إعلام الراكع الساجد
بمعنى
اتخاذ القبور مساجد

للإمام الحافظ الحجة أبي الفضل
عبد الله بن محمد الصديق الغماري

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

الحمد لله الواحد المنزه عن الصاحبة والولد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين ، وعلى آله الطاهرين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين ..
وبعد : فهذا جزء سميته (( إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد )) تكلمت فيه على حديث (( لعن الله اليهود ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) وشرحت معناه ، وبينتما فيه من أشكال لم ينتبه له جميع شراح الحديث فيما أعلم ، وأسأل الله التوفيق والسداد ، فهو الهادي إلى سبيل الرشاد ..
المؤلف
عبد الله الصديق الغماري

تخريخ الحديث
روي عن الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { قاتل الله اليهود اتخذوا من قبور أنبائهم مساجد } وفي رواية لمسلم { لعن الله اليهود } الحديث .
وروى الشيخان أيضاً عن عائشة وابن عباس صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتنم كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك { لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد }
وفي صحيح مسلم عن جندب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول { ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد أني أنهاكم عن ذلك } .
وللحديث طرق ستأتي إن شاء الله تعالى .
معنى الحديث اتخاذ القبور مساجد
السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها ، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان وهو شرك صريح .
وهذا المعنى ، منطوق اللفظ وحقيقته ، وثبتت أحاديثه مبينة له ومؤيدة منها :
حديث عائشة عن الشيخين قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه { لعن الله اليهود والنصارى اتخذو قبور أنبيائهم مساجد } قالت : فلولا ذلك ، أبرزوا قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً أي يسجد له .
قال القاضي عياض : شدد في النهي عن ذلك ، خوف أن يتناهى في تعظيمه ، ويخرج عن حد المبرة إلى حد النكير فيعبد من دون الله عز وجل ، ولذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد } لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان ولذا لما كثر المسلمون في عهد عثمان واحتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أدير على القبر المشرف حائط مرتفع ، كي لا يظهر القبر في المسجد ، فيصلى إليه العوام ، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجداً ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال ، حتى لا يمكن استقبال القبر في الصلاة ، ولذا قالت : لولا ذلك لبرز قبره اهـ .
وهذا يبين أن اتخاذ القبر مسجداً ، هو السجود له ..
ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد } جملة لعن الله قوماً ، بيان لمعنى جعل القبر وثناً .
ومعنى الحديث : اللهم لا تجعل قبري وثناً يسجد له ويعبد كما سجد قوماً لقبور أنبيائهم
ومنها : ما رواه البزار عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { اللهم إني أعوذ بك من أن يتخذ قبري وثناً فإن الله تبارك وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} إسناده ضعيف ، لكن حديث أبي هريرة شاهد له .
ومنها : ما رواه ابن سعد في الطبقات قال : أخبرنا معن ابن عيسى ، أخبرنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد . اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } مرسل صحيح الإسناد .
ومنها : ما رواه ابن أبي شيسبة ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى له ، اشتد غضب الله على قوم ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ورواه عبد الرازق ، عن معمر ، عن زيد به وإسناده صحيح . تقرر في علم المعاني : أن الجملتين إذا كانتا بمعنى واحد فإنهما يجردان عن العاطف ، كما في هذه الأحاديث ، لإفادة اتحادهما في المعنى .
هل للحديث معنى آخر ؟
ذكر كثير من شراح الحديث : أن اتخاذ القبور مساجد يحتمل معنيين : السجود لها وعبادتها ، كما سبق . وبناء المساجد عليها ، وهذا المعنى خطأ لا يصح ، وبيان ذلك من وجوه :
الأول : أنه مجاز ، والمجاز لا يجتمع مع الحقيقة في كلمة ، كما تقرر في علم البيان وهو الراجح عند جمهور الأصوليين .
الثاني : وعلى القول الضعيف بجواز اجتماعهما ، فإنما يمكن ذلك إذا كان في سياق نفي ، فيصح نفي الحقيقة ، والمجاز معاً في كلمة ، كأن يقال : ما رأيت أسداً ، ويراد الحيوان المفترس والرجل الشجاع ، والنفي أوسع دائرة من الإثبات . والفعل في الحديث مثبت ، وهو اتخذوا ، والفعل المثبت لا يعم ، فلا يراد به إلا الحقيقة ..
الثالث : أن بناء المساجد على القبور ، ثبت فيه حديث بخصوصه وهذا يبين أنهما معنيان مختلفان بالحقيقة والمجاز ..

بناء المساجد على القبور
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأيناها بالحبشة ، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
{ أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فما بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة } ؟
فهذا الحديث وراد في بناء المسجد على القبر ، ومن ضمه إلى حديث اتخاذ القبور مساجد ، وجعل معناهما واحد فقد أخطأ ووهم وهماً كثبيراً ، يظهر ذلك بكلام على معنى الحديث وشرحه ، فقوله { أولئك شرار الخلق } قال الأبي : الأظهر في الإشارة أنها لمن نحت وعبد وأن كانت لمن نحت فقط فيحتمل كونهم شرار بتصويرهم ، لحديث وعيد المصورين ، فذم أولئك ليس لبنائهم المسجد ولكن لنحتهم التصاوير يؤيد هذا أن البخاري قال في الصحيح : باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه : أنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور ، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل ، قال الحافظ : أثر عمر وصله عبد الرازق من طريق أسلم مولى عمر قال : لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال : أحب أن تجيبني وتكرمني ، فقال له عمر : أنا لا ندخل كنائسكم إلخ ..
وأثر بن عباس وصله البغوي في الجعديات ، وزاد : فإن كان فيها تماثيل ، خرج فصلى في المطر ، أي في محل بارز للمطر ، فصح أن الذكم في الحديث لنحت التصاوير والتماثيل ، لا لبناء المسجد ، لأنه مكان للعبادة لا ذم يلحق فاعله ، أما قول ابن عباس : لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فهو وأن حسنه الترمذي حديث ضعيف ، في سنده أبو صالح اسمه باذان ويقال باذام ضعيف مدلس وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور مع أنه أباح لهن زيارتها ؟ .
وأخرج ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عوف عن الحسن ، قال : ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد فقالت عائشة : كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال { قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } فأجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة .
قلت : عزم الصحابة على دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد ، إذ لم يروا في ذلك حرجاً ، لكن منعهم حديث عائشة وخاف أن يتخذ قبره مسجداً يسجد له ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها ، واتخذوها أوثاناً ، لعنهم ومنع المسلمين على مثل ذلك ، فأما من اتخذا مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب منه ، لا للتعظيم له ، ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد اهـ .
وقال التوربشتي في شرح المصابيح في حديث ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد ) هو مخرج على وجهين :
أحدهما : كانوا يسجدون لقبور الأنبياء ، تعظيماً لهم وقصد العبادة في ذلك .
وثانيهما : أنهم كانوا يرون الصلاة في مدافن الأنبياء وأتوجه إلى قبورهم في حالى الصلاة والعبادة لله نظراً منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعاً عند الله ، لاشتماله على الأمرين : عبادة ومبالغة في تعظيم الأنبياء .
وكلا الطريقين غير مرضيه . أما الأولى فشرك جلي ، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل ، وإن كان خفياً ، والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثناً ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } والوجه الأول أظهر وأشبه اهـ .

الصلاة إلى القبر
روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } قال العلماء : النهي في الحديث للكراهة .
قال البخاري : رأى عمر ، أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال : القبر ، القبر ولم يأمره بالإعادة .
قال الحافظ : استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف .
قال : واثر عمر ، رويناه موصلاً في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري ولفظه بينما أنس يصلي إلى قبر ، ناداه عمر : القبر ، القبر . فظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر ، جاز القبر وصلى . وعلى الكراهة التشبه بعباد القبور .
هل بناء المسجد على القبر كبيرة
عده الفقيه ابن حجر الهيثمي في الزواجر من الكبائر ، وعد معه إيقاد السرج على القبر وزيارة النساء لها ، واستدل واستدل بحديث ابن عباس الذي مر بيان ضعفه ، ثم قال : ولم أر من عد شيئاً من ذلك ، بل كلام أصحابنا مصرح بالكراهة ، دون حرمتها فضلاً عن كونها كبيرة ، فليحمل كون هذه كبائر ، على ما إذا عظمت مفاسدها ، ذكر هذا في آخر كتاب الجنائز .
وعد في صلاة الجماعة ست كبائر أخرى ، وهي اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واتخاذها أوثاناً ، والطواف بها واستلامها ، والصلاة إليها ، ثم قال : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وذكر مأخذه في ذلك ، وقال : واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه وحينئذ فقوله : والصلاة إليها ، مكرر ، إلا أن يراد باتخاذها مسجداً الصلاة عليها فقط ..
الخلاصة
أن اتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة إليه أو عليه ، كما سبق بيانه ، وأكده كلام ابن حجر الفقيه .
وأن بناء المسجد على القبر ، ليس في تحريمه حديث صحيح صريح ، وحديث أولئك شرار الخلق ، الإشارة فيه إلى من نحت التماثيل وعبدها أو نحتها ، لا إلى بناء المسجد ، بل هو جائز على الأصل والله أعلم .
تنبيه
كتاب الزواجر لابن حجر الهيثمي الفقيه لم يؤلف مثله في هذا الباب ، وهو أوسع وأجمع من كتاب الكبائر للذهبي ، ومن كتاب الكبائر لابن القيم ، إلا أنه ذكر كثير من الكبائر لا دليل عليها إلا أحاديث أو آثاراً ضعيفة ، فهو في حاجة إلى تلخيص وتهذيب ، وفق الله بعض أهل العلم أن يقوم بذلك أحسن قيام .
إشكال
قال الحافظ في فتح الباري عند الكلام على حديث صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن الله اليهود والنصارى } ما نصه: وقد استشكل ذكر النصارى فيه ، لأن اليهود لهم أنبياء ، بخلاف النصارى ، فليس بين عيسى وبين نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبي غيره ، وليس له قبر .
والجواب : أنه كان فيهم أنبياء أيضاً لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم في قول ، أو الجمع في قوله أنبيائهم بإزاء المجموع من اليهود اليهود والنصارى ، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم ، فاكتفى بذمر الأنبياء ، ويؤيد قوله في رواية مسلم { كانوا يتخذون قبورأنبيائهم وصالحيهم مساجد } .
ولهذا لما أفرد النصارى في الحديث الذي سبق – يعني حديث الكنيسة – قال { إذا مات فيهم الرجل الصالح } ولما أفرد اليهود في الحديث الذي بعده قال { قبور أنبيائهم } أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعاً أو اتباعاً فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت ، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء ، الذين تعظمهم اليهود اهـ ..
إشكال آخر
حديث { لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } حديث صحيح ، لكن فيه إشكال ، لم أجد من تنبه له أو أشار إليه ولم أهتد لحله ، والجواب عنه .
فمن وجد جواباً صحيحاً مقنعاً فليبينه مشكوراً ، مثاباً عليه عند الله تعالى ، نسأله سبحانه أن يوفقنا لفهم كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهماً صحيحاً ، موافقاً لقواعد الشريعة ، وبالله التوفيق ، والإشكال المشار إليه ، يتبين بوجوه :
الوجه الأول :
أن اليهود لعنهم الله نسبوا إلى الله مالا يليق بجلاله .
قالوا : أن الله فقيراً ونحن أغنياء ، وقالوا : يد الله مغلولة .
وقالوا : لما خلق الله السماوات والأرض استراح يوم السبت ونسبوا إلى الله الندم .
وقالوا : لما سلط عليهم بختنصر فقتل فيهم ، وشردهم إلى بابل ، ندم على ذلك ، وشد شعر رأسه حسرة وندامة ، ويعتقدون في الله أنه جسم ، تعالى عن قولهم علواً كبيراً فمن ينسب إلى الله هذه النقائص ، لا يتصور منه أن يتخذ قبور أنبيائه مساجد .
الوجه الثاني :
أن اليهود لعنهم الله ، آذوا أنبيائهم قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً } (1)
ثبت في الصحيحن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { كانت بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه أدر ، فذهب يغتسل يوماً فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه قال : فجمع موسى عليه السلام بآثاره ، يقول ثوبي حجر ثوبي ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى وقالوا : والله ما بموسى من بأس ، فقام الحجر حين نظر ، فأخذا ثوبه فطفق بالحجر ضرباً } وللحديث طرق في صحيح البخاري وغيره .
ومع هذا طعن فيه الشيخ عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء ، وتكلم فيه بكلام دل على جهله بقواعد علم الحديث والأصول ، مع جرأته على القول بغير علم ولا تثبت .
وقال الله تعالى { وإذا قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } (2) جاء في أذية قومه روايات :
منها : ما رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس في قصة قارون أنه اتفق مع بني إسرائيل أن يتهموا موسى عليه السلام أنه زنى ببغي من بغاياهم .
ومنها : ما رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه قال : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون عليه السلام فقالت بنوا إسرائيل لموسى عليه السلام : أنت قتلته ، كان أشد حباً لنا منك وألين ، فأذوه في ذلك .
فأمر الله الملائكة عليهم السلام ، فحملوه فمروا به على مجالس بني إسرائيل ، وتكلمت الملائكة بموته ، فبرأه الله من ادعائهم بقتله .
منها : قولهم له { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } (1)
ومنها : قولهم له { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } (2)
ومنها : أنهم رموه بالسحر والجنون ، وقد فعلوا هذا كله وغيره مع موسى عليه السلام وهو أكبر أنبيائهم وصاحب التوراة التي فيها شريعتهم .
وآذوا داود عليه السلام ، اتهموه بأنه عشق امرأة أوريا وزنى بها ، وأخبرته أنها حملت منه وخاف الفضيحة فأرسل إلى زوجهل وكان في غزوة ، بحجةأن يسأله عن سير القتال ، وقصد أن يلم بزوجته ، فتنتفي التهمة عنه ، ولكن أوريا كان تقياً ، لم يحب أن يتمتع بزوجه ، وإخوانه في القتال ، فنام على باب داود ، فأرسل إلى قائد الجيش يأمره أن يجعل أوريا في الذين يحملون التابوت فلا يرجع حتى يموت أو ينتصر ، فمات ، وهي القصة المشار إليها في القرآن بنبأ الخصم ، غير أن المفسرين لطفوها فقالوا : إنه لما رأى امرأة أوريا وأعجبته طلب من زوجها أن يتنازل عنها له ، والقصة مكذوبة من أصلها ، بجميع ما قيل فيها ، كما بينته قصة داود عليه السلام ..
وأنكروا نبوة سليمان عليه السلام ، وقالوا : كان ملكاً حكيماً بنى ملكه على السحر ، قال اله تعالى { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان } (3)

وقالوا عن عيسى عليه السلام إنه ابن يوسف النجار ورموا مريم عليها السلام بالزنا ، قال الله تعالى { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } (4)
فكيف تتفق أذيتهم للأنبياء ، مع اتخاذ قبورهم مساجد ؟
الوجه الثالث :
أن اليهود لعنهم الله قتلة الأنبياء والصالحين ، سجل الله عليهم ذلك في عدة آيات من القرآن الكريم ، في سورة البقرة :
{ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيينبغير الحق } الآية 61
{ أفكلما جاءكم رسول بملا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون } الآية 87
{ قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } آية 91
وفي سورة آل عمران :
{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) }
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } آية 112
{ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ } (181)
{ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوَهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (183)
وفي سورة المائدة
{ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70) }
وفي سورة النساء
{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } آية 155
وفي هذه الآيات نكتتان :
أحداهما : أن التعبير بالفعل المضارع ( يقتلون ) يفيد أن قتل اليهود للأنبياء عليهم السلام ، يتجدد مرة بعد أخرى ، ولم ينقطع في وقت من الأوقات ..
والأخرى : أنه قوله تعالى { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُـكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) }
لفظ كلما فيهما يفيد التكرار والعموم ، والمعنى أ، اليهود في جميع عصورهم ، لا يخلوا حالهم مع أنبياءهم من أمرين : التكذيب والقتل ، ولا يمكن أن يقال : مر عليهم عصراً لم يقتلوا فيه نبياً أو صالحاً ، وينبني على هذا .
الوجه الرابع:
أن قتل الأنبياء أمر عادي عند اليهود لعنهم الله ، لا يرون فيه ما ينكر ويستقبح ، بل قد يفتخرون به ، كما في شأن عيسى عليه السلام ، زعموا أنهم قتلوه ، وقالوا متبجحين مستهزئين { إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ } (1) .
الوجه الخامس :
أنهم لإصرارهم على عادتهم الخبيثة في قتل الأنبياء ، حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرتين مع أنهم كانوا ينتظرون ظهوره ، ويستنصرون به إذا حاربوا أعدائهم ، قال الله تعالى
{ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ (89) } (2) .
ثبت في الصحيحن وغيرهما أنهم سموا ذراع شاة وقدموها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، فذاق منها وأخبرته الذراع أنها مسمومة ، وبقي أثرها يعاوده كل سنة حتى قال عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى { ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى كان هذا أوان انقطع أبهري } فمات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم شهيداً .
ومرة أخرى خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى يهود بني النضير يستعينهم في دية قتيلين من حلفائهم ، فقالوا : نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك وجلس النبي بجانب جدار من بيوتهم ، فخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لم تجدوا الرجل على مثل حليه فمن رجل يعلوا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمر بن جحاش ، فقال : أنا لذلك ، وصعد ليلقي عليه ضخرة كما قال ، فأتى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من السماء بما أرادوا به من الغدر فقام راجعاً إلى المدينة ، ومعه أبو بكر وعمر وعلي وغيرهم من الصحابة .
فتاريخ اليهود لعنهم الله ، سلسلة اعتداءات متوالية كفروا بآيات الله ، وكذبوا أنبيائهم وآذوهم وقتلوهم وقتلوا صلحائهم ، ونفوا نبوة سليمان وقتلوا يحيى وزكريا ، وقدموا رأس يحيى هدية لراقصة عاهرة ..
فكيف يمكن مع هذا أن يتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ؟

الوجه السادس :
أنه لا يعرف قبر نبي إسرائيلي ، أو صالح منهم ، في مكان معين بالتحديد ، فكيف يتخذون قبورهم مساجد وهم يجهلونها ؟ وقال زكرة بن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول ( لو أعرف قبر يحيى بن زكريا لزرته ) قال ابن عبد البر إسناده ليس بالقوي فضعفه قريب (1) .
الوجه السابع :
أن اليهود يؤمنون بإله واحد ، وإن كانوا يعتقدون فيه بالتجسيم والتشبيه ، وكنائسهم خالية لا قبر فيها ولا صورة ، والطائفة العزيزية منهم ، انقرضت قبل عهد النبوة ، وهم لا يعرفون قبر عزيز أيضاً .
الوجه الثامن :
أن القرآن العظيم ذكر أنواع المعبودات التي عبها المشركون ، من عهد نوح عليه السلام ، فذكر الملائكة وعيسى وعزيرا والشيطان وفرعون والجن والشمس والقمر والشعرى والكواكب ووداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا وعجل السامري وبعلا واللات والعزى ومناه والتماثيل والأصنام ، وجاء في كتب السيرة ذكر اساف ونائلة وهبل والنار معبودة فارس ، ولم يأت في القرآن ولا كتب السيرة أن قبراً عبد من دون الله أو حصل به إشراكاً كما حصل في المعبودات المذكورة .

الخلاصة
يتلخص مما مر أمور :
أحداها : أن حديث لعن الله اليهود موقوف عن العمل به حتى يوجد وجه للجمع بينه وبين ما سبق من الوجوه المذكورة ، لأنه لا يجوز العمل بدليل مع وجود ما يعارضه .
ثانيها : أن السجود للقبور وعبادتها ، شرك صريح معلوم من الدين بالضرورة ، كعبادة الأوثان والأصنام .
ثالثها : أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجداً ، وغير دفن الميت في مسجد مبني
أما الأول : فقد بيناه فيما سبق بدليله .
وأما الآخر : فقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، قالا :
قال : أبو بكر أبين يدفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ قال قائل منهم عند المنبر وقال قائل منهم : حيث كان يصلي يؤم الناس .
وقال أيضاً : أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما توفى قال ناس يدفن عند المنبر .
فهؤلاء الناس لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند المنبر أو حيث يؤم الناس ، إلا لعلمهم بأن هذا لايدخل في بناء مسجد على القبر وهؤلاء كانوا صحابة .
وهنا ينتهي ما أردته من الكلام على معنى اتخاذ القبور مساجد ، وفي كتاب ( إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة ) تكلمت على الصلاة في مسجد فيه قبور وبينت صحتها ، فلينظره من أراد ذلك ..

وبالله التوفيق

بسم الله الرحمن الرحيم

هاهنا مسائل يجب أن ننبه عليها

المسألة الأولى :
تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( لا يجمع الله أمتي على الضلالة ) وله طرق كثيرة ذكرتها في تخريج أحاديث منهاج البيضاوي ، وهو متواتر ، فالأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ والضلال .
وهذا مقرر في علم الأصول بأدلته .
المسألة الثانية :
ضاق المسجد النبوي عن المصلين ، فلم يعد يستوعبهم بعد الزيادة التي زادها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، فأمر الوليد بن عبد الملك ، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد توسعة له ، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة فبكى يومئذ كثير من الناس على هدم البيوت ، لا على دخول القبور في المسجد ، وكان لا بد من الهدم ، لأنالمصلحة اقتضته والذي قام بذلك ونفذ عمر بن عبد العزيزالعالم الصالح ، ولم ير هو ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث ، ومباين لمقاصد الشريعة ، ثم تولى الخلافة بعد ذلك – وكان خليفة راشداً – فلم يبن جدار يحجز بين القبر الشريف والمسجد ، ولم يقترح عليه ذلك أحد من العلماء في عصره ، ثم جاء أئمة المسلمين لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور ، فلم ينكروا ذلك .
وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند أبي جعفر المنصور ،الخليفة العباسي ، ولو أشار عليه بعمل حاجز بين الروضة والمسجد لنفذه في الحال ، لكنه لم يشر عليه بذلك .
وتوالت القرون ، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها ، والروضة الشريفة داخلة ، يزورنها ويتبركون بها ، واهدوا لها الهدايا المختلفة ، وهذا إجماع قطعي ، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه .
يضاف إلى هذا الإجماع القطعي حديث (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله : باب فضل ما بين القبر والمنبر ، وإن كان قد رواه بلفظ بيتي فالإشارة إلى أن قبره في بيته ، وجاء في صحيح البخاري بلفظ قبري في رواية ابن عساكر ، ورواه جماعة بلفظ قبري أيضاً .
قال البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا عبيدة بنت نابل عنعائشة بنت سعد عن أبيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري أو قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
قال الحافظ والهيثمي : رجاله ثقات ، قلت : سعد هوابن أبي وقاص ، ومحمد بن إسحاق روى له البخاري ، وهو ضعيف في روايته عن مالك ، وقال البزار أيضاً حدثنا عبد الصمد ابن سليمان المروزي ثنا أبو نباته ثنا سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
وقال الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق :
أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ثنا الحسن بن المثنى ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إسحق بن شرفي مولى ابن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال : حدثني أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
وقال الخطيب في الموضح أيضاً ص 431 ج 1 :
أخبرني الأزهري حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثني محمد ابن محمد بن داود السجستاني ثنا مكي بن عبدان ثنا يحيى بن محمد بن يحي الذهلي حدثنا أحمد بن المنذر القرشي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
ورواه أبو النعيم في الحلية من طريق عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن منبري لعلى حوضي )) .
وللحديث طرق عن ابن سعيد الخدري وأم سلمة وعبد الله بن زيد وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وأبي هريرة ، وأسانيد أحاديثهم مذكورة في كتاب إحياء المقبور وهو حديث صحيح جداً ، ويؤخذ منه أمران :
احداهما : استحباب زيارة القبر الشريف ، والصلاة في الروضة الشريفة .
والآخر : الإشارة إلى إدخال القبر في المسجد ، لأنه لا يتيسر أن يكون ما بين القبر والمنر روضة إلا بكونهما داخل المسجد ، لا خارجه ، وهذا مدرك بالضرورة الحسية ، فاقتراح بعض المتزمتين في هذا العصر : أن يبني جدار يحجز الروضة الشريفة عن المسجد ، خروج عن إجماع الأمة ، وغفلة عما يفيده الحديث ، وتنطع يأبه الدين .
المسألة الثالثة :
أول ما بني المسجد على القبر ، في العهد النبوي وبيان ذلك :
أن أبا بصير الثقفي رضي الله عنه انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية ، وذهب إلى سيف البحر ، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، انفلت من المشركين أيضاً ، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أو بصير وكان يقول :
الله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر
وهذا رجز ، فلما لحق به أبو جندل ، كان هو يؤمهم وكان لا يمر بهم عير لقريش ، إلا أخذوها وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تناشده الله ، والرحم ألا أرسل إليهم ، فمن أتاك منهم فهو آمن ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ، ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أبي جندل ، وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وبنى على قبره مسجداً .
رواه موسى بن عقبة في المغازي ، وابن إسحاق في السيرة عن الزهيري عن عروة عن المسور ومروان ، وكان الإمام مالك يقول : عليكم بمغازى الرجل الصالح موسى بن عقبة ، فأنها أصح المغازى .
وكان يحيى بن معين يقول : كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب
قال أخي في كتاب إحياء المقبور : وبلا شك يدري كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه له صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه ، ويكون حراماً يجر إلى كفر وضلال ، ثم لا يعلمه الله تعالى به ، كما أعلمه بمسجد الضرار وبقصد أصحابه من بنائه ، وأمر بهدمه ، فإذن لا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم ببناء المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمر بهدمه ، إذ لو أمر بذلك لنقل في الخبر نفسه أو في غيره لأنه شرع لا يجوز أن يضيع اهـ .
ويؤيد هذا أن أبا جندل رجع إلى المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أنه حكى له جميع أعمالهم في سيف البحر – وسيف بكسر السين – ساحل البحر .
المسألة الرابعة :
لا يوجددليل على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبور ، ولم يقل أحدمن الأئمة بذلك ، بل هم مجمعون على وجود القبور في المسجد النبوي ..
وحديث {{ لعن الله اليهود اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد }} لا يجوز الاستدلال به من جهة معارضة القرآن له ، ولا يوجد وجه للجمع بينهما .
وحديث {{ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة }} سبب وروده أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهما رأتا بالحبشة كنيسة يقال لها مارية ، فيها تماثيل وتصاوير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم ، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة ؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد ، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } (1) ويؤيد هذا أن عمر رضي الله عنه لما ذهب إلى بيت المقدس وعزمه راهب أن يتغدى عنده في الكنيسة قال له عمر : إنا لا ندخل كنيستكم لما فيها من التصاوير ، وتغدى معه خارجها ، فالتصاوير هي مصدر الذم ومبعثه .
ومن استدل بالحديث على حرمة بناء المسجد على القبر ، لم يفهم معناه لغفلته عن سبب وروده .
المسألة الخامسة :
اعترض المبتدع الألباني ، على أخي في استدلاله لبناء المسجد على قبر بآية الكهف ، لأن الله تعالى أقرهم على ما قالوا ، وبنى اعتراضه على أمرين :
الأول : لا يصح اعتبار عدم الرد عليهم إقرار لهم ، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين صالحين ، وليس في الآية إشارة إلى ذلك ، بل يحتمل أنهم كانوا كفار وفجار وهو الأقرب
الثاني : أن الله رد صنيعهم على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر حديث { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ثم قال : فأي رد أوضح من هذا ؟ وذكرا ، من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث الصحيحة كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام ، بقوله تعالى في الجن المذللين لسليمان عليه السلام { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات } (1) اهـ .
وما أبداه خطأ محض لا نصيب له من الصواب وبيان ذلك :
أن احتمال أن يكون مقترحوا بناء المسجد كفار بعيد جداً يأباه السياق ، وإن قال به بعض المفسرين ..
والصواب : ما ذكره ابن عباس والسدى وغيرهما أن أهل البلد كان فيهم مشركون ينكرون البعث ، وملكها ومنمعه مسلمون ، فلما عثروا على أهل الكهف ، وعلم أهل البلد أنهم قاموا بعد قرون ، انتصر الملك على منكري البعث بدليل مادي محسوس ، ولما رجع الفتية إلى كهفهم ، تنازع أهل البلد في شأنهم ، فقال المشركون { ابنوا عليهم بنيانا } وقال الذين غلبوا على أمرهم – هم الملك وأصحابه – { لنتخذن عليهم مسجدا } (1) من المعقول جدا أن يبنى المسلمون على فتية مؤمنين ، وليس من المعقول أبدأ أن يقترح المشركون بناء مسجد ولا يوافقون عليه .
ولم يقع ولا يجوز أن يقع أن يحكى الله تعالى عملا أو قولا لكافر ثم يقره عليه ، وإليك أمثلة من ذلك :
نبه الله على مسجد الضرار وفساد نية بانييه وقال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا تقم فيه أبدا } وقال اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } (2) فرد عليهم بقوله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم * بل أنتم بشر ممن خلق } (2) وقال اليهود { يد الله مغلولة } (3) فرد عليهم { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } (3) وقال اليهود { إن الله فقير ونحن أغنياء } (4) فرد عليهم { سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } (4) وقال المشركين { اتخذ الله ولدا } (5) فرد عليهم { بل عباد منكرون }
وهكذا لا نجد قولاً لكافر أو مشرك يحكيه الله تعالى إلا أعقبه برده ، وهذا ما يرجح أن مقترح بناء المسجد على أهل الكهف مسلمون .
وحديث {{ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد }} لا يصح الاستدلال به ولا يجوز العمل به ، لما سبق من بيانه ، فالاستدلال بآية الكهف صحيح ، لا يوجد ما يعارضه ، وتنظير الاستدلال بآية سبأ ، غفلة كبيرة عن سياق الآيتين .
والسياق يجب اعتباره في الكلام على أى آية من القرآن الكريم وترك اعتباره يوقع في خطأ كبير ، كما هنا ، فسياق آية سبأ في الكلام على الملك تالذي خص الله به سليمان عليه السلام حيث قال { قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي } (1) فأجاب الله له وذكر تسخير الجن من جملة ما خصه به ، فالاستدلال بها على إباحة التماثيل لا يصح ولا يجوز يؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمسك شيطاناً كان يشغله في صلاته ، وخنقه حتى سال لعابه على يديه الشريفة ، وهم أن يربطه بسارية في المسجد حتى يصبح ويراه صبيان المدينة قال { ثم تذكرت قول أخي سليمان { هب لي ملك لا ينبغي لأحد من بعدي } (1) فأطلقته } فهذا الحديث يبين أن ما أعطيه سليمان خاص به ، لا يكون لغيره ولا يجوز له أم سياق آية الكهف ، فهو يختلف عن هذا غاية الاختلاف حسبما مر بيانه بالتفصيل .
المسألة السادسة :
حديث الصحيحن { لا تشد الحال إلا إلى ثلاث مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى } أخذ بظاهره بعض العلماء فمنع السفر إلى غير هذه المساجد المذكورة في الحديث ، وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي منع السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وغير ذلك .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : قال بعض المحققين { إلا إلى ثلاث مساجد } المستثنى منه محذوف ، فأما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أى أمر كان إلا إلى ثلاثة مساجد ، أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاث ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف ، وغيره من قبور الصالحين اهـ ..
وقال تقي الدين السبكي : ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثة ، ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ، ورتب عليه حكما وشرعياً ، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها ، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات ، قال : وقد التبس ذلك على بعضهم ، فزعم أن شد الرحال لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد ، أو إلى مكان من الأمكنة ، لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان ، بل من في ذلك المكان اهـ .
ويؤيده ما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد – وذكر عنده الصلاة في الطور – فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلا إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي } .
قال الحافظ : وشهر حسن الحديث ، وإن كان فيه بعض الضعف اهـ .

وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار ، ويشد إليه الرواحل ، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي } في سنده عن موسى ابن عبيدة الربذي وثقه ابن سعد ووكيع ، والجمهور ضعفوه لكنهم وصفوه بالصلاح .
وقال زيد بن الحباب : كنا عند موسى بن عبيدة بالربذة فأقمنا عنده ومرض ومات فأتيت قبره ومعي رفيق لي ، فجعل ريح المسك يفوح من قبره ، فجعلت أقول لرفيقي : أما تشم ؟ أما تشم ؟ وليس بالربذة يومئذ مسك ولا عنبر .
قال البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد (1) وليس بالحافظ وأحسب إنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وهذا الحديث مؤيد بحديث شهر ، وهما يفيدان ترك شد الرحلة إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، فلو نذر شخص صلاة ركعتين أو أكثر ، بجامع القرويين أو الأزهر ، لم يلزمه أن يشد الرحلة إليه ويفي بنذره بالصلاة في أي مسجد ببلده ..
ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة ، لزمه الرحلة إليها عند الجمهور ، لأنها مساجد الأنبياء (2) .
وروى أبو الفتح الأزدي وأبو الحسن العسكري وأبو موسى المديني من طريق يقية عن عمرو بن عتبة عن أبيه عن زيادة ابن سمية سمعت زكرة بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول (( لو أعرف موضع قبر يحيى لزرته )) قال أبو حاتم : زيادة بن سمية ليس هو الأمير المشهور الذي استخلفه معاوية ، وقال ابن عبد البر : ليس إسناده بقوي ، ومن المعلوم أن قبر يحيى عليه السلام بالشام ، فالحديث يفيد جواز الرحلة لزيارة القبور .
والقرآن يؤيده في ذلك لأن الله تعالى رخص في كتابه الكريم للمسافر أن يتيمم ويقصر الصلاة ، ويفطر في رمضان ، وبم يقيد السفر بأن يكون للمساجد الثلاثة ، بل جعله سفراً عاماً يشمل السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الأخوان والصالحين أحياء وأمواتاً ، وزيارة الفسحة والنزهة وكل سفر واجب أو مندوب أو مباح ، وهذا هو اليسر الذي أراده الله لنا في قوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }

المسألة السابعة :
تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال { جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهورة } وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بإجماع العلماء .
والخصائص لا تنسخ ولا يستثنى منها ولهذا حمل العلماء الحديث الوارد عن الصلاة في المقبرة على الكراهة ولم يحملوه على البطلان ، بل حتى من حمل النهي عن التحريم قال أن الصلاة صحيحة ، ونص الحافظ البيهقي والحافظ ابن عبد البر ، والحافظ بن حجر على أن الحديث { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } محمول على الكراهة فقط ، بل رجح حافظ المغرب ابن عبد البر عدم الكراهة واعتمادهم في ذلك كله على الحديث السابق ذكره .

فتاوي الديار المصرية
وأما نص الفتوى لمفتي الديار المصرية على المذاهب الأربعة :

1- قال فقهاء مذهب أبي حنيفة : تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة .
2- وقال فقهاء مذهب مالك : الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة .
3- وقال فقهاء مذهب الشافعي : تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة ، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه ، أوعلى يمينه أو على شماله ، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة ، لوجود النجاسة بها .
4- وقال فقهاء مذهب أحمد بن حنبل : أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر ، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة .
لذا كانت الصلاة في المصلى المسؤول عنها صحيحة بلا كراهة في فقه الأئمة أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، ومكروهة في فقه الإمام الشافعي رحمهم الله اهـ .
ومن هنا يعلم أن من قال أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبور باطلة ، فهو كاذب ، يدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم { أجراؤكم على الفتيا أجراؤكم على النار } وحديث { من حدث بحديث يظن أنه كاذب فهو أحد الكذابين } ..

والله سبحانه وتعالى أعلم

تم بحمد الله كتابي
1- إحياء المقبور بأدلة جواز بناء المساجد على القبور ( أحمد عبد الله الغماري )
2- اعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد ( عبد الله الصديق الغماري )