آيات وأحكام

يحيى بن موسى الزهراني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . أما بعد :

فهذه جملة من أحكام تخص المسلم والمسلمة ولا غنىً لهما عنها ، فهي مما يقوم عليه دينهم ، من حيث الحلال والحرام ، ونظراً لكثرة الأسئلة حول بعض الموضوعات الخاصة بالأسرة المسلمة ، فقد اجتهدت في جمع جملة منها ، وأضفت ما رأيت أن الحاجة داعية إليه ، ليعم النفع بإذن الله تعالى ، وكانت أيضاً بعضاً من الدروس العلمية التي ألقيتها في الجامع الكبير بتبوك ، ولما كانت الحاجة ماسة إليها ، آثرت على نفسي أن أقوم بجمعها ، لعرضها على القراء الكرام ، لينتفع بها الجميع ، فهاهي في بوتقتها الجديدة أقدمها لكل مسلم ومسلمة ، راجياً من الله نفعها في الدنيا والآخرة .
وحان أوان الشروع في المقصود ، وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل .

يقول الله تعالى : ” وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ” [ النساء 22- 24 ] .

مما سبق ذكره من آيات نستخلص بعض الفوائد والفرائد ، فقد دلت الآيات الكريمة السابقة على أن المحرمات في النكاح ما يلي :
1- الأم : ويدخل فيها كل من لها عليك ولادة ، وإن بعدت ، كالجدة وأمها سواءً كانت لأم أو لأب .
2- البنت : ويدخل فيها كل من لك عليها ولادة ، وإن نزلن ، كبنت البنت ، وبنت الابن ، وبنت بنت الابن وهكذا .
3- الأخت : سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم .
4- العمة : وهي كل أخت لأبيك ، أو لجدك وإن علا ، فعمة الأب وعمة الأم عمة للابن .
5- الخالة : كل أخت لأمك ، أو لجدتك وإن علت ، سواءً كانت وارثة أم لا ، فخالة الأم وخالة الأب خالة للابن .
6- بنات الأخ : وبنت بنت الأخ ، وبنت ابنه . فالعم مَحْرَمٌ لبنات أخيه ، ولو كان عماً لهن من الرضاع ، ويدل لذلك : أن أفلح أخا أبا القُعَيس جاء يستأذن على عائشة رضي الله عنها ، وهو عمها من الرضاعة ، بعد أن نزل الحجاب ، قالت : فأبيت أن آذن له ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال : ” ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك ” [ متفق عليه ] ، وفي الحديث فوائد ومن أهمها وجوب الحجاب ، وان المرأة تغطي وجهها وجوباً عند الرجال الأجانب .
7- بنات الأخت : وبنات بنتها ، وبنات ابنها . فالخال مَحْرَمٌ لبنات أخته ، ويدل لذلك الحديث السابق ، فكما أنه ثابت في العم ، فيقاس الخال على العم .
فهؤلاء السبع هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة .
8- ذكرت الآية الكريمة تحريم الأم والأخت من الرضاع ، والتحريم لصاحب اللبن ، فصاحب اللبن يكون أباً للمرتضع وهو قول الأئمة الأربعة أن اللبن للفحل ، فينتشر التحريم من جهة المرضعة ، ومن له اللبن ، فإذا ثبتت الأبوة والأمومة ، ثبت ما هو فرع عنهما ، كأخوتهما ، وأصولهما ، وفروعهما ، وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان ، أرضعت إحداهما جارية ، والأخرى غلاماً ، أيحل للغلام أن يتزوج بالجارية ؟ فقال : ” لا ، اللقاح واحد ” قال أبو عيسى ـ الترمذي ـ وهذا الأصل في هذا الباب وهو قول أحمد وإسحاق . وهذا يدل على أن اللبن للفحل يعني للرجل ، فكل امرأة حرمت بالنسب من الأقسام السابقة ، حرم مثلها بالرضاع ، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الرضاعة تُحرِّم ما تحرم الولادة ” [ متفق عليه ] ، وقال عليه الصلاة والسلام : ” يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ” [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، كما تنتشر الحرمة في أقارب الطفل الرضيع إلى ذريته فقط ، أما والديه وإخوانه وأخواته فلا يدخلون في ذلك التحريم .
والرضاع الذي ينتشر به الحرمة لا بد فيه من شرطين :
الشرط الأول : أن يكون الرضاع في الحولين :
واختلف العلماء في هذه المسألة فقالت عائشة : تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ كما تثبت برضاع الطفل . حيث روت رضي الله عنها فقالت : جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ” يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أرضعيه ” ، قالت : وكيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ” قد علمت أنه رجل كبير ” ، وعن عائشة أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم فأتت تعني ابنة سهيل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ” إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال ، وعقل ما عقلوا ، وإنه يدخل علينا ، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ” أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة ، فرجعت فقالت : إني قد أرضعته ، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ” ، وفي لفظ : فقالت يا رسول الله : والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أرضعيه ” ، فقالت : إنه ذو لحية ؟ فقال : ” أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة ” ، فقالت : والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة ” ، وعن زينب بنت أم سلمة قالت : قالت أم سلمة لعائشة : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع ـ الذي قارب البلوغ ولم يبلغ ـ الذي ما أحب أن يدخل علي ، فقالت عائشة : أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ قالت : إن امرأة أبي حذيفة قالت : يا رسول الله إن سالماً يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أرضعيه حتى يدخل عليك ” [ أخرجها مسلم في صحيحه 10/ 273 وما بعدها ] ، وقد أجاب العلماء على تلك الأحاديث : بأنها خاصة بسهلة وسالم مولى أبي حذيفة ، وقد خالف سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذلك ، فقالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدْخِلْنَ عليهن أحداً بتلك الرضاعة ، وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ” [ أخرجه مسلم ] .
وقال أبو حنيفة : سنتين ونصف ، وقال زُفَر : وإن أتى عليه ثلاث سنين ، وعن مالك رواية : سنتين وأيام .
وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء فقال : إن رضاع الكبير يوجب التحريم ، وهو قول عائشة الذي ذكرته قبل قليل ، وقال به أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ، لكنه رجع عن قوله ذلك ، ويدل لذلك ما رواه أبو عطية قال : قد رجل بامرأته من المدينة ، فوضعت وتورم ثديها ، فجعل يمصه ويمجه ـ يلفظه أو يتفله أو لا يبتلعه ـ فدخل في بطنه جرعة منه ، فسأل أبا موسى فقال : بانت منك ، وأتِ ابن مسعود فأخْبِرْهُ ، ففعل ، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعاً ترى هذا الأشمط ـ والأشمط من اختلط سواد شعر رأسه ببياض ـ إنما يحرم من الرضاع ما يُنبت اللحم والعظم ، فقال أبو موسى : لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم ” ، فقوله : ” لا تسألوني ” يدل على أنه رجع عن قوله . [ تفسير القرطبي 5 / 105 ] .
وقال سائر العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار : لا يثبت إلا بإرضاع من له دون سنتين ، واحتج الجمهور بقوله تعالى : ” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ” [ شرح النووي على مسلم 10 / 274 ] .
قال الشيخ صالح الفوزان : ” رضاع الكبير ، هو رضاع من عمره فوق الحولين ، وحكمه لا يجوز ، ولو وقع فإنه لا ينشر الحرمة عند جمهور العلماء ، وقصة سالم مولى أبي حذيفة ، فهي واقعة عين لا عموم لها ” [ المنتقى 3 / 265 ] .
وقال الشيخ عبد الله ابن جبرين : ” وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه إذا كانت امرأة مضطرة إلى دخول رجل عليها ضرورة شديدة ، ولا تجد بداً من ذلك ، فإن لها أن ترضعه ، أو تأمر أختها بإرضاعه ، فتكون محرماً له ، فيرى أن هذا للضرورة كالتي لامرأة أبي حذيفة ، فأما جمهور العلماء فيرون أن رضاع الكبير لا يحرم ، ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحرم من الرضاعة إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ” [ أخرجه أبو داود وغيره وضعفه الألباني في الإرواء برقم 2153 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” إنما الرضاعة من المجاعة ” [ متفق عليه ] ، فالرضاعة التي ينبت بها لحم الطفل ، ويكبر عظمه ، وتكون قبل الفطام هي التي تحرِّم ، وهذا هو الصحيح . [ إبهاج المؤمنين 2 / 238 ] .
وقال سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله : ” أما رضاع الكبير ، فلا أثر لهذا الرضاع ” [ فتاوى ورسائل 11 / 172 ] .
قال ابن القيم رحمه الله : ” وسألته ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ سهلة بنت سهيل فقالت : إن سالماً بلغ ما يبلغ الرجال ، وعقل ما عقلوا ، وإنه يدخل علينا ، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً ، فقال : ” أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة ، فرجعت فقالت : إني قد أرضعته ، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ” [ أخرجه مسلم ]
فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى ، منهم عائشة ، ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام ، وبالصغر ، وبالحولين لوجوه :
أحدها : كثرتها وانفراد حديث سالم .
الثاني : أن جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خلا عائشة رضى الله عنهن في شِقِ المنع .
الثالث : أنه أحوط .
الرابع : أن رضاع الكبير لا ينبت لحماً ، ولا ينشر عظماً ، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم .
الخامس : أنه يحتمل أن هذا كان مختصاً بسالم وحده ، ولهذا لم يجيء ذلك إلا في قصته .
السادس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها رجل قاعد ، فاشتد ذلك عليه وغضب ، فقالت : إنه أخي من الرضاعة ، فقال : ” انظرن من إخوانكن من الرضاعة ، فإنما الرضاعة من المجاعة ” [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وفي قصة سالم مسلك آخر وهو : أن هذا كان موضع حاجة ، فإن سالماً كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد ، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك ، فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح ، والله أعلم [ إعلام الموقعين 2 / 666 ] .

الشرط الثاني : أن يكون عدد الرضعات خمس :
وقد اختلف العلماء في عدد الرضعات المُحَرِّمَةِ ، فقال بعضهم : مجرد الرضاع يُحرِّم ، لعموم آية الرضاع التي مرت بنا قبل قليل . وقد ذهب إلى هذا القول : عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، والزهري .
وقال آخرون : لا يُحرِّم أقل من ثلاث رضعات ، لما ثبت في من حديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تُحرِّم المصة ولا المصتان ” [ أخرجه مسلم ] . ومن حديث أم الفضل قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تُحرِّم الرضعة أو الرضعتان ، والمصة أو المصتان ” ، وفي لفظ آخر : ” لا تُحرِّم الإملاجة ولا الإملاجتان ” [ أخرجهما مسلم ] ، وذهب إلى هذا القول : الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وهو مروي عن عائشة ، وأم الفضل ، وابن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وسعيد بن جبير .
وقال آخرون : لا يُحرِّم أقل من خمس رضعات ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان فيما أنزل القرآن : ” عشر رضعات معلومات يُحرِّمن ” ثم نُسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن ” [ أخرجه مسلم ] ، وحديث سهلة بنت سهيل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أمرها أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات ” ، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات [ أخرجه مسلم ] ، وبهذا قال الشافعي وأصحابه . [ تفسير ابن كثير 2 / 223 ] .
وقال آخرون : لا يُحرِّم أقل من عشر رضعات ، قال القاضي عياض رحمه الله : وقد شذ بعض الناس فقال : لا يثبت الرضاع إلا بعشر رضعات وهذا باطل مردود . [ إكمال المعلم 4 / 636 ] .
والصحيح مما ذُكر : أن ما يُحرِّم خمس رضعات في الحولين يعني في السنتين الأوليين من سن الرضيع . وأقل من خمس رضعات لا يُحرِّمن ، وأكثر من الحولين لا يُحرِّم .
والمعتبر في الرضعات ، هي الإمساك ثم الإطلاق ، يعني أن يمسك الطفل ثدي المرضعه ثم يتركه ، فهذه واحدة وهكذا حتى يتم خمساً ، وهو قول جمهور العلماء [ إبهاج المؤمنين 2 / 240 ] .

فائدة مهمة :
قال ابن المنذر في الإجماع : ” وأجمعوا على أن البكر التي لم تُنكح ، ثم نزل لها لبن ، فأرضعت به مولوداً ، أنه ابنها ، ولا أب له من الرضاعة ” [ 108 ] .
الفرق بين الرضاع والتبرع بالدم :
هناك فرق كبير بين الرضاع ، والتبرع بالدم ، فالرضاع تنتشر به الحرمة ، لأن النص جاء به ، أما التبرع بالدم فلا علاقة له نهائياً بانتشار الحرمة ، ولا يقاس على اللبن ، فلو تبرع رجل بدمه لإسعاف امرأة ، أو تبرعت امرأة بدمها لإسعاف رجل ، لما تعلق بذلك التبرع بالدم محرمية بين الاثنين ، وسواءً كثر الدم أم قل [ الفتاوى الجامعة 2 / 601 ، 777 ] .
9- وتحرم بالعقد زوجة الأب ، وزوجة الجد ، لقوله تعالى : ” ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ” ، قال البراء بن عازب : لقيت خالي ومعه الراية ، فقلت : أين تريد ؟ قال : أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، أن أضرب عنقه أو أقتله ” .
10- وتحرم بالعقد أيضاً زوجة الابن وإن نزل ، لقوله تعالى : ” وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ” ، فالآية تدل على تحريم زوجة الابن من الصلب ، وأما زوجة الابن من الرضاع فقال جمهور العلماء أنها تحرم أيضاً بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ” يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ” [ متفق عليه ] ، وهو الصحيح .
11- وتحرم بالعقد أيضاً أم الزوجة وأمهاتها ، لقوله تعالى : ” وأمهات نسائكم ” ، فإذا عقد الرجل على امرأة مجرد عقد فقط ، ولو لم يدخل بها ، حَرُمَتْ عليه أمهاتها فوراً على التأبيد .
مسألة :
إذا زنا رجل بامرأة هل ينشر حرمة المصاهرة أم لا ؟ اختلف العلماء في ذلك إلى قولين :
القول الأول :
قال أكثر أهل العلم لو أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها وحسبه أن يقام عليه الحد ثم يدخل بامرأته . ومن زنا بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرم عليه بذلك ، وهو الصحيح من قول مالك وأهل الحجاز ، أن الزنا لا حكم له لأن الله سبحانه وتعالى قال : ” وأمهات نسائكم ” ، وليست التي زنا بها من أمهات نسائه ولا ابنتها من ربائبه ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، لأنه لما ارتفع الصداق في الزنا ، ووجوب العدة والميراث ، ولحوق الولد ، ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن رجل زنا بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال : ” لا يُحَرِّم الحرام الحلال ، إنما يُحَرِّم ما كان بنكاح ” [ أخرجه ابن ماجة والبيهقي والدار قطني ، وهو ضعيف جداً ] .
القول الثاني :
قالت طائفة من العلماء : أن الزنا يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال وهو قول : عمران بن حصين وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وروي عن مالك في رواية ، ودليلهم إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله : ” ياغلام من أبوك ؟ قال : فلان الراعي ” [ متفق عليه ] ، فهذا يدل على أن الزنا يحرم كما يحرم الوطء الحلال ، فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده ، ويستدل به أيضاً على أن المخلوقة من ماء الزاني ، لا تحل للزاني بأمها ، وهو المشهور ، قال عليه الصلاة والسلام : ” لا ينظر الله إلى رجل ، نظر إلى فرج امرأة وابنتها ” [ والصواب أنه أثر موقوف على ابن مسعود ] ، ولم يفصل بين الحلال والحرام ، وقال عليه الصلاة والسلام : ” لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها ” [ لا يصح مرفوعاً ] ، فنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنا للزاني فثبتت البنوة وأحكامها فإن قيل فيلزم على هذا أن تجرى أحكام البنوة والأبوة من حيث المحرمية ، أما التوارث والولايات وغير ذلك فقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما . [ تفسير القرطبي 5 / 110 ، تفسير المنار 4 / 392 ] .
قال ابن قدامة رحمه الله : ” ووطء الحرام مُحْرِّم ، كما يُحْرِّم وطء الحلال والشبهة ـ كمن وطئ امرأة يظنها زوجته ، أو وطئها بعقد باطل اعتقد صحته كمن عقد عليها وهو محرم ، أو وطئ في نكاح مختلف فيه ، أو كان يجهل تحريم الزنى لقرب عهده بالإسلام ، أو بعده عن دار الإسلام ، أو كانت المرأة مكرهة على الزنا ـ يعني أنه يثبت به تحريم المصاهرة ، فإذا زنا بامرأة حرمت على أبيه وابنه ، وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو وطئها بشبهة أو حلالاً ، ولو وطء أم امرأته أو ابنتها حرمت عليه امرأته ، نص أحمد على هذا في رواية جماعة . وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال : الحسن وعطاء وطاووس ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي .
وروي عن ابن عباس أن وطء الحرام لا يحرم وبه قال : سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” لا يحرم الحرام الحلال ” ولأنه وطء لا تصير به الموطوءة فراشاً ، فلا يحرم كوطء الصغيرة .
الراجح :
والصحيح هو القول بنشر الحرمة ، لقوله تعالى : ” ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ” ، والوطء يسمى نكاحاً . فيدخل في عموم الآية ، وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تعليقه على الروض : ” وتحرم الأخوات وبناتهن وبنات الأخوة والعمات والخالات من حلال وحرام ، وكذلك زوجات الآباء والأبناء سواءً كان الآباء والأبناء من حلال أم حرام ” [ الروض المربع 2 / 778 ] .
وقال الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله : ” ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يثبت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال والحرام ، وبهذا يتضح أن الرجل الزاني لا يجوز له أن يتزوج بنت من زنا بها ” [ فتاوى ورسائل الشيخ محمد ابن إبراهيم 10 / 130،131 ] .
أما ما دون الجماع من قبلة ولمس وغمز ، فلا يُعتد به من حيث نشر الحرمة [ فتاوى ورسائل الشيخ محمد ابن إبراهيم 10 / 128 ] .
أنواع الوطء :
والوطء على ثلاثة أضرب :
الأول / الوطء المباح :
وهو الوطء في نكاح صحيح أو ملك يمين فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع ، ويعتبر محرماً لمن حرمت عليه لأنها حرمت عليه على التأبيد بسبب مباح أشبه النسب .
الثاني / الوطء بالشبهة :
وهو الوطء في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته أو وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وأشباه هذا ، فهذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعاً ، قال ابن المنذر : ” أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطء امرأة بنكاح فاسد أو بشراء فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده ” [ الإجماع 106 ] ، وهذا مذهب مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ولأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح ، ولا يصير الرجل محرماً لمن حرمت عليه ، ولا يباح له به النظر إليها ، لأن الوطء ليس بمباح ، ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء ، لأنها إباحة ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى .
الثالث / الحرام المحض :
وهو الزنا فيثبت به التحريم على الخلاف الذي ذكرته سابقاً ، ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر ، لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة فالحرام المحض أولى ، ولا يثبت به نسب ولا يجب به المهر إذا طاوعته فيه .
ولا فرق فيما ذكرنا بين الزنا في القبل والدبر ، لأنه يتعلق به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة ، فكذلك في الزنا [ المغني 9 / 526 وما بعدها ، الروض المربع 2 / 780 ] .
مسألة :
لو خلا رجل بامرأة من غير اتصال بينهما فما الحكم ، وماذا يترتب على ذلك من حيث نشر الحرمة ؟
الجواب : يحرم ذلك وهما آثمان ، ولا يحصل بذلك نشر للحُرمة ، لقوله تعالى : ” فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ” ، وحكى الإجماع على ذلك ابن قدامة ، فقال : ” لا نعلم في ذلك خلافاً ” [ المغني 9 / 533 ] .
مسألة :
إذا تلوط بغلام فهل ينشر الحرمة ؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين :
القول الأول / قيل : يتعلق به التحريم أيضاً فيحرم على اللائط أم الغلام وابنته وعلى الغلام أم اللائط وابنته ، وهو قول أحمد والأوزاعي ، لأنه وطء في الفرج فنشر الحرمة كوطء المرأة ولأنها بنت من وطئه وأمه فحرمتا عليه ، كما لو كانت الموطوءة أنثى .
القول الثاني / قيل لا ينشر اللواط الحرمة ، وهو قول الأئمة الثلاثة ، الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابهم .
الراجح :
أن ذلك لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم ، فيدخلن في عموم قوله تعالى : ” وأحل لكم ما وراء ذلكم ” ، ولأنهن غير منصوص عليهن ، ولا في معنى المنصوص عليه ، فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن ، فإن المنصوص عليهن في هذا : حلائل الأبناء ، ومن نكحهن الآباء ، وأمهات النساء ، وبناتهن ، وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن ، لأن الوطء في المرأة يكون سبباً للبعضية ، ويوجب المهر ، ويلحق به النسب ، وتصير به المرأة فراشاً ، ويُثْبِتُ أحكاماً لا يثبتها اللواط ، فلا يجوز إلحاقه بهن لعدم العلة وانقطاع الشبهة ، ولذلك لو أرضع الرجل طفلاً لم يثبت به حكم التحريم ، فها هنا أولى وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف فلا يجوز تخصيص عموم الكتاب به واطراح النص بمثله [ المغني 9 / 528 ، وتفسير القرطبي 5 / 112 ] .
12- وبالدخول بالأم ، تحرم بنت الزوجة وبنات أولادها ، لقوله تعالى : ” وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ” ، وليس المقصود في حجوركم في الآية : البنت التي دخل الرجل بأمها وهي معه في بيت واحد ، بل الصحيح الذي لا محيد عنه أنها حتى ولو لم تكن في حجره فهي حرام عليه إذا دخل بأمها ، فالخطاب في الآية السابقة خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له .
فهذا تنبيه على غالب الحال ، لا على أن الحكم مقصور عليه ، [ إكمال المعلم 4 / 633 ] ، وهناك قاعدة قعدها بعض العلماء تخص الأم والبنت ، وهي : ” العقد على البنات يحرم الأمهات ، والدخول بالأمهات يحرم البنات ” [ الإفصاح 8 / 91 ] . وسميت بنت المرأة ربيبة : لأن زوج الأم يربيها .
عن أم حبيبة رضي اله عنها قالت : يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان ؟ وفي لفظ لمسلم : عزة بنت أبي سفيان . قال : ” أتحبين ذلك ” ، قالت : نعم ، يا رسول الله ، لست لك بِمُخْلِيَة ـ يعني يشاركها فيه ضرائر وليست لوحدها ـ وأحبُّ من شاركني في خير أختي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” فإن ذلك لا يحل لي ” ، قالت : قلت : يارسول الله ، فإنا نتحدث أنك تريد أن تنكح دُرَّةَ بنت أبي سلمة . قال : ” بنت أبي سلمة ” ، قالت : نعم ، قال : ” لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ، ما حلت لي . إنها ابنة أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأباها ثويبة ، فلا تَعْرِضْنَ علي بناتِكُنَّ ولا أخواتِكُنَّ ” [ متفق عليه ] .
قال النووي رحمه الله تعالى : ” قوله صلى الله عليه وسلم : ” لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي ، إنها ابنة أخي من الرضاعة ” معناه : أنها حرام علي بسببين : كونها ربيبة ، وكونها بنت أخي ، فلو فقد أحد السببين حرمت بالآخر . [ شرح النووي على مسلم 10 / 268 ] .
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة ، وحكم بالتحريم بذلك ، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة ، والفقهاء السبعة ، وجمهور الخلف والسلف . [ تفسير ابن كثير 2 / 225 ] .
وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى : ” الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ، ولكن للتقييد بذلك فائدتان ، يعني تقييد كونها في حجره :
إحداهما : التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة ، وأنها كانت بمنزلة البنت ، فمن المستقبح إباحتها .
والثانية : فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة ، وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن . والله أعلم . [ تيسير الكريم الرحمن 2 / 47 ] .
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى : ” إلا أنه روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما ، أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره ” [ المغني 9 / 516 ] .
قال ابن المنذر رحمه الله : ” وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول ” [ ذكره عنه الوزير في الإفصاح 8 / 93 ] .
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى : ” ولولا الإجماع الحادث في المسألة ، وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى ” [ فتح الباري 9 / 199 ] .
وقال ابن قدامه رحمه الله : ” وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار ، إذا بانت من نكاحه ، إلا أن تموت قبل الدخول ، ففيه روايتان :
إحداهما / تحرم ابنتها : وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر ، لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق ، فيقوم مقامه في تحريم الربيبة .
والثانية / لا تحرم : وهو قول علي ومذهب عامة العلماء ، قال ابن المنذر : وأجمع عوام علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج ابنتها [ الإجماع لابن المنذر 104 ] . كذلك قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومن تبعهم ، لأن الله تعالى قال : ” من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ” وهذا نص لا يترك لقياس ضعيف [ المغني 9 / 517 ] .
قال الشيخ صالح الفوزان : ” إذا خلا بالأم بعد العقد ، فإن بنتها لا تحل له إطلاقاً ، سواءً كانت في حجره أم لم تكن ، أي سواءً كانت عنده في البيت أم لم تكن ، لأن الربيبة غالباً تكون في حجر زوج الأم ، وإلا فإنه بمجرد الدخول بالأم لا تحل البنت إطلاقاً له ، سواءً كانت الأم حية أو ميتة ، وسواءً ولدت البنت قبل أن يتزوج أمها أو ولدت بعد أن طلق أمها من زوج آخر ، المهم أنه بمجرد الدخول بالأم ، لا تحل البنت [ المنتقى 3 / 239 ] .
13- المُلاعِنَةِ على المُلاعِنِ :
لما روى الجوزقاني عن سهل بن سعيد قال : ” مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً ، فهذا التحريم تحريم اجتماع وزواج بعد فراق ، لا تحريم محرمية ، فكل منهما محرم على الآخر ، وليس الرجل بمحرم لمن لاعنها ، بل هو أجنبي عنها بعد الملاعنة ، ولكنه لا يتزوجها بعدما لاعنها أبداً [ فتاوى المرأة المسلمة 2 / 741 ].
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ ، فَقَالَ : كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ ، فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، قَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُلَاعَنَةِ ، بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، فَلَاعَنَهَا ، ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا فَطَلَّقَهَا ، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ ـ شديد السواد ـ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ ـ شديد سواد العينين ـ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ ـ مؤخرة الإنسان ـ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ ـ ضخم ممتلئ ـ فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ ” [ رواه البخاري ومسلم ] ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ ؟ فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذِنْ لِي قَالَ إِنَّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ صَوْتِي قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ادْخُلْ فَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ قُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ نَعَمْ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ : ” وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ” فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ قَالَتْ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ” [ رواه مسلم والترمذي ] .
فإذا ثبت اللعان بين الزوجين وكانت المرأة حاملاً ، فإن الولد يلحق بأمه ، ويسمى بها ، فيقال فلان ابن فلانة ، وترثه ويرثها ، ولا يجوز أن يقال أنه ابن زناً لنفي المرأة الزنا عنها باللعان ، لحديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ” إِذَا تَلَاعَنَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَجْتَمِعَا وَدُعِيَ الْوَلَدُ لِأُمِّهِ يُقَالُ ابْنُ فُلَانَةَ هِيَ عَصَبَتُهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ وَمَنْ دَعَاهُ لِزِنْيَةٍ جُلِدَ ” [ أخرجه الدرامي ] . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ” فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ ، قَالَ : ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ” [ أخرجه البخاري ] .
وقد جاء الحديث بأوضح من ذلك في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ : ” وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ” ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ : أَهَكَذَا نَزَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ! أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ” قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَلُمْهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا بِكْرًا ، وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنِّي قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنِّي لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا ـ وهو اسم يطلق على الرجل والمرأة ـ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ . قَالَ فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ يَهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا قَدِ ابْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ وَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ هِلَالٌ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا فَقَالَ هِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَرَى مَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا جِئْتُ بِهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ وَ وَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إِذْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَرَفُوا ذَلِكَ فِي تَرَبُّدِ جِلْدِهِ يَعْنِي فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ فَنَزَلَتْ ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ) الْآيَةَ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا هِلَالُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا فَقَالَ هِلَالٌ قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَاكَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسِلُوا إِلَيْهَا فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا فَجَاءَتْ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا وَذَكَّرَهُمَا وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا فَقَالَ هِلَالٌ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ كَذَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لِهِلَالٍ اشْهَدْ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا كَانَ فِي الْخَامِسَةِ قِيلَ يَا هِلَالُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا فَشَهِدَ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ثُمَّ قِيلَ لَهَا اشْهَدِي أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قِيلَ لَهَا اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي فَشَهِدَتْ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا وَقَضَى أَنَّهُ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ وَلَا تُرْمَى هِيَ بِهِ وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا وَقَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْسِحَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَانٌ قَالَ عِكْرِمَةُ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ وَكَانَ يُدْعَى لِأُمِّهِ وَمَا يُدْعَى لِأَبِيهِ ” [ أخرجه أحمد واللفظ له ، وهو حديث متفق على صحته ] .
وإذا ثبت اللعان وفرق بين الزوجين المتلاعنين ، فلا ترد له من مهره شيئاً ، ولا حق له فيه ، لحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : ” حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ؟ قَالَ : ” لَا مَالَ لَكَ ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا ” [ متفق عليه ] .
14- أخت الزوجة وعمتها وخالتها :
فأولئك يحرمن من أجل الجمع ، فيحرم الزواج بإحداهن حتى يفارق زوجته التي حرم الزواج بإحداهن من أجلها ، وهذه الحرمة يحرم فيها الزواج فقط ، أما أن يكون الزوج محرماً لأخت زوجته أو عمتها أو خالتها فهذا غير صحيح ، بل هو أجنبي عنهن ، لأنه لو طلق تلك الزوجة أو ماتت عنه لجاز له أن يتزوج بإحداهن ، ودليل تحريم الجمع بين الزوجة وأختها قوله تعالى : ” وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ” .
وقَعَّدَ العلماء قاعدة لتحريم الجمع بين المحارم وهي : ” يحرم الجمع بين امرأتين ، لو كانت إحداهما رجلاً ، لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعاً ” أو : ” يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قدرت ذكراً حرمت عليه الأخرى ” .
وجمهور العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين سواءً كان ذلك نكاحاً أو ملك يمين ، وكذلك يجب أن يكون نظراً وقياساً تحريم الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب . [ تفسير ابن كثير 2 / 229 ] .
أما تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ، فجاء في حديث جابر رضي الله عنه قال : ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها ” [ أخرجه البخاري وغيره ] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها ” [ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ] ، يقول محمد فؤاد عبد الباقي : ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة وعمتها في نكاح واحد ، ولا بملك يمين ، وكذلك المرأة وخالتها ، وحيث حرم الجمع ، فلو نكحهما معاً بطل النكاح ، إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى ، فإن نكحهما مرتباً ، بطل نكاح الثانية لأن الجمع بها حصل ” [ اللؤلؤ والمرجان 1 / 75 ، والمغني 9 / 519 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها ، والمرأة على خالتها ” فنُرى خالة أبيها بتلك المنزلة [ أخرجه البخاري ] . فخالة أبي البنت بمنزلة خالتها فيحرم الجمع بينهما في النكاح ، وكذلك العمة .
سبب تحريم الجمع :
والسبب في تحريم الجمع بين المرأة وخالتها ، أو عمتها ، قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج المرأة على العمة والخالة ، وقال : ” إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن ” [ أخرجه ابن حبان في صحيحه بإسناد حسن 9 / 426 ] .
وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة ، فإذا كانت إحداهما من أقارب الأخرى ، حصلت القطيعة بينهما ، والإسلام لم يأت بمثل تلك الأفعال المستهجنة ، بل مقت صاحبها ولعنه والعياذ بالله ، فقال الله جل شأنه : ” فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ” [ محمد ] ، وقال تعالى : ” والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ” [ الرعد 25 ] ، ولقد حث الإسلام على صلة الرحم ، ووعد على ذلك بجزيل الثواب ، وعظيم الأجر ، فقال تعالى : ” والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار ” [ الرعد 21-24 ] .
ولا يحرم الجمع بين ابنتي العم ، وبنتي الخال ، وبنت الخال وبنت العم ، وما شابه ذلك ، لأنه داخل في عموم قوله تعالى : ” وأحل لكم ما وراء ذلكم ” ، ولأن إحداهما تحل للأخرى لو كانت ذكراً .
لكن هناك من العلماء من منع ذلك النكاح ، وقال بأن أقل أحواله الكراهة ، مستندين بالحديث الذي رواه طلحة بن عبيد الله قال : ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُزَوَّجَ المرأة على ذي قرابة ، كَرَاهِيَةَ القطيعة ” [ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ] ، وقال بعض العلماء : لا يكره الجمع بينهن ، لأنه ليس بينهن قرابة تحرم الجمع [ المغني 9 / 524 ] .
ولتمام الفائدة نصل الموضوع بالمحرمات في النكاح وهن كما يلي :
15- الجمع بين أكثر من أربع نسوة :
هذا الأمر لا يجوز لمخالفته الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة ، فقد قال تعالى : ” فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ” .
فالعدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة وزعم أن الواو جامعة وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا وجمع بينهن في عصمته والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة : الرافضة وبعض أهل الظاهر ، فجعلوا مثنى مثل اثنين وكذلك ثلاث ورباع ، وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها فقالوا : بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع ، وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع نسوة ، وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدارقطني في سننهما بإسناد حسن : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي ، وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ” اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ” ، وعن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” اختر منهن أربعاً [ أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما بإسناد حسن ] .
وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته [ تفسير القرطبي 5 / 20 ] .
وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة فما دون ذلك ، فأحل الله جل ثناؤه أربعاً ، ثم الذي صيرهن إلى أربع قوله تعالى : ” مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ” يقول : إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث ، وإلا فثنتين ، وإلا فواحدة ، وإن خفت ألا تعدل في واحدة ، فما ملكت يمينك ، لأن العدل بين ملك اليمين ليس بواجب ، وكذلك فإنه لا قسم لهن ، ولا حق لهن في الوطء ، كما أنه يجوز أنه يملك أكثر من أربع بملك اليمين ، أما النكاح فلا يجوز له أن يتزوج بأكثر من أربع [ تفسير الطبري 3 / 576 ، تفسير القرطبي 5 / 22 ] .
قال الشافعي : وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبينة عن الله ، أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة ، وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء ، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع ، وقال بعضهم بلا حصر ، وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع ، إما تسع كما ثبت في الصحيح البخاري ، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري وقد علقه البخاري وقد روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة ودخل منهن بثلاث عشرة واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع وهذا عند العلماء من خصائصه صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة [ تفسير ابن كثير 2 / 188 ] .
وإن طلق الرجل إحدى زوجاته الأربع وبقي عنده ثلاث ، فإن لا يجوز له أن يتزوج الرابعة حتى تنقضي عدة المطلقة .
فائدة في الاهتمام بالزوجة :
قيل أنه أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل ، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله عز وجل ، فقال لها : نعم الزوج زوجك ، فجعلت تكرر عليه القول ، وهو يكرر عليها الجواب ، فقال له كعب الأسدي : يا أمير المؤمنين ، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه ، فقال عمر كما فهمت كلامها فاقض بينهما ؟ فقال كعب : علي بزوجها ، فأتي به ، فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك ؟ قال : أفي طعام أم شراب ؟ قال : لا ، فقالت المرأة :
يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهـده في مـضجعي تعبده فاقض القضا كعب ولا تـردده
نهـاره وليله مـا يـرقـده فلست في أمـر النساء أحمـده
فقال زوجها :
زهـدني في فـرشها وفي الحجل أني أمرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب :
إن لها عليك حقاً يارجل نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
ثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك .
فقال عمر : والله ما أدري من أي أمريك أعجب ، أمن فهمك أمرهما ؟ أم من حكمك بينهما ؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة .
فهذه وصية أوصي فيها الأزواج بأن يتقوا الله تعالى في زوجاتهم ، ويعطونهن حقوقهن ، وأعظم تلك الحقوق حقوق الفراش والمداعبة والمسامرة والكلام المعسول الذي لا يخرج عن الآداب الشرعية ، فالمرأة تريد زوجاً ، ولا تريد منفقاً فقط ، فهناك الكثير من الأزواج من يهجر بيته ، ولا يعرف أولاده إلا في ساعة متأخرة من الليل ، ومن الناس من ألهته الحياة الدنيا ، فترك الزوجة والأولاد ، وغادر البلاد بحثاً عن التجارة أو ما شابه ، فأي حياة تلك ، إنها لحياة بؤس وعسر ، وربما انحلت الأسرة عن بكرة أبيها ، بسبب بعد أبيها عنها ، فراجعوا أنفسكم أيها الأزواج ، واعلموا أن لأزواجكم عليكم حقوقاً ، ولأبنائكم عليكم حقوقاً ، فأعطوا كل ذي حق حقه ، والله الحسيب والرقيب .
16- تزوج المعتدة :
المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها إجماعاً ، أي عدة كانت ، سواءً عدة وفاة أو عدة طلاق ، لقول الله تعالى : ” ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ” [ البقرة ] ، ولأن العدة إنما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم ، لئلا يفضي إلى امتزاج المياه ، واختلاط الأنساب ، وإن تزوجت فالنكاح باطل لأنها ممنوعة من النكاح لحق الزوج الأول ، فكان نكاحاً باطلاً ، كما لو تزوجت وهي في نكاحه ويجب أن يفرق بينه وبينها ، فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها ، ولا تنقطع بالعقد الثاني لأنه باطل ، لا تصير به المرأة فراشاً ، ولا يستحق عليه بالعقد شيء ، وتسقط سكناها ونفقتها عن الزوج الأول ، لأنها ناشز ، وإن وطئها الثاني انقطعت العدة سواءً علم التحريم أو جهله .
وقال أبو حنيفة : لا تنقطع لأن كونها فراشاً لغير من له العدة ، لا يمنعها كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة ، فإنها تعتد وإن كانت فراشاً للزوج ، عن أَبي بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَحَدَّثَتْنَا أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً قَالَتْ وَوَضَعَ لِي عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ عِنْدَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ خَمْسَةً شَعِيرًا وَخَمْسَةً بُرًّا قَالَتْ : فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَتْ فَقَالَ : ” صَدَقَ ” قَالَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَيْتَ أُمِّ شَرِيكٍ بَيْتٌ يَغْشَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَلَكِنِ اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ وَلَا يَرَاكِ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَجَاءَ أَحَدٌ يَخْطُبُكِ فَآذِنِينِي فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ قَالَتْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ قَالَتْ فَخَطَبَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَتَزَوَّجَنِي فَبَارَكَ اللَّهُ لِي فِي أُسَامَةَ ” [ أخرجه أحمد ، والترمذي واللفظ له وقال حديث صحيح ] .
وقال الشافعي : إن وطئها عالماً بأنها معتدة وأنها تحرم فهو زان فلا تنقطع العدة بوطئه لأنها لا تصير به فراشاً ولا يلحق به نسب وإن كان جاهلا أنها معتدة أو بالتحريم انقطعت العدة بالوطء لأنها تصير به فراشاً ، والعدة تُراد للاستبراء وكونها فراشاً ينافي ذلك فوجب أن يقطعها فأما طريانه عليها فلا يجوز .
والصحيح أن هذا وطء بشبهة نكاح ، فتنقطع به العدة كما لو جهل ، وقولهم إنها تصير به فراشاً . قلنا : لكنه لا يلحق نسب الولد الحادث من وطئه بالزوج الأول فهما شيئان إذا ثبت هذا فعليه فراقها فإن لم يفعل وجب التفريق بينهما فإن فارقها أو فرق بينهما وجب عليها أن تكمل عدة الأول ، لأن حقه أسبق وعدته وجبت عن وطء في نكاح صحيح ، فإذا أكملت عدة الأول ، وجب عليها أن تعتد من الثاني ، ولا تتداخل العدتان ، لأنهما من رجلين ، وهذا مذهب الشافعي .
وقال أبو حنيفة : يتداخلان ، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني ، لتكون عن بقية عدة الأول ، وعدةً للثاني ، لأن القصد معرفة براءة الرحم ، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعاً .
والصحيح : ما روى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ونكحها غيره في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها ضربات بمخفقة وفرق بينهما ثم قال : ” أيما امرأة نكحت في عدتها ، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها ، فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ، وكان خاطباً من الخطاب ، وإن كان دخل بها فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ، ثم اعتدت من الآخر ، ولا ينكحها أبداً ” ، وروى بإسناده عن علي : ” أنه قضى في التي تزوج في عدتها ، أنه يفرق بينهما ، ولها الصداق بما استحل من فرجها ، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول ، وتعتد من الآخر ” ، لكنه لم يقل بأنه لا ينكحها أبداً كما قاله عمر رضي الله عنه ، بل ثبت أن عمر رجع عن قوله إلى قول علي رضي الله عنهما ، فإن علياً قال : ” إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخُطاب ” ، فقال عمر : ” ردوا الجهالات إلى السنة ” ، ورجع إلى قول علي ، وهذان قولا سيدين من الخلفاء لم يعرف لهما في الصحابة مخالف ، لأنهما حقان مقصودان لآدميين ، فلم يتداخلا كالدَّيْنَيْنِ واليمينين ، ولأنه حبس يستحق الرجال على النساء فلم يجز أن تكون المرأة في حبس رجلين كحبس الزوجة .
وللزوج الثاني أن ينكحها بعد انقضاء العدتين ، أما الزوج الأول فإن كان طلاقه ثلاثاً لم تحل له وإن وطئها في رجعتها غير المشروعة ، لأنه نكاح باطل ، وإن كان طلاقه دون الثلاث ، فله نكاحها أيضاً بعد العدتين ، وإن كانت رجعية فله رجعتها في عدتها منه .
وقيل أنها تحرم على الزوج الثاني على التأبيد ، وهو قول مالك وقديم قولي الشافعي ورواية عن أحمد ، لقول عمر الذي سبق : ” لا ينكحها أبداً ” ، ولأنه استعجل الحق قبل وقته ، فَحُرِمَهُ في وقته ، كالوارث إذا قتل موروثه ، ولأنه يفسد النسب فيوقع التحريم المؤبد كاللعان . وقال الشافعي في الجديد : له نكاحها بعد انقضاء عدة الأول ، ولا يمنع من نكاحها في عدتها منه ، ولأنه وطء يلحق به النسب ، فلا يمنع من نكاحها في عدتها منه ، كالوطء في النكاح ، ولأن العدة إنما شرعت حفظاً للنسب ، وصيانة للماء ، والنسب لاحق به هاهنا ، فأشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عدتها .
والصحيح : إباحتها بعد العدتين ، لأنه لا يخلو إما أن يكون تحريمها بالعقد ، أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما ، وجميع ذلك لا يقتضي التحريم ، ولأن آيات الإباحة عامة ، لقول الله تعالى : ” وأحل لكم ما وراء ذلكم ” ، وقوله تعالى : ” والمحصنات من المؤمنات ” فلا يجوز تخصيصها بغير دليل .
ومن تزوج امرأة في عدتها ، وهما عالمان بالعدة ، وتحريم النكاح فيها ، ووطئها فهما زانيان ، عليهما حد الزنا ، ولا مهر لها ، ولا يلحقه النسب ، وإن كانا جاهلين بالعدة أو بالتحريم ، ثبت النسب ، وانتفى الحد ، ووجب المهر ، وإن علم هو دونها ، فعليه الحد والمهر ، ولا نسب له ، وإن علمت هي دونه ، فعليها الحد ، ولا مهر لها ، والنسب لاحق به ، وإنما كان كذلك لأن هذا نكاح متفق على بطلانه ، فأشبه نكاح ذوات محارمه . [ المغني 11 / 236 – 242 بتصرف ] .
17- تزوج الزانية :
الزنا جريمة خطيرة ، وكبيرة عظيمة ، وفاحشة شنيعة ، تنفر منها الطباع السليمة ، والفطر الصحيحة ، ولما ترتب عليها من حد قاس في الدنيا ، وعذاب أليم في الآخرة ،
وحرم الله على المؤمن أن ينكح الزانية ، وحرم على المؤمنة أن تنكح الزاني ، في قوله تعالى : ” والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ” [ النور 3 ] ومعنى الآية : أن الزاني لا يقبله إلا مثله زانية ألفت الزنا وبقيت عليه ، أو مشركة لا فرق عندها بين الحلال والحرام ، وكذلك الزانية لا يقبلها إلا مثلها زان أو مشرك ، لأن الزاني مستمر على زناه ، وهو ديوث بقبوله زانية ، لإقراره فعل الفاحشة في أهله ورضاه بذلك ، والمشرك لا يبالي إذا زنت زوجته وأدخلت عليه أولاداً ليسوا من صلبه . وليس معنى الآية أن ينكح الكافر المسلمة ، فهذا محرم ، ولكن يتعفف المؤمن عن نكاح الزانية ، مادامت مصرة على زناها .
أما إذا تابت الزانية من الزنا ، فإنها تستبرأ بحيضة ، وإن كانت حاملاً فبوضع الحمل ، وتعرف توبتها ، بابتعادها عن مواطن الشُبه ، وأماكن الزنا ، وعودتها العودة الصادقة إلى الله تعالى ، والندم على ما فعلت وكثرة الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى ، وقال البعض : تعرف توبتها ، بأن تراود ، فإن امتنعت عرفت توبتها ، وذلك كأن يأتيها أحد أهل العفاف في خلوتها ويراودها عن نفسها ، فإذا امتنعت عرفت بذلك توبتها ، وإذا لم تمتنع عرف أنها لم تتب ، وروي هذا القول عن ابن عمر ، وأخذ به الإمام أحمد رحمه الله .
ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يخلو أجنبي بامرأة ، ولا يراودها حتى ولو كان عفيفاً ، فالشيطان قد يقرب بينهما ، فإذا كان لا يجوز أن خلو أجنبي بامرأة لتعليم القرآن فكيف بهذه المسألة الخطيرة ، ثم لو راودها فقد توافق على ذلك وتعود إلى فعل الزنا ، فيكون العلاج مرضاً ، ويكون الدواء داءً ، والصحيح أن توبتها تعرف بما سبق ذكره [ المغني 9 / 564 ، إبهاج المؤمنين 2 / 236 ، المجموعة الكاملة للشيخ ابن سعدي / الفتاوى 354 ] .
ولو زنا رجل بامرأة ، فيحرم عليه أن يتزوج بها أو يعقد عليها حتى يتوبا إلى الله من ذلك الفعل العظيم ، فإن تابا وصدقت توبتهما ، فعليه أن يستبرئها بحيضة ، فإن كانت حاملاً فلا يجوز له أن يتزوجها حتى تضع حملها ، وتنقضي عدتها بعد وضعها ، ولو كان الذي يريد الزواج بها هو من زنا بها ، لاختلاف المائين نجاسة وطهارة ، وطيباً وخبثاً ، ولاختلاف الوطء حلالاً وحراماً ، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان وغيرهم ، وانظر فتاوى اللجنة الدائمة ] .
وسأله صلى الله عليه وسلم مرثد الغنوي فقال : يا رسول الله أنكح عناقاً ، وكانت بغياً بمكة ، فسكت عنه فنزلت الآية : ” الزاني لا ينكح إلا زانية أومشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أومشرك ” ، فدعاه فقرأها عليه وقال : ” لا تنكحها ” [ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وهو حديث صحيح ] .
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أم مهزول ، كانت تسافح ، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية [ أخرجه أحمد ] .
وأفتى صلى الله عليه وسلم : ” بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله ، فأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه ، وهي من محاسن مذهبه رحمة الله عليه ، فإنه لم يجوز أن يكون الرجل زوج قحبة [ إعلام الموقعين 2 / 662 ] .
18- تزوج المطلقة ثلاثاً :
لا يحل لمن طلق زوجته ثلاثاً أي طلاقاً بائناً أن يتزوجها أو يراجعها حتى تنكح زوجاً غيره ، ويشترط في الزوج الآخر أن يطأها ، ولا يكفي أن يعقد عليها فقط ، وإن قصد تحليلها لزوجها الأول ، فلا يحل ذلك أيضاً ، بل لابد أن يكون الزواج عن رغبة في النكاح ، لا من أجل التحليل ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قالت : جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي ، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ، وإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ ـ طرف الثوب وهذا كناية عن ضعفه الجنسي ـ الثَّوْبِ ، فَقَالَ : ” أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ ، لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ” وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ : أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” [ أخرجه البخاري ومسلم ] .
ولا يكفي أن يتزوجها الزوج الثاني فقط بدون اتصال بينهما ، بل لا بد من الوطء الذي فيه رغبة ، ويكون الوطء في الفرج ، بقصد التمتع بما أحل الله له ، وإلا لم تحل المرأة لزوجها الأول لو طلقها زوجها الثاني ، وهذا إجماع بين العلماء ، ولم يخالف في ذلك إلا : سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقال : ” إن تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد به إحلالاً ، فلا بأس أن يتزوجها الأول ” وقوله رحمه الله مخالف للنصوص ، ومخالف لإجماع العلماء ، فهو قول شاذ لا يعتد به . [ الإجماع لابن المنذر 115 ] ، وحجة الجمهور حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فَطَلَّقَهَا ، وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ ـ طرف الثوب وهو كناية عن ضعفه الجنسي ـ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ ، فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ” [ متفق عليه ] ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَيَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَيُغْلِقُ الْبَابَ وَيُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ؟ قَالَ : ” لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعَهَا الْآخَرُ ” [ أخرجه النسائي وهو في الصحيحين ] .
لكن إن كان هناك تواطؤ بين الزوجين فلا يجوز للمرأة المطلقة طلاقاً ثلاثاً أن تعود إلى زوجها الأول ، لأنه تحايل على الله تعالى ، الذي يعلم السر والنجوى ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم ، عن نكاح التحلل ، بل ولعن المحلل والمحلل له ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ” [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني 1 / 582 ] ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ” [ أخرجه أحمد ، وابن ماجة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني عند ابن ماجة 1 / 145 ] ، قَالَ الترمذي : ” وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَقُ ، ووَكِيعٍ . قَالَ وَكِيعٌ : وَقَالَ سُفْيَانُ : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِيُحَلِّلَهَا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ” .
وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم على من تزوج امرأة يريد تحليلها لزوجها الأول لقباً لا يقبله عاقل ، فقد شبهه بالتيس الذي يستعيره صاحب الغنم لينزو عليها ، وهو ما يسمى بضراب الفحل ، عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : ” هُوَ الْمُحَلِّلُ ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ” [ أخرجه ابن ماجة ، وقال الألباني : حديث حسن ، وهو في الإرواء 6 / 309-310 ] .
فعلى ما سبق ذكره من الأدلة : يتضح أن من تزوج بامرأة يريد أن يحللها لزوجها الأول ، فالنكاح باطل ، وإن كان هناك تواطؤ من الجميع ، فهو سفاح زناً ، ويجب أن يفرق بينهما ويقام عليهما حد الزنا ، لأنه نكاح باطل ، لا أصله له ، ويؤدب كل من اشترك فيه من شهود وعاقد ، وولي ، وكذلك الزوج الأول ، فإن طلقها الزوج الثاني ، بقصد تحليلها لزوجها الأول ، ثم تزوجها الزوج الثاني فالنكاح باطل أيضاً ، وهو سفاح ، ويقام عليهما الحد ، لتلاعبهما بحدود الله تعالى ، وعدم انصياعهما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وكان على الرجل أن يكون حكيماً مقدراً للأمور قدرها ، فلا يتخذ الطلاق ألعوبة يتسلى بها ، ولا يجعل الطلاق ، عصى يضرب بها زوجتها ، ويهددها في لحظة وحين ، بل الرجل يجب أن يكون أعقل من هذا ، وأكثر حرصاً على جمع الشمل ، ورأب الصدع بين أفراد الأسرة ، لأن القوامة له ، فمن حقوق القوامة أن يؤديها كما أُمر بها ، وأن لا يفرط فيما ائتمنه الله عليه منها ، وكلما حصل نقاش حاد ، أو دب خلاف جاد ، فعلى الزوج أن يعالج الأمر بالروية والسكينة ، وأخذ الحيطة ، لأن الشيطان أفرح ما يكون عندما يفرق بين المرء وزوجه ، فإذا عرف العاقل أن له عدواً حريصاً كل الحرص على أن يثبط هممه ، ويقتلع غراسه ، كان الواجب أن يقف في وجه عدوه ، ولا يترك له الأمر هيناً سهلاً ، يرتع فيه كيفما شاء ، ومتى شاء ، بل وعلى الرجل العاقل الفطن ، إذا حصل خلاف أسري أن يحمل نفسه ويخرج من بيته ، حتى تهدأ الأمور ، وتعود العواطف كما كانت عليه ، فإن كلاً من الزوجين سيراجع نفسه ، ويحاسبها حساباً شديداً ، ويعاقبها عقاباً عنيفاً ، حتى لا تعود لمثل ما حصل منها ، هكذا سنقضي بإذن الله تعالى على مثل تلك المشاكل والخلافات الأسرية البسيطة ، بالعقل ولين الجانب ، والتنازل من قل الطرفين ، والتماس الأعذار ، والتغاضي عن بعض الهفوات التي لا بد وأن تكون في كل بيت ، كيف لا ، وقد كانت الخلافات الأسرية حتى في بيت النبوة الكريمة ، وفي بيوت الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين ، فيجب على الرجل والمرأة أن يقدرا أن كلاً منهما قد تحصل للآخر من أزمات وتقلبات نفسية ، وتغيرات مزاجية ، فيقف الجميع صفاً واحداً متعاطفين متلاطفين ، متحابين متعاونين ، حتى يخرج الجميع من تلك الأزمات والتقلبات ، فترفرف السعادة على البيوت ، وترتسم البسمة على الوجوه .
19- تزوج المُحْرِمَة :
وأما المحرمة فقال أبو حنيفة والبخاري وجماعة نكاح المحرم جائز بالعقد دون الوطء
وقال مالك والشافعي لا يجوز ولا عمدة لهما فيه إلا حديث نُبيه بن وهب خرجه مالك لا ينكح المحرم ولا ينكح وضعف البخاري نبيه بن وهب وتعديل مالك وعلمه به أقوى من علم كل بخاري وحجازي فلا يلتفت لغيره ، وأما حديث البخاري في ميمونة أن النبي r تزوجها محرما فعجبا للبخاري يدخله مع عظيم الخلاف فيه ويترك أمثاله ولا يعارض حديث نبيه المتفق عليه بحديث ميمونة المختلف فيه [ أحكام القرآن لابن العربي 1 / 434 ] .
فيحرم عقد النكاح للمحرم ، سواءً لنفسه أو لغيره ، ولا يجوز عقده لمحرم ولا على محرمة لما روى عثمان بن عفان أن النبي r قال : ” لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ” [ رواه مسلم ] ، فالإحرام يحرم النكاح ، وإن فعل فالنكاح باطل لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، ولا بأس بالرجعة ، لأنها إمساك للزوجة بدليل قول الله تعالى ” فأمسكوهن بمعروف ” [ البقرة 231 ] ، ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود ولا إذنها فلم تحرم كإمساكها بترك الطلاق .
وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة للخبر ولا يجب بالتزويج فدية لأنه عقد فسد للإحرام فأشبه شراء الصيد . [ الكافي ] .
قال ابن قدامة رحمه الله : ” قوله لا يتزوج أي لا يقبل النكاح لنفسه ولا يزوج أي لا يكون وليا في النكاح ولا وكيلا فيه ، ولا يجوز تزويج المحرمة أيضا
روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأجاز ذلك ابن عباس
وهو قول أبي حنيفة ، لما روى ابن عباس أن النبي r تزوج ميمونة وهو محرم متفق عليه ، ولأنه عقد يملك به الاستمتاع فلا يحرمه الإحرام كشراء الإماء
ولنا ما روى أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله r : ” لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ” [ رواه مسلم ] ، ولأن الإحرام يحرم الطيب فيحرم النكاح كالعدة ، فأما حديث ابن عباس فقد روى يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي r تزوجها حلالاً ، وبنى بها حلالا وماتت بسرف في الظلة التي بنى بها فيها [ رواه أبو داود والأثرم ] ، وعن أبي رافع قال تزوج رسول الله r ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت أنا الرسول بينهما قال الترمذي هذا حديث حسن ، وميمونة أعلم بنفسها ، وأبو رافع صاحب القصة وهو السفير فيها فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى ، بالتقديم لو كان ابن عباس كبيراً ، فكيف وقد كان صغيرا لا يعرف حقائق الأمور ولا يقف عليها وقد أنكر عليه هذا القول ، وقال سعيد بن المسيب وهم ابن عباس ما تزوجها النبي r إلا حلالاً ، فكيف يعمل بحديث هذا حاله ويمكن حمل قوله وهو محرم أي في الشهر الحرام أو في البلد الحرام ، ثم لو صح الحديثان كان تقديم حديثنا أولى ، لأنه قول النبي r وذلك فعله ، والقول آكد لأنه يحتمل أن يكون مختصاً بما فعله .
ومتى تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة فالنكاح باطل سواء كان الكل محرمين أو بعضهم لأنه منهي عنه فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها .
وعن أحمد إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح ، وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه ، لكونه مختلفا فيه ، قال القاضي ويفرق بينهما بطلقة ، وهكذا كل نكاح مختلف فيه .
قال أحمد في رواية أبي طالب إذا تزوجت بغير ولي لم يكن للوي أن يزوجها من غيره حتى يطلق ، ولأن تزويجها من غير طلاق يفضي إلى أن يجتمع للمرأة زوجان كل واحد منهما يعتقد حلها .
وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان : ” لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ” [ رواه مسلم ] .
ولأنه تسبب إلى الحرام ، فأشبه الإشارة إلى الصيد ، والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات ، لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام فكذلك ما يحرم به فصل ويكره أن يشهد النكاح ، لأنه معاونة على النكاح فأشبه الخطبة ، وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح ، وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين لأن في بعض الروايات ولا يشهد ، ولنا إنه لا مدخل للشاهد في العقد فأشبه الخطبة ، وهذه اللفظة غير معروفة فلم يثبت بها حكم ، ومتى تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة لم يجب بذلك فدية ، لأنه عقد فسد لأجل الإحرام
فلم تجب به فدية كشراء الصيد [ المغني ] .
وقال الشافعي رحمه الله :
لا يلي محرم عقدة نكاح لنفسه ولا لغيره فإن تزوج المحرم في إحرامه وكان هو الخاطب لنفسه أو خطب عليه حلال بأمره فسواء لأنه هو الناكح ونكاحه مفسوخ وهكذا المحرمة لا يزوجها حرام ولا حلال لأنها هي المتزوجة وكذلك لو زوج المحرم امرأة حلالا أو وليها حلال فوكل وليها حراما فزوجها كان النكاح مفسوخا لأن المحرم عقد النكاح قال ولا بأس أن يشهد المحرمون على عقد النكاح لأن الشاهد ليس بناكح ولا منكح ولو توقى رجل أن يخطب امرأة محرمة كان أحب إلي ولا أعلمه يضيق عليه خطبتها في إحرامها لأنها ليست بمعتدة ولا في معناها ومتى خرجت من إحرامها جاز لها أن تنكح وقد تكون معتمرة فيكون لها الخروج من إحرامها بأن تعجل الطواف ، أو حاجَّةً فيكون لها ذلك بأن تعجل الزيارة يوم النحر فتطوف ، والمعتدة ليس لها أن تقدم الخروج من عدتها ساعة ، فأي نكاح عقده محرم لنفسه أو محرم لغيره ، فالنكاح مفسوخ ، فإذا دخل بها فأصابها فلها مهر مثلها ، إلا ما سمى لها ، ويفرق بينهما ، وله أن يخطبها إذا حلت من إحرامها في عدتها منه ، ولو توقى كان ذلك أحب إلي لأنها ، وإن كانت تعتد من مائه ، فإنها تعتد من ماء فاسد ، وليس لغيره أن يخطبها حتى تنقضي عدتها منه ، وإن خطب المحرم على رجل وولى عقدة نكاحه حلال ، فالنكاح جائز ، فإن كانت معتمرة أو كان معتمرا لم ينكح واحد منهما ، حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ويأخذ من شعره ، فإن نكح قبل ذلك فنكاحه مفسوخ ، فإن كانت أو كانا حاجين ، لم ينكح واحد منهما حتى يرمي ويحلق ويطوف يوم النحر ، أو بعده ، فأيهما نكح قبل هذا فنكاحه مفسوخ ، وذلك أن عقد النكاح كالجماع فمتى لم يحل للمحرم الجماع من الإحرام لم يحل له عقد النكاح ، وإذا كان الناكح في إحرام فاسد لم يجز له النكاح فيه ، كما لا يجوز له في الإحرام الصحيح ، وإن كان الناكح محصراً بعدو لم ينكح حتى يحل وذلك أن يحلق وينحر فإن كان محصراً بمرض لم ينكح حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وأصل هذا أن ينظر إلى عقد النكاح فإن كان قد حل للمحرم منهما الجماع فأجيزه ، وإن كان الجماع لم يحل للمحرم منهما لحرمة الإحرام فأبطله .
ويراجع المحرم امرأته ويراجع المحرمة زوجها ، لأن الرجعة ليست بابتداء نكاح ، إنما هي إصلاح شيء أفسد من نكاح كان صحيحاً إلى الزوج إصلاحه دون المرأة والولاة ـ يعني ولاة الأمر ـ وليس فيه مهر ولا عوض ، ولا يقال للمراجع ناكح .
ويشتري المحرم الجارية للجماع والخدمة ، لأن الشراء ليس كالنكاح المنهي عنه ، كما يشتري المرأة وولدها وأمها وأخواتها ، ولا ينكح هؤلاء معاً ، لأن الشراء ملك ، فإن كان يحل به الجماع بحال فليس حكمه حكم النكاح فننهاه عن الشراء لأنه في معنى النكاح .
ولو وكل رجل قبل أن يحرم رجلاً أن يزوجه امرأة ، ثم أحرم فزوجه وهو ببلده ، أو غائب عنه يعلم بإحرامه ، أو لا يعلم ، فالنكاح مفسوخ إذا عقده والمعقود له محرم ، ولو عقد وهو غائب في وقت ، فقال : لم أكن في ذلك الوقت محرماً ، كان القول قوله مع يمينه ، إلا أن تقوم عليه بينة بإحرامه في ذلك الوقت فيفسخ النكاح ، ولو زوجه في وقت فقال الزوج : لا أدري كنت في ذلك الوقت محرماً ، أو حلالاً ، أو لم أعلم متى كان النكاح ، كان الورع أن يدع النكاح ، ويعطي نصف الصداق ، إن كان سمى ، والمتعة إن لم يكن سمى ، ويفرق في ذلك بتطليقة ، ويقول إن لم أكن كنت محرماً ، فقد أوقعت عليها تطليقة ، ولا يلزمه في الحكم من هذا شيء ، لأنه على إحلال النكاح حتى يعلم فسخه وهذا كله إذا صدقته المرأة بما يقول في أن النكاح كان وهو محرم ، فإن كذبته ، ألزمته : لها نصف الصداق إن لم يكن دخل بها ، إلا أن يقيم بينة بأنه كان محرماً حين تزوج ، وفسخت النكاح عليه بإقراره أن نكاحه كان فاسداً ، وإن قالت : لا أعرف أصدق أم كذب ، قلنا نحن نفسخ النكاح بإقراره ، وإن قلت كذب أخذنا لك نصف المهر لأنك لا تدرين ثم تدرين وإن لم تقولي هذا لم نأخذ لك شيئا ولا نأخذ لمن لا يدعي شيئا وإن قالت المرأة أنكحت وأنا محرمة فصدقها أو أقامت بينة فالنكاح مفسوخ وإن لم يصدقها فالقول قوله والنكاح ثابت وعليه اليمين وإن نكح أمة فقال سيدها أنكحتكها وهي محرمة وقالت ذلك الأمة أو لم تقله فإن صدقه الزوج فلا مهر لها وإن كذبه وكذبها فالنكاح ثابت إذا حلف الزوج [ الأم 6 / 200-204 ] .
20- تزوج الكافرة :
أما زواج المسلم من كافرة فهذا لا يجوز للنصوص الواردة في الكتاب والسنة ، قال تعالى : ” ولا تمسكوا بعصم الكوافر ” وقد نزلت هذه الآية يوم الحديبية ، وقد كان من شأن يوم الحديبية أموراً عظيمة سجلها التأريخ بمداد من ذهب ، وسأذكر القصة كاملة من مظانها الصحيحة لعظم فائدتها ، وكثير جدواها ، خصوصاً في مثل هذا الوقت الذي ضعف فيه دين المسلمين ، وقل يقينهم بالله ، وتصدع جدار التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، في حين قوي فيه أعداؤهم ، وتكالبت الأمم عليهم ، فقصة صلح الحديبية من أعظم ما يعين المسلم على فهم خطط الحرب ، وضرب الأعداء بعضهم ببعض ، فإلى القصة :
عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَالِدَ ابْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ فَقَالُوا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَشُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ فَقَالَ بُدَيْلٌ سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ قَالَ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ قَالُوا بَلَى قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَهَلْ تَتَّهِمُونِي قَالُوا لَا قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ قَالُوا ائْتِهِ فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لَأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ فَقَالَ مَنْ ذَا قَالُوا أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ قَالَ وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا الْإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ ابْنُ حَفْصٍ فَقَالَ دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مِكْرَزٌ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ مَعْمَرٌ فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَاتِبَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلٌ أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قَالَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجِزْهُ لِي قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلَى فَافْعَلْ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عُمَرُ فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) حَتَّى بَلَغَ ( بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) حَتَّى بَلَغَ ( الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَالَ أَبو عَبْد اللَّهِ ( مَعَرَّةٌ ) الْعُرُّ الْجَرَبُ ( تَزَيَّلُوا ) تَمَيَّزُوا وَحَمَيْتُ الْقَوْمَ مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةً وَأَحْمَيْتُ الْحِمَى جَعَلْتُهُ حِمًى لَا يُدْخَلُ وَأَحْمَيْتُ الْحَدِيدَ وَأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ إِحْمَاءً وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ وَبَلَغْنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ) وَالْعَقْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ فَكَتَبَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ” [ أخرجه البخاري واللفظ له ، وأحمد ، وأبو داود ] .
فالشاهد من القصة ، قول الراوي : فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك قال فنهاهم أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ قال رجل للزهري أمن أجل الفروج قال نعم فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية . وطلقهما لكفرهما .
فيحرم على المسلم أن يتزوج بكافرة غير كتابية ، لقوله تعالى : ” ولا تمسكوا بعصم الكوافر ” ، [ الممتحنة 10 ] ، وقوله تعالى : ” ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ” [ البقرة 221 ] ، وهاتان الآيتان خصصتهما آية سورة المائدة لأن سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، والآية المخصصة هي قوله تعالى : ” اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أُوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم . . . ” [ المائدة 5 ] .
فالكتابية يهودية كانت أم نصرانية ، يحل للمسلم تزوجها لعموم الآية السابقة ، ولإجماع علماء المسلمين على ذلك .
قال ابن عبد البر : ” وإجماع فقهاء الأمصار على أن نكاح المجوسيات والوثنيات وما عدا اليهوديات والنصرانيات من الكافرات لا يحل ، وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار ، وجمهور العلماء ، وما خالفه فشذوذ لا يعرج عليه ” [ الإجماع لابن عبد البر 249 ، والإفصاح 8 / 102 ، ].
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، عن قوله تعالى : ” ولا تنكحوا المشركات ” ، وقد أباح العلماء التزويج بالنصرانية واليهودية فهل هما من المشركين أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله ، نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة قال تعالى : ” وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ” ، وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم ، وقد روي عن بن عمر أنه كره نكاح النصرانية وقال لا أعلم شركاً أعظم ممن تقول إن ربها عيسى بن مريم ، [ قلت : والحديث وإن كان في صحيح البخاري إلا أنه يعارض الكتاب والسنة وإجماع العلماء ] ، وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع وقد احتجوا بالآية التي في سورة البقرة وبقوله : ” ولا تمسكوا بعصم الكوافر ” [ مجموع الفتاوى 32 / 178 ] .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : قوله تعالى : ” ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ” ، نزلت باتفاق المسلمين في قضية الصلح الذي كان بين النبي r وبين أهل مكة صلح الحديبية لما شرط عليهم أن يرد المسلمون من جاءهم مسلماً ، وأن لا يرد أهل مكة من ذهب إليهم مرتداً ، فهاجر نسوة كأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، فنسخ الله تعالى الرد في النساء ، وأمر برد المهر عوضاً عن رد المرأة فذلك قوله تعالى : ” وآتوهم ما أنفقوا ” فأمر أن يؤتى الأزواج ما أنفقوا على المرأة الممتحنة التي لا ترد والذي أنفقوا هو المسمى : ” واسألوا ما أنفقتم ” فشرع للمؤمنين أن يسألوا الكفار ما أنفقوا على النسوة اللاتي ارتددن إليهم وأن يسأل الكفار ما أنفقوا على النساء المهاجرات فلما حكم الله سبحانه وتعالى بذلك دل على أن خروج البضع متقوم وأنه بالمهر المسمى ودلت الآية على أن المرأة إذا أفسدت نكاحها رجع عليها زوجها بالمهر ، فإذا حلف عليها فخالفته وفعلت المحلوف عليه كانت عاصية ظالمة متلفة للبضع عليه فيجب عليها ضمانه إما بالمسمى على أصح قولي للعلماء وإما بمهر المثل ، يؤيد ذلك ما كان من امرأة قيس بن شماس حين أبغضته وقالت إني أكره الكفر بعد الإيمان فأمرها رسول الله r أن ترد عليه حديقته لأن الفرقة جاءت من جهتها فتبين أنه يجوز فتبين أنه يجوز أن يأخذ أن يأخذ صداقها إذا كان سبب الفرقة من جهتها إلا إذا كانت من جهته وهذا كله يقرر أنه يجوز أن يرجع إليه الصداق إذا فعل ما يوجب الضمان مثل ما إذا أفسدته بالهجرة أو الردة [ مجموع الفتاوى ، مختصر الفتاوى المصرية 1 / 540 ] .
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ، عن رجل تكلم بكلمة الكفر ، وحكم بكفره ، ثم بعد ذلك حلف بالطلاق من امرأته ثلاثاً ، فإذا رجع إلى الإسلام ، هل يجوز له أن يجدد النكاح من غير تحليل أم لا ؟ .
فأجاب : الحمد لله ، إذا ارتد ولم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدة امرأته فإنها تبين منه عند الأئمة الأربعة ، وإذا طلقها بعد ذلك ، فقد طلق أجنبية ، فلا يقع بها الطلاق ، فإذا عاد إلى الإسلام ، فله أن يتزوجها ، وإن طلقها في زمن العدة قبل أن يعود إلى الإسلام ، فهذا فيه قولان للعلماء :
أحدهما : أن البينونة تحصل بنفس الردة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد في إحدى الروايتين عنه فعلى هذا يكون الطلاق بعد هذا طلاق الأجنبية فلا يقع والثاني : أن النكاح لا يزول حتى تنقضي العدة فإن أسلم قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما وهذا مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى عنه فعلى هذا إذا كان الطلاق في العدة وعاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة تبين أنه طلق زوجته فيقع الطلاق وإن كان لم يعد إلى الإسلام حتى انقضت العدة تبين أنه طلق أجنبية فلا يقع به الطلاق والله أعلم . [ مجموع الفتاوى 32 / 190 ] .
والسبب في تحريم الزواج بالمشركة ونحوها : عدم تحقيق الانسجام ، والاطمئنان ، والتعاون بين بيت الزوجين ، يعني أهل الزوجين ، لأن تباين العقيدة والدين ، يوجب القلق والخوف والاضطراب ، وكثرة المشاكل ، وعدم رغبة كلاً من الطرفين بالآخر ، مما يسبب التنافر بين الزوجين ، فلا تستقيم الحياة الزوجية على دعائم المودة والمحبة والاستقرار ، ولا عجب فالدين غير واحد ، والملة غير واحدة ، فالقلوب مشتتة غير متآلفة .
مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدم الإيمان من قبل الزوجة قد يسهل عليها الخيانة الزوجية ، والفساد والشر ، ويرفع عنها الأمانة ، والاستقامة والخير ، لأنها تؤمن بأوهام وخرافات ، وتتأثر بالأهواء والطباع الفاسدة غير المهذبة ، فلا دين يرعها ، ولا حياء يمنعها ، ولا خوف عندها من الله تعالى ، فكما دعتها نزوتها البهيمية من التزوج برجل من غير جنسها وبلدها ، وخانت أهلها ومجتمعها لأنه لا دين لها ، فمن السهل جداً أن تخون زوجها ، وتندس فراشه ، وتدخل عليه من ليس بولده ، فالأمر خطير ، والخطب جسيم ، بل أن البعض من العلماء من كره الزواج بالكتابية ، لخوف وقوع مثل ما ذكرت سابقاً .
قال الشيخ / محمد بن إبراهيم رحمه الله : ” الزواج بالكتابية ليس حراماً بل جائز من حيث الصحة ، ولكن هناك من العلماء من كرهه ، لأنه لا غيرة عند المرأة الكتابية ، وهؤلاء الذين يتزوجون من لا تتستر ، ولا كذا ، أيرغب في هذه رجل ؟ إنما يرغب فيها ثور يريد الضراب فقط ، إنما نفسه بهيمية ” [ مجموع الفتاوى 10 / 132 ] .
21- تزوج الكافر امرأة مسلمة :
يقول الله تعالى : ” ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ” [ البقرة 221 ] ، وقال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن . . ” ، وسبب نزول هذه الآية : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشاً في الحديبية على أن يرد كل من جاء مسلماً من الكفار ، وأن لا يرد الكفار من جاء كافراً من المسلمين ، فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما طلبوه ، وغضب المسلمون من ذلك الشرط المجحف ظاهراً ، المفيد للمسلمين باطناً ، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده لأهله .
وفي الآية السابقة أن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وجاء المؤمنات مهاجرات ، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن هاجر ، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله r فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان .
قال بن جرير : سئل بن عباس كيف كان امتحان رسول الله r النساء ؟ قال : كان يمتحنهن : بالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض ، وبالله ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله .
وقيل : كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبد الله ورسوله .
وقال مجاهد : ( فامتحنوهن ) فاسألوهن عما جاء بهن ؟ فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن ، أو سخطه أو غيره ولم يؤمنَّ فارجعوهن إلى أزواجهن .
وقال عكرمة : يقال لها : ما جاء بك إلا حب الله ورسوله ؟ وما جاء بك عشق رجل منا ؟ ولا فرار من زوجك ؟ فذلك قوله ( فامتحنوهن ) .
وقال قتادة : كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز ؟ وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه ؟ فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن .
وقوله تعالى : ” لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ” ، هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ولهذا كان أمر أبي العاص بن الربيع زوج ابنة النبي r زينب رضي الله عنها وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة فلما رآها رسول الله r رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا ففعلوا فأطلقه رسول الله r على أن يبعث ابنته إليه فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده وبعثها إلى رسول الله r مع زيد بن حارثة رضي الله عنه فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه بالنكاح الأول ولم يحدث لها صداقاً كما في حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس : ” أن رسول الله r رد ابنته زينب على أبي العاص ، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ، ولم يحدث شهادة ولا صداقا ” [ رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وهو حديث ضعيف ] ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ” أن رسول الله r رد ابنته على أبي العاص بن الربيع ، بمهر جديد ، ونكاح جديد ” . والعمل على حديث عمرو بن شعيب ، وأجاب الجمهور عن حديث بن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه ، لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ، ولم يُسلم ، انفسخ نكاحها منه ، وقال آخرون : بل إذا انقضت العدة ، هي بالخيار : إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت ، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت ، وحملوا عليه حديث بن عباس . والله أعلم .
وقوله تعالى : ” وآتوهم ما أنفقوا ” يعني أزواج المهاجرات من المشركين ، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة ، قاله بن عباس ومجاهد وقتادة والزهري وغير واحد [ انظر في ذلك تفسير ابن كثير ، وتفسير الطبري ، وتفسير القرطبي ، والصحيح المسند من أسباب النزول وغيرها ] .
22- تزوج المحصنة ( المتزوجة ) :
وهذا أمر منكر وعظيم ، فلا يجوز تزوج امرأة متزوجة ، لأن الله تعالى بعدما ذكر المحرمات في النكاح بين تحريم التزوج بمحصنة فقال تعالى : ” والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ” ، فيحرم على الرجل أن ينكح امرأة على ذمة رجل آخر ، ومن فعل ذلك متعمداً فقد ضاد الله في حكمه ، وخرج عن جماعة المسلمين ، وأقيم عليه حد الردة إن كان معتقداً حله .
وهذه النقطة لا تحتاج إلى مزيد بيان أو شرح أو طرح ، فهي أوضح من الشمس في رابعة النهار ، ويعرفها السفيه والجاهل فضلاً عن العاقل والعالم .
لهذا اقتصرت على ذكرت ، ففيه الكفاية لطالب الحق والراغب فيه .
هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة في موضوع هام ، كموضوع النكاح والرضاع وما يتعلق بهما من أحكام شرعية ، فما كان من صواب وتوفيق فمن الله وحده ، وما كان من خطأ وزلل فمني ومن تقصيري والله ورسوله بريئان منه ، وأسأل الله المغفرة والرحمة والعفو والصفح ، وحسبي أن بذلت جهدي في هذه المسائل ، رجا بركتها ونفعها عند الله تعالى ، ونفعها في الدنيا لإخواننا وأخواتنا المسلمين والمسلمات .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وزدنا علمنا ، اللهم إنا نسألك العلم النافع والعمل الصالح ، اللهم منا علينا بتوبة نصوح قبل الموت ، وراحة عند الموت ، وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

كتبه
الراجي عفو ربه ومغفرته
يحيى بن موسى الزهراني
إمام الجامع الكبير بتبوك