شرح عقود اللجين
في بيان حقوق الزوجين
لمحمد بن عمر بن على نووي
البنتني الجاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفقيرُ إلى رحمة الربّ الغفّار محمدٌ المعترف بالأوزار، بصره الله عيوبَ نفسه، وجعل يومه خيرا من أمسه: الحمد لله كما ينبغى له. والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، وآلهِ، وصحبهِ عددَ كل معلومٍ له.
(أما بعد): فهذا شرحٌ طلبه مني بعضُ المحبين على الرسالة المتعلقة بأمور الزوجين التى صنّفها بعضُ الناصحين، وسميتُها: “عُقُوْدَ اللُّجَيْنِ فِيْ بَيَانِ حُقُوْقِ الزَّوْجَيْنِ”، وأرجو من الله تعالى الإعانةَ، والإخلاصَ، والقبولَ، والنفعَ به بجاه سيدنا محمدٍ، وأزواجهِ وذريتهِ وحزبه، وأهديتُ ذلك للوالدين راجيا من الله تعالى غفران ذنوبهما، وارتفاع درجاتهما، إته تعالى واسعُ المغفرةِ وأرحمُ الراحمين.
قال المصنف، شكر الله سعْيَه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم) اعلم: أن البسملة كثيرةُ البركة، من ذكَرها حصل له المأمولُ، ومن واظب عليها حظى بالقبول، قيل: إن الكتب المنزلة من السماء إلى الأرض مائة وأربعةٌ: صُحُف شيث ستون، وصحفُ إبراهيم ثلاثون، وصحفُ موسى قبل التوراة عشرةٌ، والتوراةُ، والإنجيلُ، والزبورُ، والفرقانُ. ومعانى كل الكتب مجموعةٌ في القرآن، ومعانى القرآن مجموعةٌ في الفاتحة، ومعانى الفاتحة مجموعةٌ فى البسملة، ومعانى البسملة مجموعة فى بائها. وكان بعضُ العلماء الصالحين أصابه مرضٌ شديدٌ أعجز الأطباءَ، فتفكّر في بعض الأعيان تلك العبارة، فواظب على البسملة من غير عددٍ محصورٍ، فشفاه الله تعالى ببركتها.
{وحكي}: أن امرأةً كان له زوج منافقٌ، وكانت تقول على كل شيئ من قول أوفعل: “بسم الله”، فقال زوجها: “لأفعلنّ ما أخجلها به”، فدفع إليها صُرّةً، وقال: “احفظيها”، فوضعتْها في محلٍّ وغطتْها، فغافلها وأخذ الصرةَ ورماها في بئرٍ في داره، ثم طلبها منها، فجاءت إلى محلها، وقالت: “بسم الله الرحمن الرحيم”، فأمر الله تعالى جبريلَ عليه السلام أن ينزل سريعا ويُعيد الصُرّةَ إلى مكانها، فوضعت يدها لتأخذها، فوجدتها كما وضعَتْ، فأخذتها وناولتْها إلى زوجها، فتعجّب من ذلك غايةَ التعجّب، وتاب إلى الله تعالى من نفاقه.
(الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا نَسْتَفْتِحُ بِهِ الْخَيْرَاتِ) أي نطلب بذلك الحمد الفتحَ للخيرات (وَالنُّصْرَةَ عَلَى تَحْصِيْلِ) الفاضلات (النَّفَحَاتِْ) أي نطلب بذلك الحمد الفتحَ للعطايا والنصرةَ على تحصيلها (وَالصَّلاَةُ) أي رحمةُ الله المقرونةُ بالتعظيم للأنبياء، ومطلقُ الرحمة لغيرهم، والدعاءُ بخيرٍ من العباد (وَالسَّلاَمُ) أي تحيةُ الله العُظمَى، وهو تعظيم للأنبياء كما يُحَيّى أحدُنا ضيفَه وطلب العباد لذلك (عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْبَرِيَّاتِْ) أي رئيس المخلوقات (وَعَلَى آلِهِ) أي أتباعه على الإيمان ولوعُصاةً (وَصَحْبِهِ) وهم المجتمعون بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين ولولحظةً (الأَئِمَّةِ) أي الْمُقتَدَى بهم فى أمور الدين (الثِّقَاتِْ) فيها.
(أَمَّا بَعْدُ) أي بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام: (فَهَذِهِ) أي الحاضرة في الذهن (رِسَالَةٌ) أي كتاب صغير جدا (مُهِمَّةٌ) مُحْزِنةٌ للقلوب (رَتَّبْتُهَا) أي هذه مقسومةً (عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُوْلٍ) أي أفراز (وَخَاتِمَةٍ) وهي ما تُذكر لإفادة ما يتعلق بالمقصود، وكأن ذلك التعلق تعلق اللاحق بالسابق، وهو التعلق من حيث التكميلُ، وزيادةُ التوضيح:
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِيْ) بيان (حُقُوْقِ الزَوْجَةِ) الواجبة (عَلَى الزَوْج) وهي حُسْن العِشْرة، ومؤْنةُ الزوجة ومهْرُها، والقَسْم، وتعليمُها ما تحتاج إليه من فروض العبادات وسننها ولو غيرَ مؤكَّدة، ومما يتعلق بالحيض، ومن وجوب طاعته فيما ليس بمعصية.
(الفَصْلُ الثَّانِيْ: فِيْ) بيان (حُقُوْقِ الزَّوْجِ) الواجبة (عَلَى الزَّوْجَةِ) وهي طاعة الزوج في غير معصية، وحسن المعاشرة، وتسليم نفسها إليه، وملازمة البيت، وصيانة نفسها من أن توطئ فراشه غيره، والإحتجاب عن رؤية أجنبي لشيء من بدنها ولو وجههل وكفيها، إذ النظر إليهما حرام ولو مع انتفاء الشهوة والفتنة، وترك مطالبتها له بما فوق الحاجة ولو علمت قدرته عليه، وتعففها عن تناول ما يكسبه من المال الحرام، وعدم كذبها على حيضها وجودا وانقطاعا.
(الفَصْلُ الثَالِثُ: فِيْ) بيان (فَضْلِ صَلاَةِ الْمَرْأَةِ فِيْ بَيْتِهَا وَفِيْ أَنَّهَا) أي صلاة المرأة في بيتها (أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). قال صلى الله عليه وسلم: {أَقْرَبُ مَا تَكُوْنُ الْمَرْأَةُ مِنْ وَجْهِ رَبِّهَا إِذَا كَانَتْ فِيْ قَعْرِ بَيْتِهَا وَإِنَّ صَلاَتَهَا فِيْ صُحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِيْ الْمَسْجِدِ، وَصَلاَتَهَا فِيْ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِيْ صُحْنِ دَارِهَا، وَصَلاَتَهَا فِيْ مُخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِيْ بَيْتِهَا}. والمخدع بضم الميم: بيت في بيت، وذلك للستر.
(الفَصْلُ الرَابِعُ: فِيْ) بيان (حُرْمَةِ نَظَرِ الرَجُلِ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ وَالْعَكْسِ) أي نظرهن إليه، فما يحرم رؤيته على الرجل يحرم رؤيته على المرأة منه. والمراهق في ذلك كالرجل، فيلزم وليه منعه من النظر إلى الأجنبية، ويلزمها الإحتجاب منه. وكالمرأة في ذلك الأمردُ الجميلُ الوجهِ، كذا في النهاية للشيخ محمد المصري (وَ) في (مَا وَقَعَ فِيْهِ) أي النظر (مِنَ الزَجْرِ) أي المنع من الكتاب والأحاديث.
ويحرم على الرجل ولو مجبوبا وخصيا وعنينا ومخنثا وهمًّا نظره إلى أجنبية مشتهاة حتى إلى وجهها وكفيها ظهرا وبطنا، وهو المفتي به، لكن نقل عن الأكثرين حل النظر إلى ذلك. أما نظرُ الرجل إلى زوجته وأمته في حال حياة كلٍّ منهما فجائزٌ ولو مع وجود مانع من الإستمتاع قريب الزوال كحيض ورهن، لكن يكره نظر الفرج حتى من نفسه بلا حاجة، بخلاف المانع البطىء الزوال كأن اعتدت الزوجة عن شبهة، فيحرم النظر إلى ما بين سرّتها وركبتها، دون غيره كالمحارم والأمة المزوّجة. أما النظر لإجل النكاح، فيجوز إلى الوجه والكفين فقط من الحرة، وإلى ما عدا ما بين السرة والركبة من الأمة. ويجوز النظر إلى الأجنبية في الوجه فقط للشهادة والمعاملة، وإلى الأمة عند شرائها فيما عدا العورة من ظاهر البدن.
ويجوز النظر إلى الأجنبية ومسّها للمداواة في المواضع التي يحتاج إليها ولو فرجا، بشرط حضور من يمنع الخلوة من محرم ونحوه، وبشرط فقد جنس معالج، ويجوز النظر إليها أيضا لتعليم الواجب فقط عليها كما قاله السبكي وغيره، وذلك عند فقد من يعلمها من المحارم والنساء، قياسا على المداواة، وعند تعسر التعليم من وراء حجاب. ولا يجوز النظر إليها لأجل تعليم المندوب، بخلاف الأمرد، فيجوز النظر إليه لأجله. كذا في شرح النهاية للشيخ المصري على الغاية لأبي شجاع.

{الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيْ) بيان (حُقُوْقِ الزَوْجَةِ) الواجبة (عَلَى الزَوْجِ}
(قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة النساء: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي بالعدل في المبيت، والنفقة، وبالإجمال في القول (وَقَالَ) في سورة البقرة: (وَلَهُنَّ) على الأزواج (مِثْلُ الَّذِي) لهم (عَلَيْهِنَّ) من الحقوف في الوجوب، واستحقاق المطالبة عليها، لا في الجنس (بِالْمَعْرُوفِ) أي بما يُستَحْسَن شرعًا من حُسْن العِشْرَةِ، وتركِ الضرر منهم ومهن. قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى ذلك “إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لاِمْرَأَتِيْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِيْ” (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي فضيلةٌ في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما دفعوه إليهن من المهر، ولإنفاقهم في مصالحهن.
(رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِيْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أي آخر حجه صلى الله عليه وسلم، وهو حجة الجمعة (بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَىْ عَلَيْهِ وَوَعَظَ) الحاضرين (ألاَ) أي تنبهوا يا قوم لما يلقى إليكم (وَاسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيْراً) الباء للتعدية أي اقبَلوا وصيتي فيهنّ، واعمَلوا بها، وارفقوا بهنّ، وأحسنوا عِشْرتهنّ، فإن الوصية بهنّ آكدُ لضعفهنّ، واحتياجهنّ إلى من يقوم بأمرهنّ. وفي نصب “خيرا” وجهان، أحدهما: أنه مفعول “استوصوا”، لأن المعنى: افعلوا بهن خيرا. والثاني: معناه: اقبلوا وصيتي وائتوا خيرا، فهو منصوبٌ بفعلٍ محذوف كقوله تعالى: {وَلاَ تَقُوْلُوْا ثَلاثَةٌ انْتَهُوْا خَيْراً لَكُمْ} أي انتهوا عن ذلك، وائتوا خيرا (فإنّمَا هُنّ عَوَان) أي أسيرات (عِنْدَكمْ) فعوان بالنون المكسورة جمعُ عانية، وهي بصيغة منتهى الجموع، وإنما قيل للمرأة عانيةٌ، لأنها محبوسة كالأسير عند الزوج. وفي لفظ: {فَإنَّهُنَّ عوَار} بالراء جمع عارية ‘ فإن الرجال أخذوهنّ بأمانة الله (لَيْسَ) أي الشأن (تَمْلِكُونَ مِنْهُنّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ) أي الخير (إلاّ أَنّ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ) أي نشوز (مُبَيّنَةٍ) أي ظاهرة، بأن ظهرت أماراته (فَإِنْ فَعَلْنَ) بأن أظهرْنَ النشوز (فَاهجُرُوهُنّ في المضَاجِعِ) أي اعتزلوهن في الفراش، واتركوا مضاجعتهن أي النوم معهن. وهذا الهجر لا غاية له، لأنه لحاجة صلاحها، فمتى لم تصلح فالهجر باقٍ وإن بلغ سنين، ومتى صلحت فلا هجر. وعن بعض العلماء غاية الهجر شهر (وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرّحٍ) وهو الذي لا يكسر عظما، ولا يشين عضوا أي ضربا غير شديد، وذلك إن لم يرجهن بالهجران (فَإنْ أطَعْنَكُمُ) فيما يراد منهن (فَلاَ تَبْغُوا) أي لا تطلبوا (علَيْهِنّ سَبِيلاً) أي طريقا إلى ضربهن ظلما، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له (أَلاَ) أي تنبهوا (إنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنسَائِكمْ عَلَيْكُمْ حَقاً. فَحَقُكّمْ عَلَيْهِنَّ فَلاَ يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُوْنَ ولاَ يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُوْنَ. ألاَ وحَقهُنّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنّ فِي كِسْوَتِهِنّ وطَعَامِهِنَّ) روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلىَ الزَّوْجِ) أي من حقها عليه (أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوْهَا إِذَا اكْتَسَىْ وَلاَ يَضْرِب الْوَجْهَ) أي عند نشوزها (وَلاَ يُقَبِّح) بتشديد الموحدة مكسورة أي لا يُسْمِعْها مكروها، ولا يقلْ: “قبّحَكِ اللهُ” (وَلاَ يَهْجُر) وفي رواية: “وَلاَ يَهْجُرْهَا” (إِلاَّ فِيْ المْبَِيْتِ) أي في المضجع عند النشوز، أما الهجر في الكلام فإنه حرام إلا لعذر. رواه الطبراني والحاكم عن معاوية بن حيدة بفتح المهملة.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيمُّاَ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلىَ مَا قَلَّ مِنَ المَْهْرِ أَوْ كَثُرَ لَيْسَ فِيْ نَفْسِهِ) أي قلبه (أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا حَقَّهَا خدعها فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهَا حَقَّهَا لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ زَانٍ} أي آثم (الْحَدِيْثَ) أي اقرأ الحديث. رواه الطبراني.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إِيمانَاً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً) بفعل الفضائل وترك الرذائل (وألْطَفُهُمْ) أي أرفقهم وأبرّهم (بِأَهْلِهِ) أي من نسائه وأولاده وأقاربه. رواه الترمذي والحاكم عن عائشة.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ) أي حلائله وبنيه وأقاربه (وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِيْ) رواه ابن حبان. وقال عليه السلام: {خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِنِسَائِيْ}.
(وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَبَرَ عَلىَ سُوْءِ خُلُقِ امْرَأَتِهِ أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى أَيُّوْبَ عَلَى بَلاَئِهِ) فالله ابتلاه بأربعة أمور: فقْدِ ماله، وولدهِ، وتمزيقِ جسدهِ، وهجْرِ جميعِ الناس له إلا زوجته، فإنه كان له من أصناف المالِ إبلٌ وبقر وغنم وفِيَلَةٌ وحُمُرٌ، وكان له خمسمائة فَدَّانٍ يتبعها خمسُمائةِ عبد، لكل عبد امرأةٌ وولد ومال، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به، وكانوا كُهُوْلا، وكا إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، فيقف فيهن حيثما أراد، فسمع صلاة الملائكة على أيوب، فحسده، وقال: “إلهي نظرت في عبدك أيوبَ، فوجدته شاكرا حامدا، ألا ولو ابتليته لرجع عن شكرك وطاعتك”، فقال الله له: “انطلق فقد سلطتُك على ماله”، فانطلقَ وجميعُ عفاريت الشياطين والجن، وقال لهم: “قد سلطت على مال أيوب”، وقال لعفريت منها: “ائت الإبل ورعاتها، فاحرقها”. ثم جاء إبليس إلى أيوب، فوجده قائما يصلى، فقال له: “أحرقت النار إبلَكَ ورعاتها”، فقال أيوب: “الحمد لله، هو أعطانيها، وهو آخذها”. ثم فعل مثل ذلك بالغنم ورعاتها. ثم جاء إلى أيوب، وقال له: “نسفت الريح زرعك”، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال إبليس: “سلطني على ولده”، فقال له: “انطلق، قد سلطتك على ولده”، فذهب إلى ولده، وزلزل بهم القصر، وقلبه عليهم فماتوا جميعا، ثم جاء إلى أيوب وأخبره بموت ولده، فاستغفر. ثم قال: “سلطني على جسده”، فقال: “سلّطتُك على جسده، غير قلبه ولسانه وعقله”، فذهب إلى أيوب فوجده ساجدا، فجاء من قبل وجهه، ونفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، ووقع فيه حكة، فحكها بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة، ثم بالفخار والحجارة، فلم يزل يحكها حتة تقطع جسده وأنتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة لهم، وجعلوا له عريشا، وهجره الناس كلهم إلا زوجته المسماة رحمة، فكانت تخدمه بما يصلحه، وتأتيه بالطعام. وهجره الثلاثة الذين آمنوا ولم يتركوا دينهم.
وروي: {أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَشْكُوْ إِلَيْهِ خُلُقَ زَوْجَتِهِ، فَوَقَفَ بِبَابِهِ يَنْتَظِرُهُ، فَسَمِعَ امْرَأَتَهُ تَسْتَطِيْلُ عَلَيْهِ بِلِسَانِهَا، وَهُوَ سَاكِتٌ لاَ يَرُدُّ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفَ الرَجُلُ قَائِلاً: إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، فَكَيْفَ حَالِيْ ؟. فَخَرَجَ عُمَرُ فَرآهُ مُدْبِرًا فَنَادَاهُ، مَا حَاجَتُكَ ؟. فَقَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، جِئْتُكَ أَشْكُوْ إِلَيْكَ خُلُقَ زَوْجَتِيْ وَاسْتِطَالَتِهَا عَلَيَّ، فَسَمِعْتُ زَوْجَتَكَ كَذَلِك َ، فَرَجَعْتُكَ وَقُلْتُ: إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، فَكَيْفَ حَالِيْ ؟. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ياَ أَخِيْ إنّيْ احْتَمَلْتُهَا لِحُقُوْقٍ لَهَا عَلَيَّ، إنَّهَا طَبَّاخَةٌ لِطَعَامِيْ، خَبَّازَةٌ لِخُبْزِيْ، غَسَّالَةٌ لِثِيَابِيْ، مُرْضِعَةٌ لِوَلَدِيْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَيَسْكُنُ قَلْبِيْ بِهَا عَنِ الحَرَامِ، فَأَنَا احْتَمَلْتُهَا لِذَلِكَ، فَقَالَ الرَجُلُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتِيْ. قَالَ
عُمَرُ: فَاحْتَمِلْهَا يَا أَخِيْ، فَإِنَّمَا هِيَ مُدَّةٌ يَسِيْرَةٌ}.
(وَمَنْ صَبَرَتْ عَلَى سُوْءِ خُلُقِ زَوْجِهَا أَعْطَاهَا اللهُ مِثْلَ ثَوَابِ آسِيَةَ امرَأَةِ فِرْعَوْنَ) وهي بنت مزاحم، وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السَحَرَةَ آمنتْ به آسيةُ، فلما تبين لفرعون إيمانُها دق ليديها ورجليها أربعة أوتاد في الأرض، وشبحها فيها كلَّ عضوٍ بحبل، وجعَلَها في مقابلة الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلَّتْها الملائكةُ، وأمر فرعون بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلما أتوها بالصخرة، قالت: “ربِّ ابْنِ لِيْ عِنْدَكَ بَيْتًا فِيْ الْجَنَّةِ”، فأبصرتْ البيت َ من مرمرة بيضاءَ، فا نتزعتْ روحها، فأُلْقِيَت الصخْرةُ على جسد لا روح فيه ولم ألَمًا.
(قَالَ سَيِّدُنَا) أي أكرمنا (الْحَبِيْبُ) أي المحبوب السيد (عَبْدُ اللهِ الْحَدَّاد) صاحب الطريقة المشهورة، والأسرار الكثيرة. فاصطلاح بعض أهل البلاد أن ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ذكرا يقال له: “حبيب”، وإن كانت أنثى يقال لها: “حبابة”، واصطلاح الأكثر يقال له: “سيد وسيدة”. (الرَجُلُ الْكَامِلُ) أي في دينه (هُوَ الَّذِيْ يُسَامِحُ) أي يساهل (فِيْ حُقُوْقِهِ) كالزينة (وَلاَ يُسَامِحُ فِيْ حُقُوْقِ اللهِ تَعَالَى) كالصلاة ووصل الشعر فذلك حرام (وَالرَّجُلُ النَّاقِصُ هُوَ الَّذِيْ يَكُوْنُ عَلَى الْعَكْسِ) بأن يتسع في حقوق الله تعالى، ولا يتسع في حقوق نفسه.
كان لبعض الصالحين أخ صالح يزوره كل سنة مرة، فجاء مرة لزيارته فدق بابه، فقالت زوجته: “من هذا ؟”، فقال: “أخو زوجك في الله، جاء لزيارته”، فقالت: “ذهب يحتطب، لا ردّه الله”، وبالغت في سبه. فبينما هو كذلك، وإذا بأخيه قد حمل الأسد حزمةَ حطبٍ وهو مقبل به، ثم أنزل الحطب عن ظهر الأسد، وقال: “إذهب، بارك الله فيك”، ثم أدخل أخاه بعد التسليم عليه والترحيب به، فأطعمه. ثم ودعه وانصرف على غاية العجب من صبره عليها، وعدم جوابه في سبها. ثم جاء أخوه في العام الثاني، فدق الباب، فقالت امرأة: “من هذا ؟”، قال: “أخو زوجك، جاء يزوره”، قالت: “مرحبا”، وبالغت في الثناء عليه وعلى زوجها، وأمرتْه بانتظاره. فجاء أخوه والحطب على ظهره، فأدخله وأطعمه. فلما أراد مفارقته، سأله عما رأى من تلك وهذه، ومن حمل الأسد حطبه، فقال: “يا أخي، توفيت تلك الشرسة، وكنت صابرا على شؤمها، فسخّر الله تعالى لي الأسد لصبري عليها، ثم تزوّجت هذه الصالحة، وأنا في راحة معها، فانقطع عني الأسد، فاحتجت أن أحمل الحطب على ظهري لأجل راحتي مع هذه الصالحة.
يجوز للزوج أن يضرب زوجته على ترك الزينة وهو يريدها، وتركِ الإجابة إلى الفراش، وأن يضربها على الخروج من المنزل بغير إذنه، وعلى ضربها الولد الذي لا يعقل عند بكائه، أو على شتم أجنبي، وعلى تمزيق ثياب الزوج، وأخذ لحيته، وقولها له: “يا حمار، يا بليد” وإن شتمها قبل ذلك، وعلى كشف وجهها لغير محرم، أو تكلمها مع أجنبي، أو تكلمها مع الزوج ليسمع الأجنبي صوتها، أو إعطائها من بيته ما لم تجر العادة بإعطائه، وعلى امتناعها من الوصل. وفي ضربها على ترك الصلاة قولان، أصحهما: له ضربها على ذلك، إذا لم تفعل بالأمر.
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ) أي الشأن (يَنْبَغِيْ) أي يطلب (لِلرَّجُلِ أَنْ يُوْصِيَ امْرَأَتَهُ) أي يأمرها، ويُذكّرها ويستعطف بها. وفي الحديث: {رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَالَ: يَا أَهْلاَه، صَلاَ تَكُمْ، صِيَامَكُمْ، زَكَاتَكُمْ، مِسْكِيْنَكُمْ، يَتِيْمَكُمْ، جِيْرَانَكُمْ، لَعَلَّ اللهَ يَجْمَعُكُمْ مَعَهُمْ فِيْ الجَنَّةِ} (وَأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ وُسْعِه) أي طاقته وقوته (وَأَنْ يَسْتَحْمِلَ عَلَيْهَا) إذا آذته، بأن يصبر على إيذائها (وَيَتَلَطَّفَ بِهَا) بأن يداريها بالمعروف، فإنهن ناقصات عقل ودين. وفي الحديث: {لَوْلاَ أَنَّ اللهَ سَتَرَ الْمَرْأَةَ بِالْحَيَاءِ لَكَانَتْ لاَ تُسَاوى كَفًّا مِنْ تُرَابٍ} (وَأَنْ يُسْلِكَهَا سَبِيْلَ الْخَيْرِ) قال الرملي في عمدة الرابح: “ليس له ضربها على ترك الصـلاة أي بل يقتصر على الأمر، كما قاله عطية” (وَأَنْ يُعَلِّمَهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْ الدِّيْنِ، مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ) كالغسل من الحيض والجنابة، وكالوضوء والتيمم (وَالْحَيْضِ) أي من كل ما يتعلق به، فالذي لا بد من إرشاد النساء إليه في الحيض بيان الصلوات التي تقضيها، فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع قبيل الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء. وهذا أقل ما يراعيه النساء. كذا في الإحياء (وَالْعِبَادَاتِ) أي فرضها وسننها، من صلاة وزكاة وصوم وحج. فإن كان الرجل قائما بتعليمها، فليس لها الخروج لسؤال العلماء. وإن قصر علم الرجل، ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي، فليس لها الخروج، فإن لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصى الرجل بمنعها. ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها فليس لها أن تخرج إلى مجلس علم إلا برضاه.
(قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة التحريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقرّوا بالإيمان (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ) أي من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا لإسم (نَارًا. قَالَ) ترجمان القرآن سيدنا عبد الله (ابْنُ عَبَّاسٍ) في معنى ذلك (فَقِّهُوْهُمْ) أي علموهم شرائع الإسلام (وَأَدِّبُوْهُمْ) أي علموهم محاسن الأخلاق. وقيل: {أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ جَهِلَ أَهْلُهُ}.
(وَعَنْ) سيدنا عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ) أي حافظ مؤتمن ملتزم لصلاح ما ائتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه (وَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) في الآخرة، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، وإلا طالبه كل أحد منهم بحقه في الآخرة (فَالإِمَامُ) الأعظم أو نائبه (رَاعٍ) فهو ولي عليهم (وَ) هو (مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل راعى حقوقهم أوْلا ؟ (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ) أي زوجته وغيرها (وَ) هو (مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل وفاهم حقوقهم، من كسوة ونفقة وغيرهما كحسن عِشْرةٍ أوْلا ؟ (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) بحسن تدبير المعيشة، والنُصْح له، والشفقة، والأمانة، وحفظ نفسها، وماله وأطفاله (وَ) هي (مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) هل قامت بما عليها أوْلا ؟ (وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ) بحفظه، والقيام بمصالحه (وَ) هو (مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل وفى بما عليه أوْلا ؟ (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ) بحفظه وتدبير مصلحته (وَ) هو (مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل وفى بذلك أوْلا ؟ (فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه) والفاء جواب شرط محذوف. ودخل في هذا العمومِ المنفردُ الذي لا زوج له ولا خادم، فإنه يصدق عليه أنه راعٍ في جوارحه، حتى يعمل المأمورات، ويجتنب المنهيات. رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبوداود والترمذي
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهَ اللهَ) منصوب بفعل محذوف وجوبا لوجود التأكيد أي اتقوا الله (فِيْ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ أَمَانَاتٌ عِنْدَكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ امْرَأَتَهُ بِالصَّلاَةِ وَلَمْ يُعَلِّمْهَا) أي أمور الدين (فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُوْلَهُ) وكان آخر ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، تكلم بهن حتى تلجْلَجَ لسانه وخفي كلامه، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: {الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، لاَ تُكَلِّفُوْهُمْ مَا لاَ يُطِيْقُوْنَ. اللهَ اللهَ فِيْ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَان} أي أسراء {في أيديكم أَخَذْتُمُوْهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوْجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ}.
(وَقَالَ تَعالىَ) في سورة طه (وَ اْمُرْ أَهْلَكَ) أي أهل بيتك، وأهل دينك أي أتباعك (بالصَّلاَةِ) أي الصلوات الخمس.
(وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَلْقَى اللهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَحَدٌ بِذَنْبٍ أَعْظَمَ مِنْ جَهَالَةِ أَهْلِهِ) ويقال: أول ما يتعلق بالرجل يوم القيامة أهله وأولاده، ويقولون: ياربنا خذلنا حقنا من هذا الرجل، فإنه لم يعلمنا أمور ديننا، وكا يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم، فيضرب على كسب الحرام حتى يتجرّد لحمه، ثم يذهب به إلى النيران. كذا في الجواهر للشيخ أبي الليث السمرقندي.

{الفَصْلُ الثَّانِيْ فِيْ حُقُوْقِ الزَّوْجِ) الْوَاجِبَةِ (عَلَى الزَّوْجَةِ}
(قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة النساء (الرِّجَالُ قَوَّامُوْنَ عَلَى النِّسَاءِ) أي مسلطون على تأديبهن (بِمَا فَضَّلَ اللهُ) به (بَعْضَهُمْ) أي الرجال (عَلَى بَعْضٍ) أي النساء (وَبِمَا أَنفَقُواْ) أي عليهن (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) في نكاحهن كالمهر والنفقة.
قال المفسرون: تفضيل الرجال عليهن من وجوه كثيرة، حقيقية وشرعية. فمن الأول أن عقولهم وعلومهم أكثر، وقلوبهم على الأعمال الشاقة أصبر، وكذلك القوة والكتابة غالبا، والفروسية، وفيهم العلماء، والإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد والأذان والخطبة والجمعة والإعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص والأنكحة ونحوها، وزيادة الميراث والتعصيب، وتحمل الدية، وولاية النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الإنتساب. ومن الثاني عطية المهر والنفقة ونحوهما. كذا في الزواجر لابن حجر (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ) أي مطيعات لأزواجهن (حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ) أي لما يجب عليها حفظه أي حال غيبة أزواجهن من الفروج وأموال الزوج وسرّه وأمتعة بيته (بِمَا حَفِظَ اللهُ) أي بحفظ إياهن وبتوفيقه لهن، أو بالوصية منه تعالى عليهن، أو بنهيهنّ عن المخالفة. وعن أب هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِيْ مَالِكَ وَنَفْسِهَا} (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ) أي تظنون (نُشُوزَهُنَّ) أي بغضهن لكم ورفع أنفسهن عليكم تكبرا (فَعِظُوهُنَّ) أي فخوّفوهن الله، وهو مندوب كأن يقول الرجل لزوجته: اتقي اللهَ في الحق الواجب لي عليكِ، واحذري العقوبة، ويبين أن النشوز يسقط النفقة والقسم، وذلك بلا هجر ولا ضرب، فلعلها تبدى عذرا، أو تتوب عما جرى منها بغير عذر. ويستحب أن يذكّر لها ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: {إِذَا بَاتَتِْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ}، وما في الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم: {أَيّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتِْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا، دَخَلَتِْ الْجَنّةَ}. كذا في شرح النهاية على الغاية (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) أي اعتزلوهن في الفراش دون الهجر في الكلام، ولا يضربها، لأن في الهجر أثرا ظاهرا في تأديب النساء (وَاضْرِبُوهُنَّ) ضربا غير مبرّح إن أفاد الضرب، وإلا فلا ضرب. ولا يجوز الضرب على الوجه والمهالك، بل يضرب ضرب التعزير. والأولى له العفو، بخلاف ولي الصبي، فالأولى له عدم العفو لأن ضربه للتأديب مصلحة له، وضرب الرجل زوجته مصلحة لنفسه. حمل الوعظ في هذه الآية على حالة عدم التحقق، والهجر على التحقق من غير تكرر، والضرب على ما إذا تكرر النشوز. هو ما صححه الرافعي، لكن صحح النووي جواز الضرب وإن لم يتكرر النشوز إن أفاد الضرب. وتقدير الآية عليه: واللاتي تخافون نشوزهن، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فمعنى تخافون حينئذ تعلمون. وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته، إما بقول كأن صارت تجيبه بلام خشن بعد أن كان بليّنٍ، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضا وعبوسا بعد تلطف وطلاقة وجه فإنه يعظها بلا هجر وبلا ضرب (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي فيما يراد منهن (فَلاَ تَبْغُواْ) أي تطلبوا (عَلَيْهِنَّ سَبِيْلاً} أي طريقا إلى ضربهن كأن توبخوهنّ على ما مضى، فينجر الأمر إلى الضرب ويعود الخصام، بل اجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنْ صَبَرَ عَلىَ سُوْءِ خُلُقِ زَوْجَتِهِ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى مِثْلَ مَا أَعْطَى أَيُّوْبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنَ الأَجْرِ وَالثَوَابِ. وَمَنْ صَبَرَتْ عَلَى خُلُقِ زَوْجِهَا أَعْطَاهَا اللهُ تَعَالَى أَجْرَ مَنْ قُتِلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ تَعَالَى. وَمَنْ ظَلمَتْ زَوْجَهَا وَكَلَّفَتْهُ مَا لاَ يُطِيْقُ وَآذَتْهُ لَعَنَتْهَا مَلاَئِكَةُ الرَحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ. وَمَنْ صَبَرَتْ عَلَى أَذِيَّةِ زَوْجِهَا أَعْطَاهَا اللهُ تَعَالَى ثَوَابَ آسِيَةَ وَمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ}. كذا في الجواهر للسمرقندي
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِْ الْجَنّةَ} أي مع السابقين أي مع إتيانها ببقية المأمورات وتجنب المنهيات. رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أم سلمة.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا) أي المكتوبات الخمس (وَصَامَتْ شَهْرَهَا) أي رمضان غير أيام الحيض والنفاس إن كان (وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا) أي من وطء غير حليلها (وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا) أي في غير معصية (قِيْلَ لَهَا: ادْخُلِيْ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) وذلك للإكرام لها. رواه اإمام أحمد.
(وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ) أي رسولهن (إِلَيْكَ) لأسألك عن نصيبهن من الجهاد (هَذَا الْجِهَادُ كَتَبَهُ اللهُ) أي أوجبه (عَلَى الرِّجَاِل، فَإِنْ يُصَيَّبُوْا) بتشديد الياء المفتوحة ميني للمجهول أي إن أصابهم الجرح (أُجِرُوْا) أي أثيبوا ثوابا عظيما (وَإِنْ قُتِلُوْا) في الجهاد (كَانُوْا أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي ذوى زلفى منه. وروي {أَنَّ اللهَ تَعَالى يَطَّلِعُ عَلَيْهِْم، وَ يَقُولُ: سَلُوْنِي مَا شِئْتُمْ، فَيَقُوْلُوْنَ: يَا رَبَّنَا كَيْفَ نَسْأَلُكَ، وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِيْ أَيُّهَا شِئْنَا ؟ فَلَمَّا رَأوْا أَنْ لاَ يُتْرَكُوْا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوْا شَيْئًا قَالُوْا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا فِيْ الدُّنْيَا نَقْتُلْ فِيْ سَبِيْلِكَ}. وذلك لما رأوا من النعيم. (يُرْزَقُوْنَْ) أي من ثمار الجنة. روى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: {أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِيْ أَجْوَافِ طُيُوْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِيْ إِلىَ قَنَادِيْلَ مُعَلَّقَةٍ فِيْ ظِلِّ العَرْشِ} (وَنَحْنُ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ نَقُوْمُ عَلَيْهِمْ) أي بالخدمة ونعينهم على ما هم عليه. فقوله: “نحن” مبتدأ، وجملة “نقوم” خبره. وقوله: “معاشر” منصوب على الإختصاص أي أخص معاشر النساء (فَمَا لَنَا مِنْ ذَلِكَ ؟) أي أجر الجهاد بالجرح والقتل (فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْلِغِيْ مَنْ لَقِيْتِ مِنَ النِّسَاءِ، أَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاعْتِرَافاً بِحَقِّهِ) أي إقرارا به (يَعْدِلُ ذَلِكَ) أي يماثل الجهاد ويقوم مقامه (وَقَلِيْلٌ مِنْكُنَّ مَنْ يَفْعَلُهُ) أي طاعة الزوج والإعتراف بحقه. رواه البزار والطبراني. قال الله تعالى في سورة النساء: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} أي للرجال ثواب بسبب ما عملوا من الجهاد، وللنساء ثواب مما اكتسبن من حفظ فروجهن وطاعة الله وطاعة أزواجهن، فالرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها، يستوى في ذلك الرجال والنساء، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا. كذا قاله الشربيني في تفسيره.
(وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُوْلُ: شَرُّ خِصَالِ الرِّجَالِ) أي صفاتهم (خَيْرُ خِصَالِ النِّسَاءِ: الْبُخْلُ) بفتح الباء والخاء المعجمة، أو بضم وسكون، وهو منع السائل مما يفضل (وَالزَّهْوُ) أي الإعجاب بالنفس (وَالْجُبْنُ) أي ضعف القلب (فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ بَخِيْلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَ مَالَ زَوْجِهَا، وَإِذَا كَانَتْ مَزْهُوَّةً) أي متكبرة (اسْتَنْكَفَتْ) أي امتنعت من (أَنْ تُكَلِّمَ) أي المرأة (كُلَّ أَحَدٍ بِكَلاَمٍ لَيِّنٍ مُرِيْبٍ) أي موقع في التهمة (وَإِذَا كَانَتْ جَبَّانَةً) أي ضعيفة القلب. والأفصح: “جَبّان” بدون التاء (فَرِقَتْ ) بكسر الراء أي خافت (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا) أي محل إقامتها (وَاتَّقَتْ) أي تجنبت (مَوَاضِعَ التُّهَمِ) أي الظنون (خيْفَةً مِنْ زَوْجِهَا). وقال داود عليه السلام: {المَرْأَةُ السُّوْءُ عَلَى بَعْلِهَا كَالحمل الثَّقِيْلِ عَلَى الشَيْخِ الْكَبِيْرِ. والمَرْأَةُ الصَالِحَةُ كَالتَّاجِ الْمُرَصَّعِ بِالذَهَبِ، كُلّمَا رَآهَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِرُؤْيَتها}.
(وَيَنْبَغِيْ) أي يطلب لها (أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا كَالْمَمْلُوْكَةِ) أي الأمة (لِلزَّوْجِ) وكالأسير العاجز في يد الرجل (فَلاَ تَتَصَرَّفُ) أي تنفق (فِيْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) أي الزوج (بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَتَصَرَّفُ أَيْضًا فِيْ مَالِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، لأَنَّهَا كَالْمَحْجُوْرَةِ لَهُ) أي إن المرأة لزوجها كالممنوع من تصرف المال لأجل الغرماء.
(وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ دَوَامُ الْحَيَاءِ مِنْ زَوْجِهَا) وقلة المماراة له (وَغَضُّ طَرْفِهَا) بسكون الراء أي خفض عينها (قُدَّامَه، وَالطَّاعَةُ) أي لزوجها (لأَمْرِه، وَالسُّكُوْتُ عِنْدَ كَلاَمِه، وَالْقِيَامُ عِنْدَ قُدُوْمِهِ) أي مجيئه من السفر (وَخُرُوْجِه) أي من المنزل، وإظهار الحب له عند القرب، وإظهار السر عند الرؤية له (وَعَرْضُ نَفْسِهَا) أي إظهارها (لَهُ) أي الزوج (عِنْدَ) إرادة (النَّوْمِ، والتَعَطُّرُ) أي طيب الرائحة له (وَتَعَهُّدُهَا الْفَمَ) أي تجديد إصلاحه (بِالْمِسْكِ وَالطِّيْبِ) ونظافة الثوب (وَدَوَامُ الزِّيْنَةِ بِحَضْرَتِه، وَتَرْكُهَا) أي الزينة (عِنْدَ غَيْبَتِهِ) قال الأصمعي: رأيت في البادية إمرأةً عليها قميص أحمرُ، وهي مختضبة، وبيدها سبحة، فقلت: “ما أبعد هذا من هذا ؟”، فقالت من بحر الطويل:
ولله مني جانب لا أضيعه >< وللهو مني والبطالة جانب
فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له (وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ لَهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فِيْ فِرَاشِهِ وَمَالِهِ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُطْعِمَ مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِلاَّ الرَّطْبَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِيْ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنْ أَطْعَمَتْ عَنْ رِضَاهُ كاَنَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ، وَإِنْ أَطْعَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ الأَجْرُ وَعَلَيْهَا الوِزْرُ}. (وَإِكْرَامُ أَهْلِهِ) أي الزوج (وَأَقَارِبِهِ) ولو بالكلام الجميل (وَرُؤْيَةُ الْقَلِيْلِ مِنْهُ) أي الزوج (كَثِيْرًا) وقبولُ فعله بالشكر، ورؤيةُ حاله بالفضل (وَأَنْ لاَ تَمْنَعَ نَفْسَهَا) منه (وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ) بفت القاف والتاء أي سرج البعير، وذلك إذا كان التمتع مباحا، بخلاف غير المباح كوطء حائض أو نفساء قبل لبغسل ولو بعد انقطاع الدم عند الشافعي رضي اللع عنه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما، سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لَوْ أَنَّ امْرَأَةً جَعَلَتْ لَيْلَهَا قِيَامًا وَ نَهَارَهَا صِيَامًا وَ دَعَاهَا زَوْجُهَا إِلَى فِرَاشِهِ وَ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ سَاعَةً وَاحِدَةً جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُسْحَبُ بِالسَّلاَسِلِ وَ الأَغْلاَلِ مَعَ الشَّيَاطِيْنَ إِلَىْ أَسْفَلِ السَّافِلِيْنَ}.
ويحرم وطء زوجته بحضرة أجنبي أو أجنبية. ويستحب للمجامع أن يبدأ باسم الله تعالى، ويقرأ: “قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد” أولا، ويكبر ولا يهلل، ويقول: باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعل النطفة ذرية طيبة، إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي. وقال عليه السلام: {لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَىْ أَهْلَهُ قَالَ: اللّهُمَّ جَنِّبْنِيْ الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ}. وإذا قربت من الإنزال فقل في نفسك، وتحرّك شفتيك: {الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}، وينحرف عن القبلة، ولا يستقبلها بالوقاع إكراما للقبلة، وليغط نفسه وأهله بثوب.
(وَأَنْ لاَ تَصُوْمَ) أي تطوعا غير عرفة وعاشوراء (إِلاَّ بِإِذْنِهِ) فإن فعلت جاعت وعطشت، ولا يقبل الصوم منها (وَأَنْ لاَ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ) بأن خرجت بغير إذنه (لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَة) أي ملائكة السماء والأرض، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب (حَتَّى تَتُوْبَ) أي المرأة (أَوْ تَرْجِعَ) أي إلى بيته (وَإِنْ كَانَ) أي الزوج (ظَالِمًا) بمنع خروجها، فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها ولا تتعرف إلى صديق بعلها. وعلم من ذلك المذكور أنه يجب وجوبا متأكدا على المرأة أن تتحرى رضا زوجها وتجتنب سخطه ما أمكن.
قال عبد الله الواسطي: رأيتُ امرأةً على عرفات، وهي تقول: “مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ”، فعلمتُ أنها ضالة. فقلتُ: أيتها المرأة، من أين أقبلتِ ؟، قالتْ: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”، فعلمتُ أنها من بيت المقدس. فقلتُ: ماالذي جاء بكِ ؟، قالتْ: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً”. فقلتُ: ألكِ زوج ؟، قالتْ: “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ”. فقلتُ: أتركبين بعيري ؟، قالت: “وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ “، فلما أرادت الركوب قالت: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ”، فأعرضتُ عنها. فلما ركبتْ قلتُ: من اسمكِ ؟، قالت: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ”، فقلتُ لها: ألكِ أولاد ؟، قالت: “وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ”، فعلمتُ أن لها أولادا. فقلتُ:ما أسمائهم ؟، قالتْ: “وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ”. فقلتُ: في أيّ موضع أطلبهم ؟، قالتْ: “وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ”، فعلمتُ أنهم أدلة الركب. فقلت: يا مريمُ، ألا تأكلين شيئا ؟، قالتْ: “إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً”. فلما وصلنا إليهم، ورأوها بكوا. قالتْ: “فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة” الآية، فسألتهم عنها، فقالوا: إنها ضلت منذ ثلاثة أيام، وقد نذرت أن لا تتكلم إلا بالقرآن. ثم بعد ذلك رأيتُهم يبكون، فسألتهم، فقالوا: إنها في النزع. فدخلتُ وسألتها عن حالها، فقالت: “وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ”. فلما ماتت رأيتها تلك الليلة في المنام، فقلتُ أين أنتِ ؟، قالت: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ”.
(وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَيَسْتَغْفِرُ لِلْمَرْأَةِ الْمُطِيْعَةِ لِزَوْجِهَا الطَّيْرُ) جمع طائر مثل صاحب وصحب، وراكب وركب (فِيْ الْهَوَاءِ، وَالْحِيْتَانُ) جمع حوت، وهو العظيم من السمك، ولعل المراد أعم (فِيْ الْمَاءِ، وَالْمَلاَئِكَةُ فِيْ السَّمَاءِ) والشمس والقمر (مَا دَامَتْ) أي مدة دوامها (فِيْ رِضَا زَوْجِهَا).
كان ببغداد رجل متزوج بابنة عمه، وكان قد عاهدها أن لايتزوج عليها، فجاءته في بعض الأيام إلى دكانه، وسألته أن يتزوج بها، فأخبرها بعهده مع ابنة عمه، فرضيت منه في كل جمعة يوما، فتزوجها واستمر على ذلك ثمانية أشهر، فأنكرت عليه بنت عمه، وأرسلت جاريتها لتنظر إلى أين يذهب، فدخل بيتا، فسألت عنه الجيران، فقالوا: قد تزوج. فأخبرت الجارية سيدتها بذلك، فقالت: لاتخبري أحدا. فلما مات الرجل أرسلت بنت عمه جاريتها بخمسمائة دينار، وقالت: اذهبي إلى زوجته، وقوليعظم الله أجرك في فلان، فإنه مات وترك ثمانية آلاف دينار، سبعة لابنه، وألف بيني وبينك. فلما أخبرتها بذلك دفعت لها ورقة، وقالت: ادفعيها إلى بنت عمه، فإذا فيها براءة له من الصداق، ول منها شئا.
(وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ عَصَتْ زَوْجَهَا فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَنَّ امْرَأَةً جَعَلَتْ إِحْدَىْ يَدَيْهَا شواء وَ الأُخْرَى طَبيْخًا وَوَضَعَهَا لِزَوْجِهَا وَلَمْ يَرْضَ عَنْهَا كَانَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْيَهُوْد وَ النَّصَارَى} وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ دَعَاهَا زَوْجُهَا إِلَى فِرَاشِهِ فسوفت بِهِ حَتَّى يَنَامَ فَهِيَ مَلْعُوْنَةٌ}.
(وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ كَلَحَتْ) أي عبست (فِيْ وَجْهِ زَوْجِهَا فَهِيَ فِيْ سَخَطِ اللهِ إلَى أَنْ تُضَاحِكَهُ وَتَسْتَرْضِيْهِ) أي تطلب رضاه. وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ عَبَسَتْ فِيْ وَجْهِ زَوْجِهَا إِلاَّ قَامَتْ مِنْ قَبْرِهَا مُسْوَدَّةَ الْوَجْهِ}.
(وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ دَارِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ} أي إلى بيته. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {مَا خَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلاَّ لَعَنَهَا كُلُّ شَيْئٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ حَتَّى الْحِيْتَانُ فِيْ الْبَحْرِ}.
(قَالَتْ) أم المؤمنين (عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لَوْ تَعْلَمنَّ بِحَقِّ أَزْوَاجِكُنَّ لَجُعِلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْكُنَّ تَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ قَدَمَي زَوْجِهَا بِحُرِّ وَجْهِهَا} أي بعض وجهها. وفي الصحاح: وحر الوجه بضم الحاء: ما بدا من الوجنة. وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ ؟، قَالَ: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلىَ الرَّجُلِ ؟، قَالَ: أُمُّهُ}.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلاَثَةٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ لَهُمْ صَلاَةً) أي لا يثيبهم عليها (وَلاَ تُرْفَعُ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ حَسَنَةٌ: الْعَبْدُ) وكذا الأمة (الآبِقُ) أي الهارب بلا عذر (مِنْ سَيِّدِهِ حَتَّى يَرْجِعَ) وفي رواية: {حَتَّىْ يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيْهِ} (وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا) لنحو نشوز (حَتَّى يَرْضَىْ) عنها زوجها (وَالسَكْرَانُ) أي المتعدى بسكره (حَتَّى يَصْحُوَ) من سكره رواه ابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن جابر.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَالَتْ المَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ، فَقَدْ حُبِطَ عَمَلُهَا) أي إذا أنكرت ما تقدم لهمن الإحسان، فتجازى بإبطال عملها أي بحرمانها الثواب، إلا أن تعود وتعترف بإحسانه. نعم إن كانت على حقيقتها فلا لوم عليها. ومثل المرأة الأمة القائلة لسيدها ذلك. كذا قاله العزيزي. رواه ابن عدي وابن عساكر عن عائشة. وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ، إِلاَّ آيَسَهَا اللهُ تَعَالى مِنْ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ) بزيادة ما للتأكيد أي من غبر شدة حاجة إلى ذلك. وقال ابن رسلان: بأن تخاف أن لا تقيم حدود الله فيما يجب عليها من حسن الصحبة، وجميل العِشْرَةِ، لكراهتها له، بأن يضارها (فَحَرَامٌ) أي ممنوع (عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ثوبان، عتيق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {إِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِيْ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهَا لاَ لَحْمَ فِيْهِ وَلِسَانُهَا خَارِجٌ مِنْ قَفَاهَا وَتُهْوَى إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ وَ إِنْ كَانَتْ تَصُوْمُ النَّهَارَ وَتَقُوْمُ اللَّيْلَ دَائِمًا}.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لاَ تَشْكُرُ زَوْجَهَا}. وقال صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَنْظُرُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى امْرَأَةٍ لاَ تَشْكُرُ زَوْجَهَا وَهِيَ لاَ تَسْتَغْنِيْ عَنْهُ}. و قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:{لَوْ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْمَالِ مِثْلَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وَأَكَلَهُ زَوْجُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: لَهُ أَيْنَ مَالِيْ ؟ إِلاَّ أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهَا أَرْبَعِيْنَ سَنَةً}. وقال عثمان ابن عفان رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {لَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَلَكَتْ الدُنْيَا بِحَذَافِيْرِهَا، وَأَنْفَقَتْ الْجَمِيْعَ عَلَىْ زَوْجِهَا، ثُمَّ مَنَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حِيْنٍ إِلاَّ أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهَا وَحَشَرَهَا مَعَ قَارُوْنَ}.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ صَلاَتِهَا، وَعَنْ بَعْلِهَا}. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ الرَّجُلُ عَلَى صَلاَتَهِ ثُمَّ عَنْ نِسَائِهِ وَمَا مَلَكَتْ يَمِيْنُهُ إِنْ أَحْسَنَ عشْرَتَهُ مَعَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ. وَأَوَّلُ مَا تُحَاسَبُ الْمَرْأَةُ عَلَى صَلاَتِهَا ثُمَّ عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا}. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمُزوِّجةٍ: {فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، قَالَتْ: مَا آلُوْهُ فِيْ خِدْمَتِهِ إِلاَّ مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ، فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ}.
(وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ فِيْ الجَنَّةِ، وَأَرْبَعَةٌ فِيْ النَارِ، وَذَكَرَ) صلى الله عليه وسلم (مِنَ الأَرْبَعَةِ اللَّوَاتِيْ فِيْ الْجَنَّةِ: امْرَأَةً عَفِيْفَةً) أي كافة عن الحرام (طَائِعَةً للهِ وَلِزَوْجِهَا، وَلُوْدًا) أي كثير الولد (صَابِرَةً، قَانِعَةً) أي راضية (بِالْيَسِيْرِ مَعَ زَوْجِهَا) قال سعد اين أبي وقاص رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَفْرِجْ عَنْ زَوْجِهَا فِيْ ضِيْقِهِ لَعَنَهَا اللهُ تَعَالَى وَغَضِبَ عَلَيْهَا وَلَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ أَجْمَعُوْنَ} (ذَات حَيَاءٍ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا حَفِظَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهُ) أي الزوج. قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {مَا نَظَرَتْ امْرَأَةٌ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ إِلاَّ سمرت عَيْنَاهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. وقال أيوب الأنصاري رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِيْ سَمَاءِ الدُنْيَا سَبْعِيْنَ أَلْفَ مَلَكٍ يَلْعَنُوْنَ كُلَّ امْرَأَةٍ تخون زّوْجَهَا فِيْ مَالِهِ، وَكَانَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السَّحَرَةِ وَالْكَهَنَةِ وَإِنْ أَفْنَتْ عُمْرَهَا فِيْ خِدْمَةِ زَوْجِهَا}. وقال معاوية: إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَخَذَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهَا وِزْرُ سَبْعِيْنَ أَلْفَ سَارِقٍ}. (وَإِنْ حَضَرَ) أي الزوج (أَمْسَكَتْ لِسَانَهَا عَنْهُ) وذكر صلى الله عليه وسلم من الأربعة: (امْرَأَةً مَاتَ زَوْجُهَا وَلَهَا أَوْلاَدٌ صِغَار، فَحَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى أَوْلاَدِهَا وَرَبَتْهُمْ وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِمْ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ خَشْيَةَ أَنْ يُضَيِّعُوْا) قال صلى الله عليه وسلم: {حَرَّمَ اللهُ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ الْجَنَّةَ يَدْخُلُهَا قَبْلِي غَيْرَ أَنِّي أَنْظُرُ عَنْ يَمِيْنِيْ فَإذًا امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ فَأَقُوْلُ: مَا لهَذِهِ تُبَادِرُنِيْ ؟ فَيُقَالُ لِيْ: يَا مُحَمَّد، هَذِهِ امْرَأَةٌ كَانَتْ حَسْنَاءَ جَمِيْلَةً، وَكَانَ عِنْدَهَا يَتَامَى لَهَا، فَصَبَرَتْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى بَلَغَ أَمْرُهُنَّ الَّذِي بَلَغَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهَا ذَلِكَ} (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم:
(وَأَمَّا الأَرْبَعَةُ اللَّوَاتِيْ فِيْ النَّارِ فَامْرَأَةٌ بَذِيَّةُ اللِّسَانِ) أي فاحشته (عَلَى زَوْجِهَا، إِنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَمْ تَصُنْ نَفْسَهَا، وَإِنْ حَضَرَ آذَتْهُ) بمد الهمزة أي أغضبته من غير ذنب (بِلِسَانِهَا) قال عمر بن الخطاب: إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ رَفَعَتْ صَوْتَهَا عَلَى زَوْجِهَا إِلاّ لَعَنَهَا كُلُّ شَيْئٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ} (وَامْرَأَةٌ تُكَلِّفُ زَوْجَهَا مَا لاَ يُطِيْقُ) قال أبو ذر: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {إِنَّ امْرَأَةً عبدت عِبَادَةَ أَهْلِ السَمَاوَاتِ وَ أَهْلِ الأَرْضِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَى زَوْجِهَا الغم مِنْ جِهَةِ النَفَقَةِ إِلاّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَدُهَا مَغْلُوْلَةٌ إِلَى عُنُقِهَا وَرُجْلُهَا مُقَيَّدَةٌ وَ سترُهَا مَهْتُوْكٌ وَوَجْهُهَا كَالِحٌ وَتعلق بِهَا مَلاَئِكَة غِلاَظٌ شداد يهوون بها فِيْ النَارِ} (وَامْرَأَةٌ لاَ تَسْتُرُ نَفْسَهَا مِنَ الرِّجَالِ وَتَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا مُتَبَرِّجَةً) أي مظهرة لزينتها ومحاسنها للرجال. قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَيَّنَتْ وَتَطَيَّبَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهَا تَمْشِيْ فِيْ سُخْطِ اللهِ وَغَضَبِهِ حَتَّى تَرْجِعَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: {أيُّمَا امْرَأَةٍ نَزَعَتْ ثِيَابَهَا فِيْ غَيْرِ بَيْتِهَا خَرقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا سِتْرَهُ}. رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي. (وَامْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا هَمٌّ إِلاَّ الأَكْلُ وَالشُرْبُ وَالنَّوْمُ، وَلَيْسَ لَهَا رُغْبَةٌ) أي إرادة (فِيْ صَلاَةٍ، وَلاَ فِيْ طَاعَةِ اللهِ، وَلاَ فِيْ طَاعَةِ رَسُوْلِهِ) صلى الله عليه وسلم (وَلاَ فِيْ طَاعَةِ زَوْجِهَا. فَالمَرْأَةُ إِذَاكَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ) أي الأربعة المذمومة (كَانَتْ مَلْعُوْنَةً) أي مبعدة عن الخير (مِنْ أَهْلِ النَّارِ إِلاَّ أَنْ تَتُوْبَ) أي من ذلك كله.
(وَ) روى الحاكم (أَنَّهُ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ابْنَ عَمِّيْ يَخْطُبُنِيْ) أي يدعونى إلى النكاح (فَأَخْبِرْنِيْ) يا رسول الله (مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلىَ الزَّوْجَةِ ؟، فَإِنْ كَانَ) أي ذلك الحق (شَيْئًا) أي أمرا (أُطِيْقُهُ) أي أقدر عليه (تَزَوَّجْتُهُ. قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مِنْ حَقّهِ أَنْ) أي أنه أي الشأن (لَوْ سَالَ مِنْخَرَاهُ دَمًا، وَقَيْحًا، فَلَحِسَتْهُ) بكسر الحاء (بِلِسَانِهَا مَا أَدَّتْ حَقَّهُ) والمنخر بكسر الخاء المعجمة خرق الأنف (لَوْ كَانَ) أي الشأن (يَنْبَغِيْ) أي يجوز (لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ) أي آخر (لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا) إذا دخل عليها لما فضله الله عليها، قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيت الدنيا. وقالت عائشة رضي الله عنها: {أَتَتْ فَتَاةٌ إِلىَ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنِّي فَتَاةٌ أُخْطَبُ فَأَكْرَهُ التَزْوِيْجَ، فَمَا حَقُّ الزَوْجِ عَلىَ الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ: لَوْ كَانَ مِنْ فرقِهِ إِلىَ قَدَمِهِ صَدِيْدٌ فَلَحِسَتْهُ مَا أَدَّتْ شُكْرَهُ، قَالَتْ: أَفَلاَ أَتَزَوَّجُ ؟ قَال َ: بَلىَ تَزَوَّجِيْ فَإِنَّهُ خَيْرٌ}.
(وَرَوَى) بسند جيد سليمان (الطَبْرَانِيُّ) نسبة إلى طبرية على غير قياس، وهي مدينة بالشام (أَنَّ المرأةَ لاَ تُؤَدِّيْ حَقَّ اللهِ تَعَالى حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا كُلَّهُ، لَوْ سَأَلَهَا وَهِيَ عَلىَ ظَهْرِ قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا) قال ابن عباس: {أَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنِّيْ امْرَأَةٌ أَيِّمٌ وَأُرِيْدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ، فَمَا حَقُّ الزَّوْجِ ؟ قَاَل: “إِنَّ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِذَا أَرَادَهَا فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيْرٍ لاَ تَمْنَعْهُ، وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَّ تُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ الْوِزْرُ عَلَيْهَا وَالأَجْرُ لَهُ، وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَّ تَصُوْمَ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطَشَتْ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ تَتُوْبَ”.}
(وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَ فَاطِمَةُ، فَوَجَدْنَاهُ يَبْكِى بُكَاءً شَدِيْدًا، فَقُلْتُ) له صلى الله عليه وسلم (فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ يَا رَسُوْلَ اللهِ) ففداك مبتدأ، وما بعده خبره أي أنا أفدى لك من حزنك وبكائك بأبي وأمي لشدة محبتى إياك (مَا الذِيْ أَبْكَاكَ ؟، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا عَلِيُّ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ إِلَى السّمَاءِ رَأَيْتُ نِسَاءً مِنْ أُمَّتِيْ يُعَذَّبْنَ فِيْ النَارِ، فَبَكَيْتُ لَمَّا رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ عَذَابِهِنَّ) ثم فصل صلى الله عليه وسلم هذا الإجمال بقوله: (رَأَيْتُ امْرَأَةً مُعَلَّقَةً بِشَعْرِهَا يغْلِي) بكسر اللام (دِمَاغهَا، وَ) ثانيا (رَأَيْتُ امْرَأَةً مُعَلَّقَةً بِلِسَانِهَا وَالْحَمِيْمُ) أي الماء الحار (يُصَبُّ فِيْ حَلقِهَا، وَ) ثالثا (رَأَيْتُ امْرَأَةً قَدْ شُدَّ رِجْلاَهَا إِلَى ثَدْيَيْهَا وَ) شد أيضا (يَدَاهَا إِلَى نَاصِيَتِهَا، وَقَدْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهَا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَ) رابعا (رَأَيْتُ امْرَأَةً مُعَلَّقَةً بِثَدْيَيْهَا، وَ) خامسا (رَأَيْتُ امْرَأَةً رأْسُهَا رَأْسُ خِنْزِيْرٍ وَبَدَنُهَا بَدَنُ حِمَارٍ وَعَلَيْهَا أَلْفُ أَلْفٍ مِنَ الْعَذَابِ، وَ) سادسا (رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى صُوْرَةِ الْكَلْبِ، وَالنَّارُ تَدْخُلُ مِنْ فِيْهَا وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهَا، وَالْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُوْنَ رَأْسَهَا بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ) أي البيضاء مشرقة الوجه (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَقَالَتْ: يَا حَبِيْبِيْ وَقُرَّةَ عَيْنِيْ) أي سرور عيني وبردها (مَا كَانَ أَعْمَالُ هَؤُلاَء) أي المذكورات (حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِنَّ هَذَا الْعَذَابُ) أي المذكور (فَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بُنَيَّة، أَمَّا الْمُعَلّقَةُ بِشَعْرِهَا فَإٍنَّهَا كَانَتْ لاَ تُغَطِّى شَعْرَهَا مِنَ الرِّجَالِ) أي الأجانب (وَأَمَّا الْمُعَلّقَةُ بِلِسَانِهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِى زَوْجَهَا) أي بلسانها، فإن الجزاء من جنس العمل (وَأَمَّا الْمُعَلّقَةُ بِثَدْيَيْهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ تُوْطِئُ فِرَاشَ زَوْجِهَا. وأََمَّا الَتِيْ شُدَّ رِجْلاَهَا إِلَى ثَدْيَيْهَا وَيَدَاهَا إِلَى نَاصِيَتِهَا وَقَدْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهَا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ فَإِنَّهَا كَانَتْ لاَ تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَتَسْتَهْزِئُ بِالصَلاَةِ. وأََمَّا الَتِيْ رأْسُهَا رَأْسُ خِنْزِيْرٍ وَبَدَنُهَا بَدَنُ حِمَارٍ فَإِنَّهَا كَانَتْ نَمَّامَةً كَذَّابَةً. وأََمَّا الَتِيْ عَلَى صُوْرَةِ الْكَلْب،ِ وَالنَّارُ تَخُلُ مِنْ فِيْهَا وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَنّانةً حَسادَة ً. وَ يَا بُنَيَّة، الْوَيْلُ) أي الهلاك (لاِمْرَأَةٍ تَعْصِى زَوْجَهَا. وَالْحَاصِلُ) أي المحصل من الكلام (أَنَّ الزَوْجَ لِلزَوْجَةِ كَالوَالِدِ لِلْوَلَدِ، لأَنَّ طَاعَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ وَاجِبٌ، وَلاَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الزَوْجِ).
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: {دَخَلَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْمٍ عَلَى ابْنَتِهِ فَطِمَةَ الزَّهْرَاء رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَوَجَدَهَا تَطْحَنُ شَعِيْرًا عَلَى الرَّحَا وَهِيَ تَبْكِىْ، فَقَالَ لَهَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا يُبْكِيْكِ يَا فَاطِمَةُ ؟، لاَ أَبْكَى اللهُ لَكِ عَيْناً”. فَقَالَتْ: “يَا أَبَتِ، أَبْكَانِيْ حَجَرُ الرَّحَا وَشُغْلُ البَيْتِ”، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: “يَا أَبَتِ، مِنْ فَضْلِكَ، تَسْأَلُ عَلِيًّا أَنْ يَشْتَرِيَ لِيْ جَارِيَةً لِتُعِيْنَنِيْ عَلَي الطحِيْنِ وَعَلَى شُغْلِ البَيْتِ”. فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلاَمَهَا قَامَ وَجَاءَ إِلَى الرَّحَا وَ أَخَذَ الشَّعِيْرَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ الشَّرِيْفَةِ وَوَضَعَهُ فِيْ الرَّحَا، وَقَالَ: “بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْم”، فَدَارَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ يحبط لها الشَعِيْرَ بِيَدِهِ المُبَارَكَةِ، وَهِيَ تَدُوْرُ وَحْدَهَا، وتُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَىْ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ حَتَّى فَرَغَ الشَعِيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّحَا: “اسْكُنِيْ بإذْنِ اللهِ تَعَالَى”، فَسَكَنَتْ وَنَطَقَتْ بإذْنِ اللهِ الَّذِيْ أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيْحٍ عَرَبِيٍّ: “يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا وَسُوْلاً، لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَطْحَنَ شَعِيْرَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لَطَحَنَتْهُ كُلَّهُ، وَإِنِّيْ سَمِعْتُ فِيْ كِتَابِ اللهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، فَخِفْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ أَنْ أَكُوْنَ مِنَ الحِجَارَةِ اللاَّتِيْ يَدْخُلْنَ النَّاَر”. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَبْشِرِيْ، فَإنَّكِ مِنْ حِجَارَةِ قَصْرِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء فِيْ الْجَنَّةِ”. فَعِنْدَ ذَلِكَ فَرِحَتْ الرَّحَا وَاسْتَبْشَرَتْ وَسَكَنَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ: “لَوْشَاءَ اللهُ يَافَاِطَمُة لَطَحَنَتْ لَكِ الرَّحَا وَحْدَهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَ لَكِ الحَسَنَاتِ، وَيُكَفِّرَ لَكِ السيِّآتِ، وَيَرْفَعَ لَكِ الدَرَجَاتِ. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَحَنَتْ لِزَوْجِهَا وَأَوْلاَدِهَا إلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهَا بِكُلِّ حَبَّةٍ مِنَ القَمْحِ حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهَا سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهَا دَرَجَةً. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ عَرِقَتْ عِنْدَ طَحِيْنِهَا لِزَوْجِهَا إلاَّ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ دَهَنَتْ رُؤُوْسَ أَوْلاَدِهَا وَسَرَّحَتْهُمْ وَغَسَلَتْ ثِيَابَهُمْ إلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهَا أَجْرَ مَنْ أَطْعَمَ أَلْفَ جَائِعٍ وَكَسَا أَلْفَ عُرْيَان. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَنَعَتْ حَاجَةَ جِيْرَانِهَا إلاَّ مَنَعَهَا اللهُ تَعَالَى عَنِ الشُرْبِ مِنْ حَوْضِ الْكَوْثَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ. يَا فَاطِمَةُ، أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رِضَاالزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُكِ غَيْرَ رَاضٍ عَنْكِ مَاكُنْتُ أَدْعُوْ لَكِ، أَمَا تَعْلَمِيْنَ يَافَاطِمَةُ، أَنَّ رِضَاالزَوْجِ مِنْ رِضَااللهِ تَعَالَىْ، وَسخَطُهُ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَىْ. يَا فَاطِمَةُ، إِذَا حَمَلَتْ المَرْأَةُ بِالْجَنِيْنِ فِيْ بَطْنِهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهَا المَلاَئِكَةُ، وَكَتَبَ اللهُ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهَا أَلْفَ سَيِّئَةٍ، فَإِذَا جَاءَهَا الطَلْقُ كَتَبَ اللهُ لَهَا ثَوَابَ المُجَاهِدِيْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا خَرَجَتْ مِنْ ذُنُوْبِهَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهَا أُمُّهَا. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَدَمَتْ زَوْجَهَا بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ إلاَّ خَرَجَتْ مِنْ ذُنُوْبِهَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهَا أُمُّهَا، وَلَمْ تَخْرُجْ مِنَ الدُنْيَا وَعَلْيْهَا مِنَ الذُنُوْبِ شَيْءٌ، وَتَجِدُ قَبْرَهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَأَعْطَاهَا اللهُ تَعَالَى ثَوَابَ أَلْفِ حَجَّةٍ وَأَلْفِ عُمْرَةٍ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهَا أَلْفُ مَلَكٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وأَيُّمَا امْرَأَةٍ خَدَمَتْ زَوْجَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً بِطِيْبِ نَفْسٍ وَإِخْلاَصٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ إِلاَّ غَفَرَ اللهُ لَهَا ذُنُوْبَهَا كُلَّهَا، وَأَلْبَسَهَا يَوْمَ القِيَامَةِ حُلَّةً خَضْرَاءَ، وَكَتَبَ لَهَابِكُلِّ شَعْرَةٍ فِيْ جَسَدِهَا أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَأَعْطَاهَا الله مِائَةَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَبَسَّمَتْ فِيْ وَجْهِ زَوْجِهَا إِلاَّ نَظَرَ اللهُ لَهَا بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَرَشَتْ لِزَوْجِهَا بِطِيْبِ نَفْسٍ إِلاَّ نَادَاهَا مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: اسْتَقْبِلِيْ العَمَلَ، فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكِ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. يَا فَاطِمَةُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ دَهَنَتْ رَأْسَ زَوْجِهَا وَلِحْيَتَهُ، وَقَصَّتْ شَارِبَهُ، وَقَلَمَتْ أَظَافِرَهُ إِلاَّ سَاقَاهَا اللهُ مِنَ الرَّحِيْقِ المَخْتُوْمِ، ومن أَنْهَارِ الجَنَّةِ، وَهَوَّنَ اللهُ عَلَيْهَا سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَتَجِدُ قَبْرَهَا رَوْضًا مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَيَكْتُبُ اللهُ لَهَا بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَالجوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ}. ومعنى الرحيق: الخمر الصافية. ومعنى المختوم: الممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك الأبرار ختمه، والمختوم أشرف الجارى.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إِذَا غَسَلَتْ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ زَوْجِهَا كَتَبَ اللهُ لَهَا أَلْفَيْ حَسَنَةٍ وَغَفَرَ لَهَا أَلْفَيْ سَيِّئَةٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ}. وقالت عائشة رضي الله عنها: {صَرِيْرُ مِغْزَلِ المَرْأَةِ يَعْدِلُ التَكْبِيْرَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَأَيّمَا امْرَأَةٍ كَسَتْ زَوْجَهَا مِنْ غزْلِهَا كَانَ لَهَا بِكُلِّ سدىً مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ}. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ اشْتَرَى لِعِيَالِهِ شَيْئًا ثُمَّ حَمَلَهُ بِيَدِهِ إِلَيْهِمْ حَطَّ اللهُ عَنْهُ ذُنُوْبَ سَبْعِيْنَ سَنَةً}. وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ فَرَّحَ أُنْثَى فَكَأَنَّمَا يَبْكِى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَنْ بَكَي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ}. وقال صلى الله عليه وسلم: {الْبَيْتُ الَّذِيْ فِيْهِ الْبَنَاتُ يُنْزِلُ اللهُ فِيْهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَحْمَةً، وَلاَ تَنْقَطِعُ زِيَارَةُ المَلاَئِكَةِ مِنْ ذَلِكَ البَيْتِ وَيَكْتُبُوْنَ لأَبَوَيْهِنَّ
كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِبَادَةَ سَبْعِيْنَ سَنَةً}.

{الفَصْلُ الثَالِثُ فِيْ فَضْلِ صَلاَةِ الْمَرْأَةِ فِيْ بَيْتِهَا وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا
فِيْ الْمَسْجِدِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ}
(رُوِيَ عَنِ امْرَأَةِ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ) نسبة إلى بنى ساعدة، قوم من الخزرج (أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّيْنَ الصَلاَةَ مَعِيْ، وَصَلاَتُكِ فِيْ بَيْتِكِ) أي موضع بيتك الذي تنامين فيه (خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِيْ حُجْرَتِكِ) بضم الحاء، وهو: كل موضع حُجر عليه بالحجارة (وَصَلاَتُكِ فِيْ حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِيْ دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِيْ مَسْجِدِيْ) وذلك لطلب زيادة الستر في حقها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لأَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِيْ بَيْتِهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِيْ حُجْرَتِهَا، وَلأَنْ تُصَلِّيَ فِيْ حُجْرَتِهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِيْ الدَاِر، وَلأَنْ تُصَلِّيَ فِيْ الدَاِر خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِيْ الْمَسْجِدِ}. رواه البيهقي عن عائشة. وقال صلى الله عليه وسلم: {صَلاَةُ المَرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا في حُجْرَتِهَا، وَصَلاَتُهَا في مُخْدَعِهَا} أي خزانتها في أقصى بيتها {أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا في بَيْتِهَا} أي صلاتها في كل ما كان أخفى أفضل لتحقق أمن الفتنة. رواه أبو داود عن ابن مسعود، والحاكم عن أم سلمة. وقال صلى الله عليه وسلم: {صَلاَةُ المَرْأَةِ وَحْدَهَا تَفْضُلُ عَلَىْ صَلاَتِهَا فِيْ الجَمْعِ} أي جمع الرجال {بِخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً}. هذا محمول على الشابة ونحوها. رواه الديلمي عن ابن عمر.
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَحَبَّ صَلاَةِ المَرْأَةِ إِلَى اللهِ فِيْ أَشَدِّ مَكَانٍ فِيْ بَيْتِهَا ظُلْمَةً. وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا وَمَا بِهَا بَأْسٌ) الواو للحال أي والحال ليس بها ضرر (فَيَسْتَشْرِفُهَا الشَيْطَانُ) أي يرفع بصره إليعا ليغويها (فَيَقُوْلُ) أي الشيطان (لاَ تَمُرِّيْنَ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ أَعْجَبْتِهِ. وَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَلْبَسُ ثِيَابَهَا، فَيَقُوْلُ أَهْلُهَا أَيْنَ تُرِيْدِيْنَ ؟، فَتَقُوْلُ) أي المرأة (أَعُوْدُ مَرِيْضًا أَوْ أَشْهَدُ جَنَازَةً أَوْ أُصَلِّي فِيْ المَسْجِدِ. وَمَا عَبَدَتْ امْرَأَةٌ رَبَّهَا مِثْلَ أَنْ تَعْبُدَهُ فِيْ بَيْتِهَا) أي محل إقامتها.
(وَعَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ الشَيْبَانِيِّ أّنَّهُ رَأَىْ عَبْدَ اللهِ) بن الشياب، وهو صحابي (يُخْرِجُ النِّسَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَيَقُوْلُ: اخْرُجْنَ إِلَىْ بُيُوْتِكُنَّ) أي اخرجن من المسجد، واذهبن إلى بيوتكن (فَذَلِكَ خَيْرٌ لَكُنَّ. رَوَاهُ) أي هذا الحديث سليمانُ اللخمي (الطَبْرَانيْ فِيْ الْكَبِيْرِ) أي المعجم الكبير المصنف في أسماء الصحابة. وَرُوِيَ: {أَنَّ امْرَأَةً مَرَّتْ عَلىْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَرِيْحُهَا يعصف، فقال لَهَا أَيْنَ تُرِيْدِيْنَ يَا أمة الجبار، قَالَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، قَالَ أو تطيبت ؟، قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعِيْ فَاغْتَسِلِيْ، فَإِنِّيْ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: “لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً مِنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرِيْحُهَا يعصف حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ”} هذا وليس المراد خصوص الغسل، بل إذهاب رائحتها. وقال صلى الله عليه وسلم: {الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُتَبَرِّجَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ} أي اللاتي يطلبن الخلع من أزواجهن من غير عذر، واللاتي يظهرن الزينة للناس الأجانب هن امنافقات نفاقا عمليا. رواه أبو نعيم عن ابن مسعود.
(وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا رَسُولَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ) وأصل بين أن تضاف لمتعدد غير جملة، فكفتها ما عن الإضافة للمفرد، أو عن الإضافة أصلا فصارت لمجرد الربط والمفاجأة. وإذ بعدها لمجرد تأكيد مفاجأتها. ورسول الله مبتدأ. وجالس خبره. كذا قاله شيخنا يوسف. وقال أحمد الدردير: بينما ظرف زمان تضاف إلى الجمل ثم ضمنت معنى الشرط، فلذا كانت لا بد لها من جواب، وجوابها لا بد أن يكون مقرونا بإذْ كما هنا، أو بإذا الفجائيتين، والمعنى بين أوقات كون رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد (إِذْ دَخَلَتِْ امْرَأَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ) بالتصغير إسم قبيلة من مُضَر، وهو مزينة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (تَرْفَلُ) بفتح الحاء أي تطيل ثيابها (فِي زِيَنِةٍ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! انْهَوْا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّيَنِةِ وَالتَّبَخْتُرِ) أي تحسين المشي (فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا، حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّيِنَةَ، وَتَبَخْتَرُوا) أي مشوا متكبرين (فِي الْمَسْجِدِ”). رواه ابن ماجه. وهذه الزينة كبيرة إذا تحققت الفتنة. أما مجرد خشيتها فهو مكروه، أو مع ظنها فهو حرام غير كبيرة كما أفاده ابن حجر.
(وَقَالَ النَبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ) أي استعملت العطر، وهو الطيب. والمراد به ما يظهر ريحه (ثُمَّ خَرَجَتْ) أي من بيتها (فَمَرّتْ عَلَى قَوْمٍ) من الأجانب (لِيَجِدُوا رِيْحَهَا) علة لما قبله (فَهِيَ زَانِيَةٌ) أي كالزانية في حصول الإثم وإن تفاوت (وَكُلُّ عَيْنٍ) نظرت إلى محرَّم (زَانِيَةٌ) كما تقدم. رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم، عن أبي موسى الأشعري. ‏
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء المهملة (فِيْ الجَنّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ) وليس هذا يوجب فضل الفقير على الغني، وإنما معناه أن الفقراء في الجنة أكثر من الأغنياء فأخبر عم ذلك كما تقول أكثر أهل الدنيا الفقراء إخبارا عن الحال، وليس الفقر أدخلهم الجنة، وإنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، فإن الفقير إذا لم يكن صالحا لا يفضل. قال العزيزي: وظاهر الحديث تحريض على ترك التوسع من الدنيا، كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار كما قال: (وَاطَّلَعْتُ في النّارِ) أي نار جهنم أي عليها (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النّسَاءَ). رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن أنس، والبخاري والترمذي عن عمران بن حصين.
(وَذَلِكَ) أي كثرة دخول النساء في النار (لِقِلَّةِ طَاعَتِهِنَّ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلأَزْوَاجِهِنَّ وَكَثْرَةِ تَبَرُّجِهِنَّ) ولأنكفران العشير وترك الصبر عند البلاء فيهن أكثر (وَالتَبَرُّجُ هُوَ إِذَا أَرَادَتْ الْخُرُوْجَ مِنْ بَيْتِهَا لَبِسَتْ أَفْخَرَ ثِيَابِهَا) أي أعظمها (وَتَجَمَّلَتْ) أي تزينت (وَتَحَسَّنَتْ) أي اجتلبت الإضاءة (وَخَرَجَتْ تفتن النَاسَ) أي تستميلهم (بِنَفْسِهَا، فَإِنْ سَلِمَتْ فِيْ نَفْسِهَا لَمْ يَسْلَمِْ النَاسُ مِنْهَا. وَلِهذَا) أي لعدم سلامة الناس منها
(قَالَ النَبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ) أي يستقبحظهورها للرجال (فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا) أي خدرها (اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) أي رفع بصره إليها، فيوقع في الفتنة، أو المراد شيطان الإنس، سمي به على التشبيه (وَأَقْرَبُ مَا تَكُوْنُ الْمَرْأَةُ مِنَ اللهِ إِذَا كَانَتْ فِيْ بَيْتِهَا. وَفِيْ رِوَايَةٍ: الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ) أي غير وثيقة بها فساد كبير (فَاحْبِسُوْهُنَّ فِيْ الْبُيُوْتِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ الطَرِيْقَ) أي خرجت من خدرها وأرادت أن تسلك الطريق (قَالَ لَهَا أَهْلُهَا أَيْنَ تُرِيْدِيْنَ ؟، قَالَتْ: أَعُوْدُ مَرِيْضًا وَأَشِيْعُ جَنَازَةً، فَلاَ يَزَالُ بِهَا الشَيْطَانُ حَتَّى تُخْرِجَ ذِرَاعَهَا، وَمَا الْتَمَسَتْ) أي طلبت (الْمَرْأَةُ وَجْهَ اللهِ) أي رضاه (بِمِثْلِ أَنْ تَقْعُدَ فِيْ بَيْتِهَا وَتَعْبُدَ رَبَّهَا وَتُطِيْعَ بَعْلَهَا) أي زوجها. وكان حاتم الأصم يقول: “المرأة الصالحة عماد الدين وعمارة البيت وعون على الطاعة، والمرأة المخالفة تذيب قلب صاحبها وهي ضاحكة”. وكان عبد الله بن عمر يقول: “علامة كون المرأة من أهل النار أن تضحك لزوجها إذا أقبل، وتخونه إذا أدبر”. وكان حاتم الأصم يقول: “من علامة المرأة
الصالحة أن يكون حبها مخافة الله، وغناها القناعة بقسمة الله وحُليّهَا السخاوة بما تملك، وعبادتها حسن خدمة الزوج، وهمتها الإستعداد للموت”.
(وَمِنَ الْكَبَائِرِ) أي كبائر الذنوب (خُرُوْجُ الْمَرْأَةِ المْمُزَوّجَةِ مِنْ بَيْتِهَا) أي محل إقامتها (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ لِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا) أي لأجل جنازته.
(وَفِيْ الإِحْيَاءِ) للغزالي رحمه الله تعالى (خَرَجَ رَجُلٌ فِيْ سَفَرِهِ وَعَهِدَ) بكسر الهاء أي أوصى (إِلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لاَ تَنْزِلَ مِنَ الْعلوِ إِلَى السفْلِ، وَكَانَ أَبُوْهَا فِيْ الأَسْفَلِ فَمَرِضَ) أي الأب (فَأَرْسَلَتْ الْمَرْأَةُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَأْذِنُ فِيْ النُزُوْلِ إِلَى أَبِيْهَا) أي لعيادته (فَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَطِيْعِيْ زَوْجَكِ”) أي ولا تنزلي (فَمَاتَ) أي الأب (فَاسْتَأْذَنَتْ) أي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في النزول لأجل شهود جنازته (فَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَطِيْعِيْ زَوْجَكِ”) في عدم النزول (فَدُفِنَ أَبُوْهَا، فَأَرْسَلَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا) أي المرأة (يُخْبِرُهَا “أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لأَبِيْهَا بِطَاعَتِهَا لِزَوْجِهَا”).
أوصت امرأة بنتها، فقالت: احفظي لزوجك خصالا عشرا يكنْ لكِ ذُخْرًا، الأول والثانية: القناعة وحسن السمع له والطاعة. والثالثة والرابعة: التفقد لمواقع عينه وأنفه، فلاتقع عينه منكِ على قبيح، ولا يشمّ أنفه منك إلا طيب الريح. والخامسة والسادسة: التفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن شدة الجوع ملهبة، وتنغيصَ النوم مغضبة. والسابعة والثامنة: الإحراز لماله والرعاية إلى حشمه وعياله. والتاسعة والعاشرة: لا تعصين له أمرا ولا تُفْشِين له سِرّا، فإنكِ إن خالفتِ أمره أوْغِرْتِ صدرَه، وإن أفشيتِ سرّه لم تأمني غدره، وإياكِ ثم إياكِ والفرحَ بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة لديه إن كان فرحا.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا وَزَوْجُهَا كَارِهٌ) بأن لم يرض عنها في خروجها (لَعَنَهَا كُلُّ مَلَكٍ فِيْ السَمَاءِ وَكُلُّ شَيْءٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ غَيْرُ الجِنِّ وَالإِنْسِ حَتَّى تَرْجِعَ أَوْ تَتُوْبَ. وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَرْضَى إِحْدَاكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ) أي نساء هذه الأمة (إنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلاً مِنْ زَوْجِهَا وَهُوَ عَنْهَا رَاضٍ) بأن تكون مطيعة له فيما يحل، ومثلها الأَمة المؤمنة الحاملة من سيدها (أَنَّ لَهَا) أي بأن لها مدة حملها (مِثْلَ أَجْرِ الصَائِمِ القَائِمِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ) أي في الجهاد (وَإِذَا أَصَابَهَا الطَلْقُ) أي وجَعُ الولادةِ (لَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ السَمَاءِ وَالأَرْضِ) من إنس وجِنّ وملك (مَا أُخْفِىَ) خبئَ (لَهَا مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) أي من شيء نفيس تَقرّ به عينُهَا لأجل ما أقلقها (فَإِذَا وَضَعَتْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ لَبَنِهَا جُرْعَةٌ) بضم وسكون (وَلَمْ يُمَصَّ مِنْ ثَدْيِهَا مَصَّةٌ إِلاَّ كَانَ لَهَا بِكُلِّ جُرْعَةٍ وَبِكُلِّ
مَصَّةٍ حَسَنَةٌ، فَإِنْ أَسْهَرَهَا لَيْلَةً) أي واحدة (كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِ سَبْعِيْنَ رَقَبَةً تُعْتِقُهُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ) أي في طاعته (بإخْلاَصٍ) أي من غير رياء. قال المناوي: والمراد بالسبعين التكثير. ومثلُ الزوجةِ الأمَةُ المؤمنةُ الحاملُ من سيِّدها. رواه الحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلامةَ حاضة سيدِنا إبراهيمَ ابنِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَجُلَ إِذَا نَظَرَ إِلَى امْرَأَتِهِ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ) بشهوة أو غيرها (نَظَرَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا نَظْرَةَ رَحْمَةٍ، فَإِذَا أَخَذَ بِكَفِّهَا) أي ليلاعبها أو يجامعها (تَسَاقَطَتْ ذُنُوْبُهُمَا مِنْ خِلاَلِ أَصَابِعِهِمَا) أي من بينها. والمراد صغائر الذنوب لا الكبائر. ومحل ذلك فيما إذا كان قصدهما الإعفاف أو الولد لتكثير الأمة. رواه ميسرة بن علي والرافعي عن أبي سعيد الخدري.
(وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَجُلَ لَيُجَامِعُ أَهْلَهُ) أي زوجته (فَيُكْتَبُ لَهُ بِجِمَاعِهِ أَجْرُ وَلَدٍ ذَكَرٍ قَاتَلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ) أي قاتل الكفار لإعلاء دين الله (فَقُتِلَ) وإنما قال ذلك لأنه لو ولد له مثل هذا الولد لكان له أجر التسبب فيه مع أن الله تعالى خالقه زمحييه ومقوّيه على الجهاد، والذي إليه التسبب فقط فعلُهُ، وهو الوقاع، وذلك عند الإمناء في الرحم. واعلم أن في التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه، الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لبقاء جنس الإنسان. الثاني: طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاته، والثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده، والرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله.

{الفَصْلُ الرَابِعُ فِيْ حُرْمَةِ نَظَرِ الرَجُلِ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ وَعَكْسِهِ}
(قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة الأحزاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) أي شيئا من آلات البيت (فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ) أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم (وَقَالَ تَعَالَى) في سورة النور (قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) أي عما لا يحل لهم نظره (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أي عما لا يحل لهم فعله بها (ذَلِكَ أَزْكَى) أي خير (لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُوْن) أي بالأبصار والفروج، فيجازيهم عليه (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) أي عما لا يحل لهنّ نظره (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) أي عما لا يحل لهن فعله بها. ‏
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ، فَمَنْ تَرَكَهَا) أي النظرة (خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى) أي غضبه (أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى إيمَانًا يَجِدُ حَلاَوَتَهُ) أي الإيمان (فِيْ قَلْبِهِ).
(وَقَالَ عِيْسَى عَلَيْهِ السَلاَمُ: إِيَّاكُمْ وَالنَظْرَةَ) أي اتقوا النظرةَ (فَإِنَّهَا تَزْرَعُ) أي تنبت (فِيْ الْقَلْبِ شَهْوَةً، وَكَفَى بِهَا فِتْنَةً) وهذه الجملة فعل وفاعل وتمييز.
(وَقَالَ سَعْدٌ بْنُ جُبِيْرٍ: إِنَّمَا كَانَتْ فِتْنَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَلاَمُ مِنْ أَجْلِ النَظْرَةِ) رُوي أن داود وقع بصَرُه على امرأةِ أوريا بن حنان، فمال قلبه إليها، وليس له في هذا ذنبٌ البتة. أما وقوعُ بصَره عليها بغير قصدٍ، فليس بذنب. وأما حصول الميل عقب النظر فليس أيضا ذنبا، لأن الميل ليس في وُسْعِه، فليس مكلفا به، فلما وقع في قلبه محبتها طلب من أوريا، فقال له عليه السلام: انزل عن امرأتك واكفلنيها، فاستحيا أوريا أن يزده وطلقها، وكان ذلك جائزا في شريعة داود معتادا فيما بين أمته، غيرَ مُخِلّ بالمروأة، فكان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل عن زوجته فيتزوجها إذا أعجبته. هذا، وإن كان جائزا في ظاهر الشريعة، إلا أنه لا يليق لتركه الأفضل، ولذلك عاتبه الله على ذلك. ثم إن طلب داود امرأة أوريا لسر يعلمه الله تعالى، وهو أنه لما تزوجها أتت له بسليمان عليه السلام فهي أمه.
وروي أن داود عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأل عليه السلام ربه أن يمتحنه كما امتنحهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم، فأوحى الله تعالى إليه: أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس. فلما كان ذلك اليوم جاءه الشيطان، فتمثل له في صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن، فأعجبه حسنها، فمدّ يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى، فطارت غير بعيد فتبعها، فطارت من كوّة فنظر داود أين تقع، فأبصر داود امرأة في بستان تغتسل، فعجب داود من حسنها، وحانت منها التفاته، فأبصرت ظله، فنقضت شعرها فغطى بدنها، فزاده أعجابا، فسأل عنها، فقيل له: إنها امرأة أوريا، فطلب منه أن يطلفها ليتزوجها، فذلك جائز من غير نكير، إلا أن داود عليه السلام لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلوّ سأنه لا ينبغي له أن يسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة أن ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه، بال كان المناسب له أن يغلب هواه ويصبر على ما امتحن به، فلذلك عاتبه الله تعالى.
(وَقَالَ دَاوُدُ لاِبْنِهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَلاَمُ: “يَا بُنَيَّ امْشِ خَلْفَ الأَسَدِ وَالأَسْوَدِ) أي العظيم من الحيات وفيه سواد كما في الصحاح (وَلاَ تَمْشِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ”) وقال مجاهد: “هذا إذا أقبلت المرأة جلس إبليس على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر”.
(وَقِيْلَ لِيَحْيَى عَلَيْهِ السَلاَمُ) وهو لم يكن له ميل إلى أمر النساء (مَا بَدْءُ الزِنَا ؟، قَالَ: النَظَرُ) للمرأة (والتَمَنِّى) للزنا بالقلب، وزنا العين مِنْ كبار الصغائر، وهو يؤدى إلى القرب إلى الكبيرة الفاحشة، وهو زنا الفرج. ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه.
(وَقَالَ الفُضَيْلُ: يَقُوْلُ إِبْلِيْسُ: هُوَ) أي النظر (قَوْسِيْ القَدِيْمَةُ وَسَهْمِيْ الذِيْ لاَ أُخْطِئُ بِهِ) أي بذلك السهم. قال بعضهم:
كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَظَرِ >< لاَ مَرْحَبًا بِسُـرُوْرٍ عَادَ بالضَرَرِ
(وَقَالَتْ) أم المؤمنينْ (أُمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (اسْتَأْذَنَ) عبد الله (ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ الأَعْمَى) وهو ابن شريح بن مالك بن ربيعة. وأم مكتوم أم أبيه، واسمه عاتكة بنت عامر (عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا وَمَيْمُوْنَةُ جَالِسَتَانِ، فَقَالَ: "احْتَجِبَا"، فَقُلْنَا: أَوَ لَيْسَ بِأَعْمَى ؟) فالهمزة داخلة على مقدر، ومدخول الواو معطوف عليه أي أهو مبصر وليس بأعمى ؟ (لاَ يُبْصِرُنَا ؟، فَقَالَ: "وَأَنْتُمَا لاَ تُبْصِرَانِهِ" ؟) وهذا يدل على أنه لا يجوز للنساء مجالسة العميان، فيحرم على الأعمى الخلوة بالنساء. كذا في الإحياء. وقال ابن حجر في الزواجر: وكانت عائشة وحفصة جالستين عند النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل ابن أم مكتوم الأعمى، فأمرهما صلى الله عليه وسلم بالإحتجاب منه، فقالتا إنه أعمى لايبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: {أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟، ألَسْتُمَا تُبْصِرَانِ ؟}. فقوله: "أنتما" مبتدأ و "عمياوان" خبره. والمعنى: أهو غير بصير، فأنتما عمياوان ؟.
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ اللهُ النَاظِرَ وَالمَنْظُوْرَ إِلَيْهِ". لاَ يَجُوْزُ لاِمْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ بِاللهِ أَنْ تُظْهِرَ عَلَى كُلِّ أًَجْنَبِيٍّ أَيْ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلاَ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ) أي قرابة (أَوْ رَضَاعٍ) أو مناكحة (وَلاَ يَجُوْزُ النَظَرُ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلاَ مِنْهَا إِلَيْهِ) فكما يجب على الرجل أن يغض طرْفه عن النساء كذلك يجب على المرأة أن تغض طرفها عن الرجال كما قاله ابن حجر في الزواجر (وَلاَ) يجوز (المَسُّ بِالمُصَافَحَةِ أًَوْ مَعَ مُنَاوَلَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) فإن ما يحرم نظره يحرم مسه بالأَوْلى، لأنه أبلغ في اللذّة وأغلظ، بدليل أنه لو مس فأنزل بطل صومه، ولو نظر فأنزل لم يبطل. كذا في النهاية شرح الغاية.
(وَرَوَى الطَبْرَانِيُّ فِيْ الكَبِيْرِ) أي المعجم الكبير، فإن له معاجم ثلاثة كبيرا وأوسط وأصغر (عَنْ مَعْقِلِ) بفتح الميم وكسر القاف (ابْنِ يَسَارٍ) هذا الحديث: (لأَنْ يُطْعَنَ) بالبناء للمفعول (فِيْ رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ) بكسر الميم وفتح المثناة التحتية، وهو ما يخاط به كالإبرة (مِنْ حَدِيْدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لاَ تَحِلُّ لَهُ) وقال صلى الله عليه وسلم: {اتَّقُوْا فِتْنَةَ الدُنْيَا وَفِتْنَةَ النِّسَاءِ، فّإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ}. وقال صلى الله عليه وسلم: {مَا تَرَكْتُ بَعْدِيْ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ}.
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إيَّاكُمْ وَالخَلْوَةَ) أي اجتنبوا الخلوة (بِالنِسَاءِ) فوجود الأمرد والأنثى غيرُ الثقة لا يَنفى حرمةَ الخلوة، بخلاف المحرَم والرجل غير الأمرد والأنثى الثقة، فإن كلا منهم ينفى ذلك (فَوَالذِيْ) أي والله الذي (نَفْسِيْ) أي روحي (بِيَدِهِ) أي بقدرته (مَا خَلاَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ دَخَلَ الشَيْطَانُ بَيْنَهُمَا) أي الرجلِ والمرأةِ فيوقعهما في الفتنة (وَلأَنْ يُزَاحِمَ) أي يضايق (رَجُلٌ خِنْزِيْرًا مُلَطَّخًا بِطِيْنٍ أَوْ حَمْأَ) أي طين أسود مُنْتِنٍ. و"أو" هنا للشك من الراوى (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُزَاحِمَ مَنْكِبُهُ مَنْكِبَ امْرَأَةٍ لاَ تَحِلُّ) وقال عليه السلام: {النِسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَلَوْلاَ هَذِهِ الشَهْوَةُ لمَاَ كَانَ لِلنِّسَاءِ سَلْطَنَةٌ عَلَى الرِّجَالِ}. وقد قيل في تأويل قوله تعالى:{رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: "معناه: شدة الغلمة". وقد قيل: {إِذَا قَامَ ذَكَرُ الرَّجُلِ ذَهَبَ ثُلُثَا عَقْلِهِ}. (فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أَرَادَتْ الْخُرُوْجَ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيْعَ بَدَنِهَا وَيَدَيْهَا مِنْ أَعْيُنِ النَاظِرِيْنَْ) إذا خرجت، فيجب عليها أن تنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه. وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب، وليس البعل حاضرا لم تستفهم، ولم تعاوده في الكلام، غيرة على نفسها وبعلها. كذا قاله الغزالي.
(وَقَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُتِبَ عَلَىَ ابْنِ آدَمَ) أي قضى عليه وأثبت في اللوح المحفوظ (نَصِيبُهُ مِنَ الزّنَا) أي مقدماته كما نقله العزيزي عن المناوي (مُدْرِكٌ) أي فهو مدرك (ذَلِكَ) أي ما كتب عليه (لاَ مَحَالَةَ) بفتح الميم أي لا بد ولا شك (فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النّظَرُ) إلى ما لا يحل (وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ) إلى ما لا ينبغى شرعا (وَاللّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ) بما لا ينفع دنيا ولا دينا (وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ) أي القهر والأخذ بالعنف (وَالرّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا) بضم الخاء المعجمة أي نقل الأقدام إلى مل لا يحل (وَالْقَلْبُ يَهْوَى) بفتح الواو أي يحبّ (وَيَتَمَنَّى) مالايحل (وَيُصَدّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذّبُه) أي بالإتيان بما هو المقصود من ذلك، أو بالترك. رواه مسلم عن أبي هريرة. وقال عليه السلام: {لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظٌّ مِنَ الزِّنَا، فَالعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا البَطْشُ، وَالرِّجْلاَنِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا المَشْيُ، وَالفَمُ يَزْنِيْ وَزِنَاهُ القُبْلَةُ، وَالْقَلْبُ يَهُمّ أَوْ يَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبَهُ} كذا في الإحياء.
(وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ) رضي الله عنها (أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ ؟، فَقَالَتْ: أَنْ لاَ تَرَى رَجُلاً وَلاَ يَرَاهَا رَجُلٌ، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (“ذُرِّيَةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ”) أي بعضها على دين بعض، أو بعضها من ولد بعض في التناصر كما في الخازن (فَاسْتَحْسَنَ) صلى الله عليه وسلم (قَوْلَهَا) وكان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسُدّون الكُوَى والثُقُبِ في الحِيْطان، لئلا تطّلع النِسْوانُ إلى الرجال، ورأى معاذٌ امرأَتَه في الكُوِّةِ فضربها.

{خَاتِمَةٌ} فِيْ ذِكْرِ أَحْوَالِ بَعْضِ النِسَاءِ
(اعْلَمْ أَنَّهُ) أي الشأن (قَدْ غَلَبَ) أي كثر (عَلَى النِّسَاءِ فِيْ هَذَا الزَّمَانِ التَّبَرُّجُ) أي إبراز الزينة وإبراو المحاسن للرجال (وَ قِلَّةُ الْحَيَاءِ) أي عدم الحياء، بأن تمشي بين الرجال، فذلك التبرج كما قاله مجاهد (وَالْمَشْيُ بِالتَغَنُّجِ) أي التدلل والتكسر كماقاله مجاهد وقتادة في تفسير التبرج (فِيْ جُمُوْعَاتِ الرِّجَالِ وَ الأَسْوَاقِ وَ فِيْ الْمَسَاجِدِ بِيْنَ الصُّفُوْفِ خُصُوْصًا فِيْ النَهَارِ، وَ إِنْ كَانَ) أي مشيها (لَيْلاً قَرِبَتْ) أي المرأة (الْضَّوْءَ) فقَرِبَ إن كان من باب سَمِعَ فهو متعدّ كما هنا، وإن كان من باب كَرُمَ فهو لازم كما في القاموس (لإِظْهَارِ زِيْنَتِهَا لِلنَّاسِ.
وَقَدْ قِيْلَ: إِذَا ظَهَرَ فِيْ امْرَأَةٍ ثَلاَثُ خِصَالٍ تُسَمَّى) تلك المرأة (قَحْبَةً) أي مغنية فاسقة زانية، الأولى (خُرُوْجُهَا فِيْ النَهَار مُتَبَرِّجَةً) أي مبرزة للزينة والمحاسن ماشيةً بين الرجال (وَ) الثانية (نَظَرُهَا إِلَى) الرجال (الأَجَانِبِ، وَ) الثالثة (رَفْعُ صَوْتِهَا حَيْثُ تُسْمِعَ) أي المرأة الرجال (الأَجَانِبَ) ذلك الصوت (وَلَوْ كَانَتْ صَالِحَةً) أي عفيفة (لأَنَّهَا شَبَّهَتْ نَفْسَهَا الْخَبِيْثَةَ) أي الفاجرة، ولا يراد بذلك الإسم الشتم، لأنها جعل كاللقب.
(وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصْطَفَى) صلى الله عليه وسلم (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ) أي في لبسهم وبعض أفعالهم (فَهُوَ مِنْهُمْ) أي من تشبه بالصالحين يكرم كما يكرمون، ومن تشبه بالفساق لم يكرم. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن من تشبه من الجان بالحيات المؤذيات وظهر لنا فإنه يقتل، وأنه لا يجوز في زماننا لبس العماة الصفراء أو الزرقاء إذا كان مسلما. رواه ابن رسلان وأبوداود عن ابن عمر، والطبراني عن حذيفة.
(حَاشَا) مصدر منصوب بفعل مخذوف، والتقدير أحاشي حاشا كماقاله الشيخ خالد أي أنزه تنزيها (أَنْ تَرْضَى امْرَأَةٌ ذَاتُ حَيَاءٍ وَ دِيْنٍ بِهَذَا الاِسْمِ) أي الذي هو قحبة (عَلَى نَفْسِهَا، فَيَنْبَغِى) أي يجب (لِمَنْ يَخَافُ اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَمَنْ لَهُ مُرُوْءَةٌ) بفتح الميم وضمها بالهمز وتركه مع إبدالها واوا، وهي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (اَنْ يَمْنَعَ أَهْلَهُ) أي زوجته وبناته (مِنَ الْخُرُوْجِ مِنَ الْبُيُوْتِ مُتَبَرِّجَاتٍ) أي مظهرات للزينة والمحاسن للرجال. وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: {قَد أَذِنَ لَهُنَّ فِيْ الأَعْيَادِ خَاصَّةً أَنْ يَخْرُجْنَ}. والخروج مباح للمرأة العفيفة برضا زوجها، ولكن القعود أسلم. وينبغى أن لاتخرج إلا لمهمّ، فإذا خرجت فينبغى أن تغض بصرها عن الرجال، ولسنا نقول: إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنةٌ فلا إذا لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجه، والنساء يخرجن متنقّبات. ولوكان وجوه الرجال
عورة في حق النساء لأُمِروا بالتنقب، أو مُنِعْنَ من الخروج إلا لضرورة.
(وَأَنْ يُبَالِغَ فِيْ حِفْظِهِنَّ خُصُوْصًا فِيْ هَذَا الزَمَانِ، وَلاَيُقَصِّرُ فِيْ ذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُطِيْقُ) أي يقدر عليه (وَ لاَ يَأْذَنَ فِيْ الْخُرُوْجِ إلاَّ فِيْ اللَيْلِ مَعَ مَحْرَمٍ) بنسب أوغيره (أَوْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ) ولو إماءً (فَلاَ يَكْفِى عَبْدٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ، لأَنَّهَا الأَمَانَةَ فِيْ الْعَبِيْدِ نَادِرَةٌ) ولأنّ المرأة تستحي بحضرة مثلها ما لا يستحيه الذكر بحضرة مثله، ومن ثم لم تجز خلوة رجل بأمردين أو أكثر. ولايجوز للمرأة أن تخرج خارج السور ولو مع النسوة الثقات، أو إذن الزوج بل لابد من خروجه هو أو المحرم معها. فما يقع الأن من خروج النساء إلى المقابر التي خارج السور معصية يجب منعهن منه.
(وَحُكِيَ) أَنَّ امْرأةً من بَنِي تَيْمِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، كانتْ تَبِيْعُ السَمِنَ في الجاهليَّةِ، فأَتاها خَوَّاتُ بْنُ جُبَيرٍ الأَنْصَارِيّ فَسَاوَمَها فحَلَّت نِحْياً مَمْلُوْأً بِالسَمِنِ، فَقَالَ: أَمْسِكِيْهِ، حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ حلّ آخرَ، وَقَالَ لَهَا: أَمْسِكِيْهِ، فلما شَغَلَ يديها ساوَرَها حتى قضي ما أراد وهرَب، ثم أسلم خَوَّات، وشَهِد بَدْراً، فقال له رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “يَا خَوَّات كيف شِرَاؤُكَ ؟”، وتبسَّمَ رسولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ قد رَزَقَ اللهُ خَيْرًا، وَأُعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْحَوْرِ بعْدَ الكَوْرِ. أي من النُّقصان بعد الزيادة.
{وحكي} أن رجلا من أشراف أهل الهند اشترى غلاما فرباه وتبناه، فلما كبر اشتد به هوى مولاته فراودها عن نفسها، فأجابتها، فدخل مولاه يوما فإذا هو على صدر مولاته فعمد إليه فجب ذكره ثم ندم على ذلك، فعالجه إلى أن برئ من علته، فأقام الغلام بعدها مدة يطلب أن يأخذ ثأره من مولاه. وكان لمولاه ابنان، أحدهما طفل والآخر يافع، كأنهما الشمس والقمر، فغاب الرجل يوما عن منزله لبعض الأمور، فأخذ الأسود الصبيين فصعد بهما على ذروة سطح، وجعل يطعمهما ويلعب معهما إلى أن دخل مولاه، فرفع رأسه فرأى ابنيه في شاهق مع الغلام، فقال: “ويلك، عرضت ابني للموت”، قال: أجل، لئن لم تجب ذكرك مثل ما جببتني لأرمينّ بهما، فقال: الله الله، يا ولدي في تربيتي لك، قال: “دع هذا عنك”، فجعل يكرر عليه وهو لا يقبل ذلك، فلما أراد الرجل الصعود إليه أدلاهما الأسود من ذلك الشاهق، فقال الرجل: “ويلك، اصبر حتى أخرج مدية، وأفعل ما أردتَ”، ثم أخذ مدية وجبّ ذكره وهو يراه، فلما رأى الأسود ذلك رمى الصبيين من ذلك الشاهق فماتا، وقال: “إن جبك ثأري وقتل أولادك زيادة فيه”.
(وَإِذَا كَانَ) أي الأمر (كَذَلِكَ) أي المذكور (فَيُمْنَعُ الْعَبْدُ والسَقَّاءُ) بفتح السين والقاف المشددة، وهو من يملأ الجرة من الماء (مِنْ دُخُوْلِهِ) أي كل منهما (عَلَى النِسَاءِ إِذَا بَلَغَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أي العبد والمرأة أو هي والسقّاء (خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، لأَنَّ عَامَّةَ الفِتْنَةِ بِهِمْ، وَحِفْظُ النَسْلِ) أي الولد (مِنْ أَعْظَمِ الأُمُوْرِ. وَ) قال الغزالي (فِيْ الإحْياءِ: قَالَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنِّي لَغَيُّوْرٌ وَمَا مِنِْ امْرِئٍ لاَ يَغَارُ إِلاَّ مَنْكُوْسُ القَلْبِ”) والطريق المغنى عن الغيرة أن لا يدخل عليها الرجال وهي لا تخرج الأسواق. وقال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ. وَإِنّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ. وَغَيْرَةُ اللّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرّمَ عَلَيْهِ}. رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة.
(وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُوْلُ: “أَلاَ تَسْتَحْيُوْنَ أَلاَ تَغَارُوْنَ، يَتْرُكُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ تَخْرُجُ بَيْنَ الرِجَالِ، تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُوْنَ إِلَيْهَا”). وقال علي رضي الله عنه: {لاَ تُكْثِرْ الغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ، فَتَرْمِى بِالسُوْءِ مِنْ أَجْلِكَ}. فقوله: “يترك” بمعنى يجعل، وقوله: “امرأته” مفعل أول، وجملة قوله: “تخرج” مفعول ثان. وقال عليه السلام: {إِنَّ مِنَ الغَيْرَةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يَبْغَضُهُ اللهُ. وَمِنَ الخُيَلاَءِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يَبْغَضُهُ اللهُ. فأمَّا الغَيْرَةُ التي يُحِبَّهَا اللهُ فالغَيْرَةُ فِيْ الرِيْبَة ِ، وَالغَيْرَةُ التِيْ يَبْغَضُهَا اللهُ فَالغَيْرَةُ فِيْ غَيْرِ رِيْبَةٍ. وَالاخْتِيَالُ الذِيْ يُحِبُّهُ اللهُ اخْتِيَالُ الرَجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ القِتَالِ وَعِنْدَ الصَدَقَةِ وَالاخْتِيَالُ الذِيْ يَبْغَضُهُ اللهُ َالاخْتِيَالُ فِيْ البَاطِلِ}.
(أَمَّا زَمَانُنَا) هذا (إِذَا خَرَجَتْ) أي المرأة (مِنْ بَيْتِهَا، فَهَذَا) أي الرجل (يَغْمزُ بِعَيْنِهِ) أي يشير إليها بعينه وحاجبه ويُجُّسها بيده (وَهَذَا) أي الرجل (يَقْبِصُ بِيَدِهِ) والقبص بالصاد المهملة: التناول بأطراف الأصابع (وَهَذَا) أي الرجل (يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ فَاحِشٍ لاَ يَرْضَاهُ) أي ذلك الكلام (ذُوْ دِيْنٍ لأَهْلِهِ) أي زوجاته وبناته وأتباعه (وَلاَ امْرَاَةٌ صَالِحَةٌ. وَقَالَ) أحمد بن محمد بن علي (ابْنُ حَجَرٍ) في الزواجر عن اقتراف الكبائر (إِذَا اضْطُرَّتْ امْرَأَةٌ لِلْخُرُوْجِ لِزِيَارَةِ وَالِدٍ) أي مثلا (خَرَجَتْ، لَكِنْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُتَبَرِّجَةٍ) أي غير مظهرة للزينة والمحاسن للرجال وحال كونها (فِيْ مِلْحَفَةٍ) بكسر الميم، وهي الملاءة التي تلتحف بها المرأة (وَسِخَةٍ) بكسر السين، إسم فاعل (وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) بكسر الباء على الأفصح، والفتح لغة وهي الممهنة (وَتَغُضُّ طَرِفَهَا) بكسر الراء (فِيْ مَشْيِهَا، وَلاَ تَنْظُرُ) أي المرأة (يَمِيْنًا وَلاَ شِمَالاً، وَإِلاَّ) تكن كذلك، بأن خالفت المذكور (كَانَتْ عَاصِيَةً) لله ولرسوله ولزوجها.
(وَ) حكي أنه (مَاتَتْ امْرَأَةٌ مُتَبَرِّجَةٌ) أي مبرزة للزينة ماشية بين الرجال (فَرَآهَا بَعْضُ أَهْلِهَا فِيْ النَوْمِ وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى اللهِ فِيْ ثِيَابٍ رُقَاقٍ) بضم الراء (فَهَبَّتْ رِيْحٌ فَكَشَفَتْهَا فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهَا، وَقَالَ خُذُوْا بِهَا ذَات الشِّمَالِ) أي ناحيته (إِلَى النَارِ، فَإِنَّهَا) أي هذه المرأة (كَانَتْ مِنَ المتَبَرِّجَاتِ) أي المبرزات للزينة والمسنات للمشي (فِيْ الدُنْيَا.
(وَحُكِيَ أَنَّهُ) أي الشأن (لَمَّا مَاتَ زَوْجُ الوَلِيَّةِ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا اسْتَأْذَنَ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ) وهو من أكبر التابعين (وَأَصْحَابُهُ) رضي الله عنهم في الدخول (فَأَذِنَتْ) أي رابعة (لَهُمْ بِالدُخُوْلِ وَأَرْخَتْ) أي أرسلت رابعة (سِتْرًا) بكسر السين، وهو ما يستر به (وَجَلَسَتْ وَرَاءَ السِتْرِ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ: “إِنَّهُ) أي الشأن (قَدْ مَاتَ بَعْلُكِ، فَاخْتَارِيْ مِنْ هَؤُلاَءِ الزُهَّادِ مَنْ شِئْتِ”. فَقَالَتْ: “نَعَمْ، حُبًّا وَكَرَامَةً، وَلَكِنْ) سألتكم (مَنْ أَعْلَمُكُمْ حَتَّى أُزَوِّجَهُ) أي الأعلم (نَفْسِيْ” ؟. فَقَالُوْا) أي أصحاب الحسن: أعلمنا (“الْحَسَنُ البَصْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ”، فَقَالَتْ) أي رابعة (“إِنْ أَجَبْتَنِيْ عَنْ أَربَعَةِ مَسَائِلَ فَأَنَا زَوْجَةٌ لَكَ”، فَقَالَ) أي الحسن (“اسْأَلِيْ إِنْ وَفَّقَنِيْ اللهُ) أي أقدرني على الجواب (أَجَبْتُكِ”. فَقَالَتْ: “مَا تَقُوْلُ لَوْ مُتُّ، خَرَجْتُ مِنَ الدُنْيَا مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً” ؟، قَالَ) أي الحسن (“هَذَا) أي معرفة الخروج مع تلك الصفة (غَيْبٌ”) عن الخلق (فَقَالَتْ: “مَا تَقُوْلُ إِذَا وُضِعْتُ فِيْ قَبْريْ وَسَأَلَنِيْ مُنْكَرٌ وَ نَكِيْر، أَأَقْدِرُ عَلَى جَوَابِهَا أَمْ لاَ” ؟، فَقَالَ: “هَذَا) أي معرفة قدرة الجواب لسؤالهما أم لا (أَيْضًا) أي كما غاب ما تقدم (غَيْبٌ”. فَقَالَتْ: “إِذَا حُشِرَ النَّاسُ) في الموقف (يَوْمَ القِيَامَةِ وَتَطَايَرَتِْ الكُتُبُ) أي كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة الحفظة من خزانة تحت العرش بتطيير الريح إياها بأمر الله تعالى وتلتصق بعنق صاحبها ثم تأخذها الملائكة من الأعناق ليعطوها لصاحبها (فَيُعْطَى بَعْضُهُمْ الكِتَابَ) أي كتاب أعماله (بِيَمِيْنِهِ) أي من أمامه وهو المؤمن المطيع (وَبَعْضُهُمْ بِشِمَالِهِ) من وراء ظهره وهو الكافر (أَأُعْطِيَ كِتَابِيْ بِيَمِيْنِيْ أَمْ بِشِمَالِيْ” ؟، فَقَالَ: “هَذَا) أي معرفة إعطاء الكتب (أَيْضًا غَيْبٌ”. فَقَالَتْ: “إِذَا نُوْدِيَ فِيْ القِيَامَةِ فَرِيْقٌ فِيْ الجَنَةِ وَ فَرِيْقٌ فِيْ السَعِيْرِ، أَأَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الجَنَةِ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَارِ ؟”، فَقَالَ) أي الحسن (“هَذَا) أي معرفة كونكِ من أهل الجنة أو من أهل النار (غَيْبٌ أَيْضًا”) أي كما غاب ما تقدم (فَقَالَتْ) أي رابعة (“أَمَنْ لَهُ هَمُّ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى زَوْجٍ ؟، أَويَتَفَرَّغُ إِلَى اخْتِيَارِ زَوْجٍ” ؟.
فَانْظُرُوْا) أي أيها السامعون (إِلَى هَذِهِ العَابِدَةِ الزَاهِدَةِ، كَيْفَ خَافَتْ) أي هذه العابدة، وهي رابعة البصرية (خَاتِمَتَهَا ؟. وَمَا هَذَا) أي الخوف (إِلاّ بِصَفَاءِ قَلْبِهَا مِنْ كُدُوْرَاتِهَا، وَرُسُوْخِ) أي ثبوت (حِكْمَتِهَا) أي علمها المصاحب للعمل.
روي عن بعض الصالحين قال: كان لرابعة العدوية أحوال شتى، فكانت مرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الانس، ومرة يغلب عليها الخوف. وقال زوجها: جلست يوما من الأيام آكل وهي جالسة بجانبي فقعدت تُذكّر أهوالَ يوم القيامة، فقلت: “دعينا نتهنأ بطعامنا”، فقالت: “لست أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام بذكر الآخرة”، ثم قالت: “والله، إني لست أحبك حب الأزواج، إنما أحبك حب الإخوان”. وكانت إذا طبخت قِدْرا قالت كله: “ياسيدي فما يصح جسمي إلا بالتسبيح”. ثم قالت لي: “اذهب فتزوج”. فتزوّجتُ بثلاث نساء، فكانت تطعمني اللحم وتقول: “اذهب بقوتك إلى أهلك”. وكنت تأتيها الجن بكل ما نطلب. وكان لها كرامات كثيرة حتى ماتت.
فمنها ما حكي: أن لِصًّا دخل بيت رابعة العدوية، وهي نائمة، فجمع أمتعة البيت وهمّ بالخروج من الباب، فخفي عليه الباب، فقعد ينتظر الباب، وإذا هاتف يقول: “ضع الثياب واخرج من الباب”، فوضع الثياب فظهر له الباب فعلمه، ثم أخذ الثياب فخفي عليه الباب، فوضعها فظهرله الباب، فأخذها فخفي، وهكذا ثلاث مرات أو أكثر. فناداه الهاتف: إن كانت رابعة قد نامت فالحبيب لا ينام، ولاتأخذه سِنَةٌ ولا نوم. فوضع الثياب وخرج من الباب.
(وَكَانَتْ المَرْأَةُ الصَالِحَةُ إِذَا وَقَعَ) أي حصل (مِنْهَا زَلّةٌ) أي خطأ في المنطق أو الفعل (فِيْ زَوْجِهَا نَدِمَتْ) بكسر الدال وتابت (حَالاًّ) أي بسرعة (وَاسْتَعْطَفَتْ) أي طلبت (رِضَاهُ) أي الزوج بالتلطف (وَتَبْكِى) أي هذه المرأة (أَيَّامًا) عديدة (خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللهِ تَعَالَى) على زلتها (وَتَقُوْلُ) أي تلك المرأة (لِزَوْجِهَا إِذَا رَأَتْهُ مَهْمُوْمًا) أي محزونا (إِنْ كَانَ اهْتِمَامُكَ) أي إغتمامك (لأَمْرِ الآخِرَةِ فَطُوْبَى) أي العيش الطيب أو الخير الكثير (لَكَ، وَإِنْ كَانَ) اهتمامك (لأَمْرِ الدُنْيَا، فَأَنَا لاَ نُكَلِّفُكَ مَالاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ) فالكاف مفعول أول، وما مفعول ثان.
(وَ) حُكي أنه (كَانَتْ رَابِعَةُ) بنتُ إسماعيل (الشَّامِيَّةُ) نسبةٌ إلى الشام (امْرَأَةُ) أبي الحسين (أَحْمَدَ بْنِ أَبِيْ الحَوَارِي) من أهل دِمَشْقَ. وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري رَيحانةُ الشام (تُطْعِمُهُ الطَعَامَ الطَّيِّبَ) أي المستلذ (وَتُطَيِّبُهُ) أي تضمخه بالطيب (وَتَقُوْلُ لَهُ) أي للشيخ أحمد (اذْهَبْ بِنَشَاطِكَ) أي بخفتك وإسراعك (وَقُوَّتِكَ إِلَى أَهْلِكَ) وزوجاتك (وَكَانَ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا) أي رابعة أي كان له ثلاث نسوة غيرها. وكانت رابعة هذه تشبه في أهل الشام رابعة العدوية بالبصرة (وَكَانَتْ) أي رابعة هذه إذا كان بعد صلاة العشاء (تَطَيَّبَتْ) أي استعملت الطيب (وَلَبِسَتْ ثِيَابَهَا) أي التي للمباشرة (وَأَتَتْ إِلَى فِرَاشِهِ) أي الشيخ أحمد (فَقَالَتْ: “أَلَكَ حَاجَةٌ ؟”) في نفسي بالمباشرة أم لا (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ كَانَتْ مَعَهُ) إلى أن يرضى عنها (وَإِلاَّ) تكن له حاجة (نَزَعَتْ ثِيَابَهَا) التي كانت عليها، وهي أفخر الثياب، ولبست ثيابا أُخر للعبادة (وَانْتَصَبَتْ) أي ثبتت (فِيْ مُصَلاَّهَا حَتَّى تُصْبِحَ) أي تدخل في الصباح.
(وَكَانَتْ هِيَ) أي رابعة بنت إسماعيل (دَعَتْ ابْنَ أَبِي الحَوَارِي إِلَى التَزَوُّجِ بِهَا، لأَنَّهُ) أي الشأن (كَانَ لَهَا) أي رابعة (زَوْجٌ قَبْلَهُ) أي أحمد بن أبي الحواري (فَمَاتَ) أي الزوج الأول (عَنْهَا) أي رابعة (وَوَرِثَتْ مِنْهُ) أي الزوج (مَالاً) جزيلا (فَأَرَادَتْ) أي رابعة (مِنْ ابْنِ أَبِيْ الحَوَارِي أَنْ يَتَصَدَّى) أي يتوجه (لإِنْفَاقِ ذَلِكَ المَالِ عَلَى أَهْلِ الدِيْنِ وَ الخَيْرِ فِيْ إِطْعَامٍ وَنَحْوِهِ، لأَنَّ الرَجُلَ أَوْفَقُ) أي أصلح (لِذَلِكَ) أي الإنفاق (والمَرْأَةُ أَقْوَمُ) أي أعدل (بِهِ) أي بذلك الإنفاق (فَلِذَلِكَ) أي الغرض المذكور (دَعَتْهُ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا) وكان أحمد أوّلاً كره التزوج لما خطبته رابعة لما كان فيه من العبادة، وقال لها: “والله مالي همة في النساء لشغلي بحالي”. فقالت: ” إني لأشغل بحالي منكَ، ومالي شهوة، ولكن ورثتُ مالا جزيلا من زوجي، فأردت أن تنفقه على إخوانك، وأعرف بك الصالحين، فيكون لي طريق إلى الله تعالى. فقال: “حتى أستأذن أستاذي”. فرجع إلى أبي سليمان الداراني. قال: “وكان ينهاني عن التزوج، ويقول: ما تزوج أحد من أصحابه إلا تعير”. فلما سمع أبو سليمان كلامها قال لابن أبي الحواري: تزوج بها، فإنها ولية.
(وَأَخْبَارُ النِسَاءِ الصَالِحَاتِ فِيْ زَمَنِ السَلَفِ) أي المتقدمين (مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ).
{حكي} عن بعضهم: أنه قال: عندنا رجل حداد كان يدخل يده في النار، ويخرج بها الحديد المحمي ولا تمسه النار، فقصده رجل لينظر صدق ذلك لأمر، وسأل عن الحداد. فلما رآه يصنع كما وصف له أمهله الرجل، حتى فرغ من صنعته، فأتاه وسلم عليه، فردّ عليه السلام. فقال له الرجل: “إني ضيفك في هذه الليلة”. فقال: “الحداد حبا وكرامة”، فمضى به إلى منزله، وتعشى معه، وبات وهو معه، فلم يزد على فرضه، ونام إلى الصبح. فقال الرجل في نفسه: “لعله استتر مني في هذه الليلة”. فبات عنده ثاني ليلة، وهو على حاله، لايزيد على الفرض.فقال له الرجل: “يا أخي، إني سمعت ما أكرمك الله به، ورأيته ظاهرا عليك، ثم نظرت، فما رأيت منك كثرة عمل، ولم تزد على فرضك. فمن أين لك هذه المرتبة ؟”. فقال له الحداد: “يا أخي، إنه كان لي حديث عجيب وأمر غريب، وذلك أنه كان لي جارة جميلة، وكنت بها مولعا، فراودتها عن نفسها مرارا عديدة، فلم أقدر عليها لاعتصامها بالورع، فجاءت سنة قحط، وعدم تالطعام وعم الجوع الأنام، فبينما أنا يوما من الأيام جالس ببيتي إذا بقارع يقرع الباب فخرجت لأنظر إليه، فإذا بها واقفة بالباب، فقالت: “يا أخي، أصابني جوع شديد، فهل لك أن تطعمني لله ؟”. فقلت لها: “أما تعلمين ما أنا فيه من حبك، فما أطعمك إلاّ إن مكنتني من نفسك”. فقالت: “الموت، ولا معصية مع الله”. ومضت إلى منزلها. فلما كانت بعد يومين عادت إليّ، وقالت لي كالمرة الأولى، فأجبتها مثل جوابي الأول، فدخلت وقعدت في البيت وقد أشرفت على الهلاك، فلما جعلت الطعام بين يديها ذرفت عيناها بالدموع، ثم قالت: “هذا لله”، فقلت: “لأن تمكنيني من نفسك”. فقامت ولم تأكل منه شيئا وخرجت من عندي إلى منزلها. فلما كان بعد يومين إذا بها تقرع الباب، فخرجت إليها، وهي واقفة بالباب، وقد قطع الجوع صوتها وقصم ظهرها فقالت: “يا أخي، أعيتني الحيل ولم أقدر على التوجه لأحد غيرك، فهل لك أن تطعمني لله ؟”. فقلت: “نعم، إن مكنتني من نفسك”. فأطرقت رأسها ساعة، ثم دخلت وقعدت في البيت، ولم يكن عندي طعام، فقمت وأضرمت النار وصنعت لها طعاما. فلما وضعته بين يديها تداركني لطف الله تعالى، وقلت في نفسي: “ويحك يا هذا، انّ هذه امرأة ناقصة عقل ودين تمتنع من طعام لا قدرة لها عليه، وهي تتردد المرة بعد المرة من ألم الجوع، وأنت لا تنتهى عن معصية الله تعالى”. ثم قلت: اللهم إني تائب إليك مما كان مني. إني لا أقربها في معصية أبدا، فدخلتُ إليها فقلت لها: “كلي ولا روع عليك فإنه لله تعالى”. فلما سمعتْ ذلك رفعتْ رأسها إلى السماء، وقالت: “اللهم إن كان صادقا فحرّم عليه النار في الدنيا والآخرة. قال: فتركتُها تأكل، وقمت لأزيل النار. وكان ذلك في زمان الشتاء، فوقعت جمرة على قدمي فلم تحرقني. فدخلت إليها، وأنا فرح مسرور. وقلت: “أبشري، فإن الله تعالى أجاب دعاءك”. فرمت اللقمة من يدها، وسجدت شكرا لله تعالى، وقالت: “اللهم أريتني في هذا الرجل، فاقبض روحي هذه الساعة”. فقبض الله روحها وهي ساجدة. وهذا حيثي يا أخي والله أعلم.
{وحكي} أن امرأة خرجت من بيتها لتسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فرآها رجل شاب في الطريق فقال لها: “يا حرمة أين قصدك ؟”، فقالت: “أنا قاصدة النبي صلى الله عليه وسلم، أجلس عنده وأسمع كلامه المليح”. فقال لها الشاب: “هل تحبينه ؟”. قالت: “نعم، أحبه”. فقال لها: “بحق حبه عليك، ارفعي نقابك حتى أنظر وجهك”. فلما حلفها بحب النبي صلى الله عليه وسلم كشفت له عن وجهها فرآه. ثم إنها لما رجعت أخبرت زوجها بما جرى لها مع الشاب، فلما سمع زوجها كلامها تغير خاطره، وقال في نفسه: “لابد من أن أعلم صدقها من كذبها لأرتاح منها، ولا بد من أن أمتحنها”. فأوقد لها تنورا، وهو المحل الذي يقمر فيه الخبز على هيئة الجرة وصبر عليه حتى اشتد لهيبها، ثم قال لها: “بحق النبي صلى الله عليه وسلم، ادخُلِيْ التنور”. فلما حلفها بحق النبي صلى الله عليه وسلم ألقتْ نفسَها فيه، وهونت بروحها، لكونها صادقة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رآها زوجها وقعت في التنور وغطست فيه حزن عليها، وعلم أنها صادقة في قولها. فذهب الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما جرى لزوجته. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع واكشف عنها التنور، فرجع وكشف عنها النار فوجدها سالمة وقد بلها العرق كأنها في حمام أي مغتسل بالماء الحار.
(اللهمَّ أَصْلِحْنَا) في جميع أمورنا (وَأَصْلِحْ أَهْلِيْنَا) أي أقاربنا وأتباعنا (وَذَرَارِيْنَا) أي أولادنا (وَجَمِيْع ِالمُسْلِمِيْنَ) في جميع أمورهم (والْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَْ) ختم المصنف كتابه بالحمدلة كما ختم أهلُ الجنة دعائهم بها. نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالرضوان الأكبر، وبالنعمة السابغة، فبذلك تتم السعادات. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله نفوز بالجنات. والصلاة والسلام على سيد السادات، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والزوجات، ما دامت الأرض والسموات. والحمدلله وحده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
{قال مؤلفه}: قد تم هذا الكتاب بعون الملك الجليل في وقت الضحى
نهار الأحد في السابع والعشرين من شهرالله المحرم سنة
ألف ومأئتين وأربع وتسعين على يد الحقير
محمد بن عمر بن عربي بن على.
تاب الله عليهم.
آمـين.