي الغيبة والالتفات صورة رائعة من صور البلاغة 0
ثانيا : وعلي القراءة الثانية (وضعتْ ): فهي جملة اعتراضية ، وقد سيقت تعظيما لشأن المولودة ، و بيانا لعلو منزلتها ، وسمو قدرها ، اصطفاها الله وطهرها ، وجعلها وابنها آية للعالمين 0
والجملة من كلام الله  ، وليست من تمام كلام امرأة عمران 0
والقراءتان متواترتان ولا تناقض بينهما ؛ فكل قراءة لها توجيه مفيد في فهم المعنى ، وتعدد القراءات في الكلمة الواحدة مع اتفاق المعاني وانسجامها ، وتكاملها ، وجه من وجوه الإعجاز القرآني ولون من ألوان بلاغته 0
• هذا والمتأمل في اختلاف القراءات يجدها على النحو التالي :
الأول : أن تختلف القراءتان في اللفظ وتتفقا في المعنى مثل (الصراط والسراط )و (يحسَِب ) بفتح السين وكسرها، و(مَِرفَِقا)بفتح الميم وكسر الفاء والعكس ، فالمعنى واحد .
والحكمة في هذا النوع من الاختلافات تيسير القراءة على ذوي اللهجات المختلفة .
الثاني : أن تضيف القراءة معنى جديدا لا يتعارض مع المعنى الأول ولا يناقضه فكلا المعنيين صحيح ، وذلك كما في قوله تعالى  وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا  ( ) قرئ (ننشزها , و (ننشرها ) لأن المراد في القراءتين العظام فقوله تعالى (ننشرها ) بمعنى نحييها , وقوله تعالى( ننشزها ) أي نضم بعضها إلي بعض حتى تلتئم , ” ولا تناقض بين المعنيين لأن الله تعالى إذا أراد بعث الخلائق ضم عظامهم بعضها إلى بعض ثم يحييها للجزاء ”
الثالث اختلافهما في اللفظ والمعنى مع امتناع جواز اجتماعهما في شئ واحد , لكن يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد.
ومثاله قوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ  ( )قرئ بالتشديد والتخفيف في ” كُذِّبوا “, و” كذَبوا” فالتشديد :يعني: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذّبوهم , و التخفيف يعني : وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوهم – أي كذبوا عليهم – فيما أخبروهم به , فلا تعارض بين المعنيين .
ومن هنا فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بين قراءتين متواترتين لأن كلاهما وحي من الله تعالى وكلام الله عز وجل منزه عن التناقض والاضطراب .

6. الاختلاف في القول بالنسخ :
فقد يقول بعض المفسرين بالنسخ لمجرد التعارض ، ولو أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لما وجدوا تعارضا بين النصوص يدعو إلى القول بالنسخ ، فإعمال النص خير من إهماله ، ولقد توسع المتقدمون في النسخ حتى أدخلوا فيه ما ليس منه فاعتبروا التخصيص والبيان والتقييد من قبيل النسخ .
قال ابن القيم رحمه الله :”ومن تأمل في كلامهم – يعني المتقدمين- رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وذهب عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر ”
• مثال ذلك اختلافهم في قوله تعالى  وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {219} البقرة : فعن السدي في قوله {قل العفو} قال: هذا نسخته الزكاة ، وعن طاوس قال: العفو اليسير من كل شيء ، وكان مجاهد يقول {العفو} الصدقة المفروضة ، ” وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها. وقال قوم: هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة ” .
والراجح أنها محكمة فلا تعارض بينها وبين ما ورد في شأن الزكاة المفروضة ، لأن العفو هنا هو اليسير الزائد عن الحاجة ، ولا شك أن الزكاة لا تفرض إلا على الأغنياء ونصابها يسير وهو زائد عن حاجة الغني فلا تعارض في ذلك بين هذه الآية والآيات الأخرى .
• ومن ذلك أيضا زعم بعض السلف أن أيات الإذن في القتال نسخت جميع آيات الصبر والعفو والإعراض والصفح ، والصواب أن العفو والصبر والإعراض والصفح من الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن وهي قائمة محكمة لها مواطنها التي تحمد فيها كما أن للقوة مواطنها .
• قال ولي الله الدهلوي في كتابه الفوز الكبير في أصول التفسير ” بلغ عدد الآيات المنسوخة بآيات السيف قرابة الخمسمائة ، ولو تأملت لوجدتها غير محصورة ، والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل ”

7. الاختلاف في حمل اللفظ علي الحقيقة أو المجاز
• من ذلك اختلافهم في تفسير  وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ  : قيل كانت تحمل الأشواك وتنثرها أمام بيت رسول الله  إيذاء له فكان جزاؤها في الآخرة من جنس عملها في الدنيا ، حيث تحمل الحطب علي ظهرها في نار جهنم لتزداد النار حرارة والتهابا وسعيرا عليها وعلى زوجها التي كانت تنفث فيه روح الحقد وتذكي نار غضبه وتضرم لهيب حسده لرسول الله  فيزداد حنقا عليه وايذاء له 0
– وقيل كانت تمشي بين الناس بالنميمة فتنمي العداوة بينهم كما تزداد النار اشتعالا وحرارة حين يلقى الحطب فيها 0
*قال القرطبي : ” قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ( حمالة الحطب ) كانت تمشي بالنميمة بين الناس ، تقول العرب فلان يحطب على فلان إذا ورّش به – أي حرّش به ، وأغرى به قال الشاعر :
إن بني الأدرم حمالوا الحطب 000 هم الوشاة في الرضا والغضب * عليهم اللعنة تترى والحّـَرَب
وقال أكثم بن صيفي لبنيه : ” يا بَني إياكم والنميمة فإنها محرقة للقلب ، وإن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل الساحر في شهر ” 0
” ولذلك قيل : نار الحقد لا تخبو ” وثبت عن النبي  أنه قال : ” لا يدخل الجنة نمام ” 0
وقيل ( حمالة الحطب ) : كانت تعير رسول الله  بالفقر ثم إنها كانت تحتطب بنفسها وتحمل الحطب علي ظهرها لشدة بخلها وحرصها فعيرت بالبخل 0 روي هذا القول عن قتادة ”
وقيل ( حمالة الحطب ) : أي حمالة الخطايا والذنوب ، وإذا كان الحطب يشعل النار فإن الخطايا والآثام تلقي بصاحبها في النار ، قال تعالى وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَي ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ  {31} ) .

8. تفاوتهم في معرفة السنة النبوية
من ذلك أنه قد لا يبلغ الحديث أحد الصحابة ولم يكن قد سمعه من رسول الله  فيجتهد في المسألة فيدلي برأي مخالف لما قال به النبي  لكنه يتراجع عن رأيه حين يصله الحديث :
• من ذلك : اختلاف بعض الصحابة في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت الحمل هل تنقضي عدتها بوضع الحمل فينطبق عليها قوله تعالى  وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4].}أم تعتد بأربعة أشهر وعشرا وهي عدة المتوفي عنها زوجها كما في قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير سورة البقرة. الآية: 234 فقد رأي ابن عباس  أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا تعتد بأبعد الأجلين ورأي ابن مسعود  أنها إذا وضعت حملها قبل تمام الأربعة أشهر وعشر فعدتها بوضع الحمل وفي هذا يقول : أجل الحامل أن تضع ما في بطنها. ويؤيد قول ابن مسعود ما ورد في السنّة في حديث (سبيعة الأسلمية) المخرج في الصحيحين من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطّاب، فدخل عليها (أبو السنابل بن بعكك): فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمّلَةً؟ لَعَلّكِ تَرْجِينَ النّكَاحَ. إِنّكِ، وَاللّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حتى تَمُرّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِك، جَمَعْتُ عَلَيّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ  فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي. وَأَمَرَنِي بِالتّزَوّجِ إِنْ بَدَا لِي..
وروي الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن سليمان بن يسار أن أبا سلمة بن عبدالرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة . وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال. فقال ابن عباس : آخر الآجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت. فجعلا يتنازعان ذلك. قال فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (يعني أبا سلمة) فبعثوا كريبا (مولى ابن عباس) إلي أم سلمة يسألها عن ذلك ؟ فجاءهم فأخبرهم ؛ أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال. وإنها ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم. فأمرها أن تتزوج ” .

9. الاختلاف في الإطلاق والتقييد
ومن أسباب الاختلاف أيضا الاختلاف في الإطلاق والتقييد ؛ والإطلاق تناول واحد غير معين ، والتقييد تناول واحد معين أو موصوف بوصف زائد فقد يري بعض المفسرين بقاء المطلق علي إطلاقه ، وقد يقول بعضهم بتقييد هذا المطلق بقيد ما :
• من ذلك عتق الرقبة في كفارة اليمين وكفارة الظهار فقد وردت مطلقة: كما في قوله تعالى  لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {89} سورة المائدة
وقوله تعالى وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {3} سورة المجادلة
ووردت مقيدة كما في قوله تعالى  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَي أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَي أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا  {92}سورة النساء } فحمل بعض المفسرين المطلق علي المقيد وقالوا لا تجزئ الرقبة الكافرة ، وأبقى بعضهم المطلق على إطلاقه .
والأولى بقاء المطلق علي إطلاقه ما لم برد ما يقيده ، وإذا دار اللفظ بين الإطلاق والتقييد فإنه يحمل علي الإطلاق ؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه .

10. الاختلاف في العموم والخصوص :
• مثال ذلك اختلافهم في تفسير قوله تعالى  وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ {221}  سورة البقرة .
فمن المعلوم أن النصرانيات واليهوديات مشركات لكنهن لا يدخلن في عموم هذه الآية بدليل قوله تعالى في سورة المائدة  الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  {5}
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية {ولا تنكحوا المشركات} فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (المائدة الآية 5) فنكح الناس نساء أهل الكتاب.
وعن سعيد بن جبير في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: يعني أهل الأوثان.
وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس به. فقلت: أليس الله يقول {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}؟ قال: إنما ذاك المجوسيات وأهل الأوثان.
أقول والأصل بقاء العام علي عمومه ما لم يرد له مخصصا .

11. الاختلاف في فهم حروف المعاني :
فقد يدل الحرف على أكثر من معنى :
• من ذلك الباء في قوله عز وجل وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَي الْكَعْبَين  سورة المائدة 6
هل هي للملاصقة أم للتبعيض ؟ فقيل إنها للملاصقة وقيل للتبعيض والخلاف في ذلك موجود في كتب التفسير والفقه .
• ومثال ذلك أيضا اختلافهم في (من) الواردة في قوله تعالى (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) قيل إنها تفيد التبعيض؛ لأن حواء خلقت من بعض آدم عليه السلام وقيل إنها بيانية لأن حواء خلقت من جنس آدم، وخلقها الله من جنسه لتتحقق الألفة والوئام والمودة، والانسجام؛ لأن الجنس إلي الجنس أميل.
• ومن ذلك أيضا اختلافهم في تفسير قوله تعإلى  كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ  – الأنفال : 5

حيث وقع الاختلاف حول الكاف في قوله تعإلى( كما أخرجك ربك من بيتك) وفي ذلك يقول الألوسي : “والكاف يستدعي مشبها وهو غير مصرح به في هذه الآية وفيه خفاء ، ومن هنا اختلفوا في بيانه وكذا في إعرابه علي وجوه ، فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه ، أي حالهم هذه في كراهة ماوقع في أمر الأنفال كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له ، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال : الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه صلي الله عليه وسلم من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى بحالهم ،أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في (لله وللرسول ) أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول عليه الصلاة والسلام مع كراهتهم، ثباتا كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري 000وقال أبو حيان خطر لي في المنام أن هنا محذوفا وهو نصرك ، والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل أن خرجت لإعزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة ودل على هذا المحذوف قوله سبحانه وتعالى (إذ تستغيثون ربكم ) 00000000
ولو قيل إن هذا مرتبط بقوله تعالى (رزق كريم ) على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك : لم يبعد ”

12. الاختلاف في أوجه الإعراب
وهذا أيضا من أسباب اختلافهم
• من ذلك : في تفسيرهم لقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.المائدة : 69
حيث جاءت كلمة ( الصابئون) في الآية مرفوعة وما قبلها منصوب ،والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك قال ابن كثير :” لما طال الفصل حسن العطف بالرفع ” وقال النسفي : وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم .
وقيل (والصابئون ) معطوف على محل إن واسمها ،ومحلها الرفع والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا ، والصابئون كذلك وعلى هذا قول الشاعر
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في اختلاف

13. اختلافهم في أسباب النزول :
• مثال ذلك : اختلافهم في سبب نزول قوله تعالى  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {1} قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {2} وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَي بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ {3} إِن تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ {4} عَسَي رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا {5}
حيث نزلت هذه الآيات الكريمة تعقيبا علي ما حدث في بيت النبوة ، حين حرم رسول الله  علي نفسه شيئا أحله الله له وأسر بذلك إلي إحدي زوجاته وهي حفصة فنبأت به عائشة فنزل القرآن الكريم بآيات بينات فيها عتاب لرسول الله  وتوجيه لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن 0
وفيما يلي نذكر ما ورد في سبب نزولها 0
1- ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي  فلتقل إني لأجد منك ريح مغافير 0 فدخل علي إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بأس شربت عسلا عند زينب ابنة جحش ولن أعود فنزلت ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) إلي ( إن تتوبا إلي الله فقد صغت قلوبكما ) لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلي بعض أزواجه حديثا ) لقوله : بل شربت عسلا )
2- وأخرج النسائي في السنن والحاكم في المستدرك بسنديهما عن أنس بن مالك  أن رسول الله  كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها علي نفسه حراما فأنزل الله تعالى ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 000) الآيات 0
3- وروي البزار في مسنده والطبراني : في تفسير قوله تعالى ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في سريته ”
4- وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره رواية أوردها الهيثم بن كليب في مسنده بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله  لحفصة لا تخبري أحدا أن أم إبراهيم علي حرام فلم يقربها حتى أخبرت عائشة فأنزل الله تعالى ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم )
وقال ابن كثير بعد إيراد هذه الرواية التي عزاها إلي الهيثم بن كليب في مسنده [ وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج وهذه الرواية ذكرها السيوطي في أسباب النزول وعزاها إلي الضياء في المختارة 0
قال ابن حجر ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلي مسروق قال : حلف رسول الله  لحفصة لا يقرب أمته وقال هي علي حرام ، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله 000
وأخرج الضياء في المختارة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : قال رسول الله  لحفصة لا تخبري أحدا أن أم إبراهيم حرام علي قال فلم يقربها حتى أخبرت عائشة فأنزل الله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم )
وأخرج الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال دخل رسول الله  بمارية في بيت حفصة ، فجاءت فوجدتها معه فقالت يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك ؟ ” فذكر نحوه 0
وللطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال دخلت حفصة بيتها فوجدته  مع مارية فعاتبته ، فذكر نحوه 0 وهذه طرق يقوي بعضها بعضا 0

مما سبق يتضح لنا :
*أن هناك روايات متعددة في أسباب نزول صدر سورة التحريم ورد في بعضها أن الآيات نزلت في قصة تحريم الرسول  شرب العسل علي نفسه وبعضها في قصة تحريمه أم إبراهيم ” مارية القبطية ” رضي الله عنها علي نفسه

*يقول الإمام الشوكاني بعد أن أورد قصة تحريم العسل وقصة تحريم مارية القبطية:
[ فهذان السببان صحيحان لنزول الآية ، والجمع ممكن بوقوع القضيتين قصة العسل وقصة مارية وأن القرآن نزل فيهما جميعا وفي كل واحد منهما أنه أسر إلي بعض أزواجه 000 ]
ويقول الإمام ابن حجر في الفتح بعد أن أورد الروايات التي وردت في تحريم مارية :[ وهذه طرق يقوي بعضها بعضا فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معا ] 0
[ وقصاري ما يمكن أن يقال يحتمل أن يكون النبي  قد شرب عسلا عند زينب ، وجاء إلي حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل واتفق له  قبيل ذلك أو بعيده أن وطئ جاريته مارية في بيتها في يومها علي فراشها فحرم مارية وقال لحفصة ما قال تطييبا لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان ، ونزلت الآية بعد القضيتين فاقتصر بعض الرواة علي إحداهما ، والبعض الآخر علي نقل الأخري وقال كل : فأنزل الله تعالى ( يا أيها النبي0000 ) إليآخر الآيات0
وهو كلام صادق إذ ليس فيه دعوي كلّ حصر علة النزول فيما نقله فإن صح هذا هان أمر الاختلاف وإلا فاطلب لك غيره ] 0 والله تعالى أعلم 0
*وقال الإمام الطبري في جامع البيان بعد أن ذكر الروايات الواردة في تحريم العسل ، وفي تحريم مارية [ والصواب أن يقال كان الذي حرمه النبي  علي نفسه شيئا كان الله قد أحله له ، وجائز أن يكون ذلك جاريته ، وجائز أن يكون ذلك شرابا من الأشربة ، وجائز أن يكون غير ذلك ، غير أنه أي ذلك كان فإنه كان تحريم شئ كان له حلال وعاتبه الله علي تحريمه علي نفسه ما كان له قد أحله ، وبين له تحلة يمينه ] 0
*وقال الشيخ الصابوني في كتابه قبس من نور القرآن الكريم بعد أن ذكر الروايات الواردة في تحريم مارية ، والواردة في تحريم شرب العسل [ 000 وهذه خلاصة للرواية الثانية – ويقصد رواية تحريم شرب العسل – وهي مروية في الصحيحين بأوسع من هذا وهي أصح إسنادا من الرواية الأولي 0 – يقصد رواية تحريم مارية – ولكن كونها سببا للنزول مستبعد والذي يرجح الرواية الأولي وأنها سبب للنزول 0 أمور نجملها فيما يلي :
الأول ، أن مثل تحريم بعض النساء مما يبتغي به مرضاة بعض الأزواج ، لا شرب العسل أو عدمه ، الثاني : أن الاهتمام بنزول سورة فيها الوعيد والتهديد لأزواج رسول الله  بالطلاق واستبدالهن بنساء خير منهن ، وأن الله وملائكته والمؤمنين سند وعون لرسول الله يدل علي وجود تنافس بينهن وغيرة ، وذلك إنما يكون في تحريم بعض النساء عليه لا في شرب العسل ونحوه 0
الثالث أن هذه الحادثة من إفشاء السر ، كادت تؤدي إلي طلاق زوجات الرسول  حتى اعتزلهن شهرا ، نظرا لدقة الموضوع وشدة حساسيته مما أغضب الرسول  حتى حلف عليهن ، وذلك إنما يكون في أمر مهم ، مثل تحريمه لبعض النساء ، وحلفه ألا يقرب ” مارية القبطية ” إرضاء لأزواجه واستكتم البعض منهن في هذا الأمر ، فأفشت السر فهذا ما يرجح الرواية الأولي 0
أقول : والراجح في سبب نزول هذه الآيات هو ما ورد عن تحريم مارية رضي الله عنها وذلك لموافقة هذه القصة لسياق الآيات الكريمة ، وأما قضية تحريم العسل ، وقول بعض السلف نزلت فيه فالمراد منه أن الآيات تشمل قضية بعمومها علي ما عرف من عادة السلف في قولهم نزلت في كذا 0 والله أعلم

قواعد مهمة في أسباب النزول
من المعلوم أن أسباب النزول تنقسم باعتبار الثبوت إلى قسمين
صحيح ، وضعيف ، وعلى هذا فلا بد من مراعاة الصحة عند الترجيح بين الروايات الواردة في أسباب النزول ،فيقدم الصحيح علي الضعيف ، فإذا صحت الروايات جميعا فيراعى درجات الصحة ، علي سبيل المثال نقدم ما رواه الشيخان علي ما رواه أحدهما وما رواه أحدهما علي ما رواه غيرهما ، وهكذا تراعي درجات الصحة .
• كما تنقسم من حيث دلالتها إلي قسمين :
صريح وهو ما صرح فيه الراوي بسبب النزول مثل قوله : سبب نزول هذه الآية كذا أو حدث كذا أو سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن كذا فأنزل الله تعالى قوله كذا ، أو فأوحي الله إلى نبيه كذا .
وغير الصريح مثل أن يقول نزلت هذه الآية في كذا ونحو ذلك ، فهذا يحتمل كونه سبب نزول أو تفسيرا للآية وبيانا لما ينطبق عليه الحكم . والصريح إذا صح إسناده مقدم على غير الصريح حتى ولو كان أصح منه .
• ولا يطلب لكل آية سبب نزول فليست جميع الآية منزلة علي سبب.
• وقد يتعدد السبب والنازل واحد ، أو العكس : يتعدد النازل علي سبب واحد .
• والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
• يراعي الاتساق بين السبب وبين سياق الآيات .
• هذه بعض القواعد المهمة المتعلقة بأسباب النزول ، والتي من خلالها نتعامل مع اختلاف المفسرين فنجمع بينها إن أمكن أو نرجح بينها إذا لم يمكن الجمع .

14. مراعاة السياق
وفي ذلك يقول الإمام العز بن عبد السلام :”إذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى ” .
وقال الزركشي في البحر المحيط : “… والسياق يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات وكل ذلك يعرف بالاستعمال ” .
وذكر ابن جزي في مقدمة تفسيره أن من قواعد الترجيح أن يشهد بصحة القول سياق الكلام ويدل عليه ما قبله أو ما بعده “.
وقال الزركشي في البرهان :” … من الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال دلالة السياق فإنها ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة علي مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته ”
وقال الزركشي : ” والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففي ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له ”
وقال الإمام السيوطي في الإتقان : “الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الأيات في جميع القرآن هو أنك تنظر للغرض الذي سيقت له السورة ،وتنظر ما يحتاجه ذلك الغرض من مقدمات ،وتنظر في مراتب تلك المقدمات قربا وبعدا من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلي ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلي الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلي الوقوف عليها ،وبهذا يتبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة ” .
من هنا ” ؛ فلا بد من النظرة الكلية الشاملة والتأمل في مقاصد السورة وتعيين المحور العام الذي تدور حوله ، وتقسيم الآيات إلي مقاطع كل مقطع يمثل وحدة موضوعية واحدة مترابطة ومستمسكة ومتناسقة مع سابقها ولاحقها ” 0
• نموذج من التفسير : من ذلك ما ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَي التَّهْلُكَة {195 سورة البقرة
فإن هذه الجملة الكريمة لا يمكن فهمها مجردة من سياقها ، وفي ذلك يقول الشيخ سعيد حوي رحمه الله :”وأما النهي عن إهلاك النفس فإذا نظرنا إلي النص مجردا كان له معنى وإذا نظرنا إليه من خلال الآية التي هو فيها أعطانا معنى آخر وإذا نظرنا إليه أنه جزء من السياق أعطانا معنى جديدا وكل هذه المعاني مرادة وكلها قد ذكرها أئمة التفسير عند شرح الآية فإذا نظرنا إلي النص مجردا فهمنا منه أنه نهي عن قتل أنفسنا ، أي لا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب في هلاكها ،وهل يدخل في ذلك ما لو أمر إنسان بمعروف أو نهي عن منكر فقتل ؟ الجواب لا ؛ بل هو مأجور ، ويدخل في ذلك ما إذا هاجم الكفارَ وألقى بنفسه عليهم فقتل ؟ قالت الحنفية إذا كان بفعله هذا ينكي فيهم ويلقي الرعب في قلوبهم . ”
وإذا نظرنا إلي هذا الأمر ووروده بعد الأمر بالإنفاق فهمنا منه أنه نهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله ، لأنه سبب للإهلاك ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن حذيفة في الآية قال نزلت في الإنفاق ” .
وأورد الشيخ سعيد أقوالا أخرى عن ابن عباس وعن الضحاك وعن سعيد بن جبير وعن الحسن البصري تؤيد ذلك ، ثم أتبعها بقوله :” وإذا نظرنا إلي هذا النهي من خلال وروده بعد آيات القتال فهمنا منه أنه نهي عن ترك الجهاد وأورد الشيخ سعيد قصة أبي أيوب الأنصاري ، وعقب ذلك بقوله :” وقد لاحظنا أن هذه الاتجاهات الثلاثة الرئيسية في فهم هذا النص ، سببها ملاحظة النص مجردا ، أو السياق القريب ،أو السياق العام وهذا من أبرز الأمثلة الدالة علي أن القرآن لا تتناهي معانيه
قال الإمام الطبري رحمه الله : ” اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، ومن عني بقوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} فقال بعضهم: عني بذلك: {وأنفقوا في سبيل الله} وسبيل الله: طريقه الذي أمر أن يسلك فيه إلى عدوه من المشركين لجهادهم وحربهم، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} يقول: ولا تتركوا النفقة في سبيل الله، فإن الله يعوضكم منها أجرا ويرزقكم عاجلا. ثم ذكر من قال ذلك:فأورد بسنده عن حذيفة: {ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} قال: يعني في ترك النفقة .
وروى بسنده أقوالا لابن عباس منها : {ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} قال: ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله.
وبسنده عن عكرمة وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم نحوه .
وقال آخرون: بل معناه أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم فيما أصبتم من الآثام إلي التهلكة، فتيأسوا من رحمة الله، ولكن ارجوا رحمته واعملوا الخيرات، ثم ذكر من قال ذلك فأورد أقوالا عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله ولا تتركوا الجهاد في سبيله ، ثم ذكر من قال ذلك ، فأورد روايات منها : بسنده عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلي أهل مصر عقبة بن عامر، وعلي الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. قال: فصففنا صفين لم أر صفين قط أعرض ولا أطول منهما، والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: مه ! لا إله إلا الله، يلقي بيده إلي التهلكة ! قال أبو أيوب الأنصاري: إنما تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه ! إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنا لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا فيما بيننا : إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها ! فأنزل الله الخبر من السماء: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} الآية، فالإلقاء بالأيدي إلي التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
ثم عقب ذلك بقوله : ” والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: {وأنفقوا في سبيل الله} وسبيله: طريقه الذي شرعه لعباده وأوضحه لهم.
ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوكم الناصبين لكم الحرب ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} … فمعنى قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمتكم فتهلكوا والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداء فرض الله عليه في ماله. وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله، فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} إلي قوله: {وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة: 60] فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلما وبيديه للتهلكة ملقيا. وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف منه، ملق بيديه إلي التهلكة، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87] وكذلك التارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه، مضيع فرضا، ملق بيده إلى التهلكة.
فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة} ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهي عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكره الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي… ”

15. اختلافهم بسبب حمل الكلام علي التقديم والتأخير :
المراد بالتقديم والتأخير : “جعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الأصلية أو بعدها لعارض اختصاص أو أهمية أو ضرورة ” . وللتقديم والتأخير في القرآن الكريم أسباب عديدة منها إفادة القصر والاختصاص ، ومنها الاهتمام بالمقدم والتشويق للمؤخر ، ومنها مراعاة الترتيب حسب الأسبقية أو حسب الأفضلية ، ومنها عودة الضمير علي مذكور سابق ، وغير ذلك .
وأقول إن الأصل بقاء الكلام علي ترتيبه المتبادر من ظاهر النص ، فلا نقول بالتقديم والتأخير إلا بقرينة تقرر ذلك .
• مثال لهذا النوع من الاختلاف : قوله تعالى في سورة البقرة وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ {72}  هل هو سابق لقوله تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَي لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ {67} 

قيل : هو مقدم في التلاوة ، مؤخر في المعنى على قوله تعالى( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ {72}) لأن أمر موسي لقومه بأن يذبحوا بقرة كان في الترتيب الزمني بعد قصة القتل المذكورة في الآية الثانية.
قال الشوكاني رحمه الله : ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها ، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ، ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروه أن يضربوه ببعضها ، ثم علق بقوله: هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب ، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع من دون ترتيب ولا معية. ( )
وقال القرطبي رحمه الله :” قوله تعالى: “إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة” مقدم في التلاوة وقوله “وإذ قتلتم نفسا” مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة. ويجوز أن يكون قوله: “قتلتم” في النزول مقدما، والأمر بالذبح مؤخرا. ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع في أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويكون “وإذ قتلتم” مقدما في المعنى علي القول الأول حسب ما ذكرنا، لأن الواو لا توجب الترتيب. ونظيره في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله: “حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين” إلي قوله “وما آمن معه إلا قليل” [هود: 40]. فذكر إهلاك من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله: “وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها” [هود: 41]. فذكر الركوب متأخرا في الخطاب، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك.”
أقول والأولى حمل الكلام على ترتيبه والله أعلم بمراده .
• ومنه أيضاً قوله تعالى:  إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَي يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {55 سورة آل عمران ) ، اختلف فيه على أقوال:
وفي ذلك يقول الإمام القرطبي : ” قوله تعالى: “إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك” … وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: “إني متوفيك ورافعك إلي” على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء ؛ كقوله: “ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمي” [طه: 129]؛ والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمي لكان لزاما. قال الشاعر:
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
أي عليك السلام ورحمة الله.
وقال الحسن وابن جريح: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت؛ مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب بن منبه: توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلي السماء. وهذا فيه بعد؛ فإنه صح في الأخبار عن النبي صلي الله عليه وسلم نزوله وقتله الدجال علي ما بيناه في كتاب التذكرة ، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدم ويأتي.
وقال ابن زيد: متوفيك قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعد… والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله الضحاك. ” .

16. تنوع ثقافة كل مفسر
كذلك من أسباب اختلاف المفسرين : تنوع ثقافة كل مفسر وما لديه من علوم ومعطيات وما يستجد في عصره من قضايا ، ففي عصرنا هذا عصر التقدم العلمي والتطور التقني انكشفت الكثير من الحقائق العلمية الثابتة في عالم الأنفس والآفاق وظهرت الكثير من المخترعات التي لم تخطر على بال السابقين أصلا كما فرض علي العالم الإسلامي الكثير من التحديات التي لم تكن في الحسبان منها الاستعمار الصهيوني لفلسطين ، ومن كان يظن أن اليهود ستكون لهم قوة وسطوة ويصبح لهم كيان ! وتقام لهم دولة ! يهاجرون إليها من كل حدب وصوب !
والمتأمل في آيات القرآن الكريم يجد إشارات صريحة إلي هذا الواقع المرير الذي نعيشه فضلا عن اشتماله على جوانب متعددة من الإعجاز العلمي الذي يسبق به كل عصر ، ولا عجب فهو المعجزة الخالدة والعطاء المتجدد والنهر المتدفق الذي لا ينقطع إمداده ولا تنقضي عجائبه وصدق المولى عز وجل إذ يقول (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا {109}) سورة الكهف
• ولنتأمل علي سبيل المثال ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء والتي تسمي أيضا سورة بني إسرائيل  وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا  {104}
قال رحمه الله “وقلنا من بعده لبني إسرائيل” أي من بعد إغراق فرعون “اسكنوا الأرض” أي أرض الشام ومصر. “فإذا جاء وعد الآخرة” أي القيامة. “جئنا بكم لفيفا” أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيّه. وقال ابن عباس وقتادة: جئنا بكم جميعا من جهات شتى. والمعنى واحد. قال الجوهري: واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ؛ يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم. وقوله تعالى “جئنا بكم لفيفا” أي مجتمعين مختلطين. وطعام لفيف إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا. وفلان لفيف فلان أي صديقه. قال الأصمعي: اللفيف جمع وليس له واحد، وهو مثل الجميع. والمعنى: أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون. وقال الكلبي: “فإذا جاء وعد الآخرة” يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء ”
و ها نحن نري الآن الهجرة الجماعية لليهود إلي إسرائيل وعملية اغتصاب أراضي إخواننا الفلسطينيين وتحويلها إلي مستوطنات لليهود ! أليس لهذا الواقع اعتباره حين نمر علي هذه الآيات ونفسرها في ضوء واقعنا المعاصر ؟ أليس هذا من إعجاز القرآن الكريم حيث أخبرنا عن حاضرنا ومستقبلنا ؟ فهو رسالة صالحة لكل زمان ومكان .
ثم تعالوا بنا لنتأمل في جانب آخر من جوانب الإعجاز القرآني في إثباته لحقائق علمية لم تظهر إلى في زماننا هذا
• ففي نهاية سنة 1998م سمعت في إذاعة لندن [القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية ] خبرا هاما وهو عن أهم اكتشاف في هذا العام حيث توصل علماء الفلك إلي أن الكون يزداد ويتسع فتوارد إلى ذهني قول الله تعالى في سورة الذاريات  وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ {47}
ولكن هل فطن المفسرون المتقدمون إلي ذلك ؟
لنرجع سويا إلي ما كتبه الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية حيث قال : ” قوله تعالى: “والسماء بنيناها بأيد” لما بين هذه الآيات قال: وفي السماء آيات وعبر تدل علي أن الصانع قادر علي الكمال، فعطف أمر السماء علي قصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى “بأيد” أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره. “وإنا لموسعون” قال ابن عباس: لقادرون. وقيل: أي وإنا لذو سعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده. وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق علي خلقنا. عن ابن عباس أيضا. الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضا: وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك: أغنيناكم؛ دليله: “على الموسع قدره” [البقرة: 236]. وقال القتبي: ذو سعه على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل: جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري: وأوسع الرجل أي صار ذا سعة وغني، ومنه قوله تعالى: “والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون” أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. ”
• ولما تحدث القرآن الكريم عن وسائل المواصلات التي هيأها المولى عز وجل لنا لم تتوقف الآيات عند حد الوسائل القديمة التقليدية ولكنها حلقت بنا في أجواء أخرى أمام وسائل أخرى أسفر عنها زماننا ولا يزال الباب مفتوحا والتحدي قائما والقرآن سابقا لكل عصر قال تعالى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {8} سورة النحل
• ومما يحسب للمتقدمين من المفسرين أنهم تجاوزوا حدود هذه الدنيا الفانية ليحدثونا عن نعيم الجنة وما فيه من مراكب عجيبة خلقها الله عز وجل ليستمتع بها أهل الجنة :
• قال الطبري رحمه الله ” وقوله: {ويخلق ما لا تعلمون} يقول تعالى ذكره: ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعد في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر علي قلب بشر.” .
• وقال القرطبي رحمه الله :” … وقيل : ويخلق ما لا تعلمون” مما أعد الله في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر علي قلب بشر ”
• من هنا فإن يجب علي المفسر أن يكون ملما بثقافة عصره مطّلعا علي الحقائق العلمية التي اكتشفت حديثا معنيا بإبراز جوانب الإعجاز القرآني وبيان الهداية القرآنية في كل القضايا والأزمات التي تمر بها الأمة .

قواعد مهمة في التعامل مع اختلاف المفسرين :
• ينبغي على المفسر في تعامله مع هذا النوع من الاختلاف أن يعتمد علي قواعد الترجيح ، والتي منها : مراعاة النظرة الكلية الشاملة للآيات ، ومراعاة السياق ، وأن الأصل عودة الضمير علي أقرب مذكور سابق ، وأن الأصل هو الأخذ بظاهر النص فالأصل هو إجراء الكلام علي معناه الظاهر ، فلا نلجأ إلي القول بالمجاز إلا بقرينة تمنع من استعمال المعنى الحقيقي ،وأن الأصل بقاء العام علي عمومه ما لم يرد ما يخصصه ، وبقاء المطلق علي إطلاقه ما لم يرد ما يقيده ، وأن إعمال النص خير من إهماله وعليه فلا نلجأ للنسخ إلا عند التعارض الشديد ، وأن الأصل بقاء النظم القرآني على نسقه وترتيبه ، والاستفادة من تنوع القراءات المتواترة في إثراء المعنى فلا نرجح قراءة متواترة علي قراءة أخري متواترة ، ولا يجوز رد القراءة المتواترة ، ولا تضعيفها ، وينبغي أن يجتهد المفسر في التوفيق بين الأقوال حيث لا تعارض بينها ، وأن يراعي في تفسيره مقتضيات العصر ومستجداته ومعطياته العلمية .
• أما ما ورد من أقوال مختلفة في التفسير لا يمكن الجمع بينها بوجه من الوجوه : فسبيلنا فيها : أن ننظر في صحة تلك الآراء المتناقضة فنقدم الصحيح علي الضعيف ، ويقدم تفسير الصحابة علي تفسير التابعين ، فإن كان الخلاف في تفسير الصحابة ينظر في الأمر : فإن كان للصحابي الواحد قولان متناقضان ينظر في المتأخر منهما فيعتمد لأنه يدل علي تراجعه عن رأيه القديم ، فقد يرى رأيا ثم يثبت له بعد ذلك ضعفه ، وإن خالف الصحابي الواحد سائر الصحابة يقدم رأي جمهور الصحابة علي رأي الواحد منهم ، وإن خالف رأيُ صحابي رأيَ صحابي آخر يقدم رأي أرسخهما قدما في التفسير كابن عباس رضي الله عنهما وهذا ما ذهب إليه الزركشي لأن الرسول  دعا لابن عباس فقال ” اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ” .
• أما إذا تعارض التفسير بالرأي مع التفسير النبوي ولم يمكن التوفيق بينهما : فيقدم التفسير النبوي لأنه لا اجتهاد مع نص ، وكذا إذا تعارض التفسير بالرأي مع ما ثبت من أقوال الصحابة ” لأن ما يصح نسبته إلى الصحابة في التفسير النفس إليه أميل ؛ لاحتمال سماعه من الرسول  ، ولما امتازوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح ولما اختصوا به من معاينة أسباب التنزيل ، لكن إذا تعارض التفسير بالرأي مع تفسير التابعي ينظر في المسألة فإن كان التابعي مما لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب أو كان التفسير في ما فيه مجال للرأي فحينئذ نلجأ للترجيح بين التفسير بالرأي وقول التابعي إلا إذا كان إجماعا للتابعين فإنه يقدم علي التفسير بالرأي وذلك كله بشرط وجود التعارض الحقيقي أما إذا تيسر الجمع بين المعقول والمنقول فلا نلجأ إلي الترجيح .

• ومن الأمور التي ينبغي على المفسر تجنبها : ومن الأمور المهمة التي لا غنى للمفسر عنها تجنبا للوقوع في الخلاف المذموم
• سلامة الاعتقاد : بأن يلزم منهج أهل السنة والجماعة ويستمسك بالكتاب والسنة ، وأن يكون على بصيرة من أمره ، فقد ينقل بحسن نية من تفاسير الفرق الضالة فيقع فيما وقعوا فيه من أخطاء ، فإن أصحاب الفرق الضالة خاضوا غمار التفسير لمناصرة أهوائهم ، فتأولوا النصوص وأنكروا الأحاديث الصحيحة التي تخالف معتقداتهم .
التجرد من الهوى : فينبغي للمفسر أن ينشد الحق وأن يسعى إلى بيانه ، ودعوة الناس إليه ، ولا يركن إلى أهل البدع والأهواء ، وإنما ينصر الحق ويؤيده ، وأن يتجنب تفسيرات الفرق الضالة وأن يكون منها على حذر ، وأن يكشف عما فيها من زيف وضلال ،
• معرفة الدخيل في التفسير لتجنبه كالإسرائيليات والموضوعات وبدع المفسرين وأخطاء بعضهم وآراء أهل الفرق الضالة .
• تفويض العلم إلى الله تعالى وأن لا يجتهد فيما فيه نص ، وأن لا يرجح بدون دليل ، وأن لا يخوض فيما استأثر الله بعلمه ، ولا فيما لا مجال فيه للرأي .
• تحري الصدق والدقة في النقل: فلا بد من التثبت في الرواية والتحري في النقل والدقة في الكتابة حتى لا يقع في التصحيف أو اللحن ، أو ينقل الروايات الواهية بدون تعقيب عليها وأن يقدر الأمانة ويستشعر المسئولية .
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه .

وأسأل الله تعالى في ختام بحثي هذا أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه ، وأن يرزقنا القبول والتوفيق في معاشنا ومعادنا
” اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها شملي وتلم بها شعثي وترد بها الفتن عني وتصلح بها ديني وتحفظ بها غائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتبيض بها وجهي وتلهمني بها رشدي وتعصمني بها من كل سوء ”

كتبه : الفقير إلى عفو ربه
أحمد بن محمد الشرقاوي

مراجع البحث
أولا القرآن الكريم
1. إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للعلامة الشيخ أحمد محمد البنا ت 1117 هـ تحقيق د0 شعبان محمد إسماعيل ط عالم الكتب بيروت سنة 1407 هـ
2. الأساس في التفسير للشيخ سعيد حوى ت 1409 هـ ط دار السلام ط أولي سنة 1405 هـ
3. أسباب النزول للسيوطي ( لباب النقول في أسباب النزول ) بهامش تفسير الجلالين ط دار المعرفة بيروت بدون تاريخ 0
4. أسباب النزول للواحدي النيسابوري ( أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هـ ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1395 هـ 0
5. الإشارة إلي الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام ط دار الحديث بالقاهرة
6. الإكسير في علم التفسير لسليمان الصرصري ط مكتبة الآداب بالقاهرة
7. الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي ت 437هـ ط كلية الشريعة بالرياض بتحقيق د. أحمد حسن فرحات
8. الانتصاف للإمام أحمد بن المنير الاسكندري ت 683 هـ بهامش الكشاف للزمخشري ط دار الريان للتراث سنة 1407 هـ ط ثالثة 0
9. البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ط الكويت
10. البحر المحيط للإمام أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي ت 754 هـ ط دار إحياء التراث العربي ط سنة 1411 هـ ثانية 0
11. البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشي ط الحلبي بالقاهرة
12. التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي الكلبي ط دار الكتاب العربي بيروت 1403هـ
13. تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير
14. تفسير النسائي للإمام أحمد بن شعيب النسائي ت 303هـ ط مكتبة السنة 1410هـ ط 1
15. جامع البيان في تفسير القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت310هـ ط دار الريان للتراث ، ودار الحديث بالقاهرة سنة 1407 هـ وطبعة دار المعارف بتحقيق محمود محمد شاكر ، و أحمد محمد شاكر ط سنة 1957 م 0
16. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1987 م 0
17. حجة القراءات لابن زنجلة ص 160 ط مؤسسة الرسالة ط 2 سنة 1399 هـ
18. الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي ت 911 هـ ط دار الفكر سنة 1403
19. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي شهاب الدين السيد محمود الألوسي ت 1270 هـ ط دار إحياء التراث العربي ط 4 سنة 1405هـ
20. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه لابن قدامة مكتبة المعارف بالرياض
21. زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ( ت 596 هـ ) ط المكتب الإسلامي بيروت ط1 سنة 1385 هـ سنة 1965 م 0
22. السنن الكبري للنسائي – تحقيق د0 عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط أولي 1411 هـ 0
23. سنن النسائي ( أحمد بن شعيب النسائي ت 303 هـ ) بشرح السيوطي وحاشية السندي ط دار الكتاب العربي بيروت بدون تاريخ 0
24. صحيح مسلم بشرح النووي ( الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ت 261 هـ ) دار إحياء التراث العربي ط 3 بدون تاريخ 0 ط سنة 1408 هـ ط أولي ط عالم الكتب 0
25. فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ط دار الريان للتراث 1407هـ
26. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ت 1255 هـ ط البابي الحلبي سنة 1350 هـ ط أولي 0
27. الفوز الكبير في أصول التفسير لولي الله الدهلوي ترجمة سليمان الندوي ط/ دار البشائر الإسلامية
28. القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين للدكتور محمود حامد عثمان ص 27 ط دار الراقم 1423هـ
29. قبس من نور القرآن الكريم للشيخ محمد علي الصابوني ط دار القلم بسوريا ط 1 سنة 1409 هـ سنة 1988 م 0
30. الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسي الحسيني الكفوي ت 1094هـ ص 61 ط مؤسسة الرسالة
31. لسان العرب لجمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور ( 711 هـ ) 0 ط دار المعارف بدون تاريخ 0
32. متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني ت 415 هـ تحقيق د0 عدنان زرزور ط دار التراث بدون تاريخ 0
33. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ط دار الكتاب العربي بيروت 1402 هـ 0
34. المستدرك علي الصحيحين للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ت 405 هـ وفي ذيله تلخيص المستدرك للإمام شمس الدين الذهبي ت 848 هـ 0
35. المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه الخاري ومسلم في صحيحيهما لضياء الدين أبي عبد الله نحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن الحنبلي المقدسي حديث 189-1/299 ،300 وإسناده صحيح ط مكتبة النهضة الحديثة بمكة 1410هـ
36. مشاهد الانصاف على شواهد الكشاف للشيخ محمد عليان المذكور بهامش الكشاف للزمخشرى ط دار الريان للتراث
37. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 هـ ، ط المطبعة العثمانية 1312 هـ 0
38. معاني القرآن لأبي زكريا يحيي بن زياد الفراء ت 207 هـ ط دار السرور بيروت
39. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ( أبي إسحاق إبراهيم بن السري ت 311 هـ)
40. المفردات في غريب القرآن للإمام أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ت 502 هـ ط دار المعرفة بيروت بدون تاريخ 0
41. مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ط دار الفكر 0
42. الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ت224هـ مكتبة الرشد 1411هـ 0
43. النشر في القراءات العشر للإمام ابن الجزري أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي ت 833 هـ ط دار الفكر بدون تاريخ 0
44. النكت والعيون ( تفسير الماوردي ) لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري ت 450 هـ ط دار الصفوة بمصر سنة 1413 هـ ط أولي 0